موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

بعد حروب الجواسيس وطرد الدبلوماسيين... رزمة تدابير وتحالفات
السبت - 7 ذو الحجة 1439 هـ - 18 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14508]
موسكو: رائد جبر

مع دخول رزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا حيز التنفيذ الأسبوع المقبل، تكون واشنطن توجت «سياسة العقوبات» الموجهة ضد موسكو بإجراءات انتقلت تدريجيا من تدابير «رمزية وسياسية» طالت في البداية شخصيات ومؤسسات مقربة من الكرملين، لتتخذ مسارات موجعة للاقتصاد الروسي وللنظام المصرفي الذي اهتز بقوة أخيرا على وقع الإعلان عن الخطوات العقابية الأخيرة.
وخلافا للمزاج الإيجابي الذي سيطر على أول قمة جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي قبل أسابيع، شكل الإعلان عن رزمة العقوبات الجديدة ضربة قوية لجهود تطبيع العلاقات، فضلا عن أنها شكلت استكمالا لفصول العقوبات السابقة، إذ لم يعد بين البلدين أي ملف سياسي أو اقتصادي أو إنساني لم يتعرض لتدابير حازمة باتت تشكل عقبة كبرى أمام محاولات ترمب تجاوز الخلافات ووضع خريطة طريق للتقارب.
العقوبات الأميركية التي تعددت الجهات التي صاغتها لتشمل وزارة المال والكونغرس والأجهزة الاستخباراتية ومجلس الأمن القومي وأخيرا الخارجية الأميركية، لم تترك ملفا خلافيا إلا وقيدته باستراتيجية الضغوط من الوضع في أوكرانيا والاتهامات لموسكو بزعزعة استقرار البلد، إلى ضم القرم، إلى لائحة «ماغنيتسكي» المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، إلى الهجمات السيبرانية إلى سوريا وإيران. ومن الاتهامات بتدبير الهجوم الكيماوي في بريطانيا، وصولا إلى العقوبات التي فرضت أخيرا على خلفية اتهام شركات روسية بالتعاون مع كوريا الشمالية. وخلف كل هذا تقف التهمة الكبرى بالتدخل الروسي في مسار الانتخابات الأميركية عام 2016 التي شكلت أساسا لإعلان رزمة تدابير وصفت بأنها ستكون الأكثر إيلاما من سابقاتها.

«حرب اقتصادية»
جاء إعلان رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميديفيديف أن بلاده تواجه «حربا اقتصادية» من جانب الولايات المتحدة، ليضع المواجهة القائمة في إطار جديد بعدما كانت سبقتها «حروب» متعددة الأشكال.
ومنذ أن أطلق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما «الحرب الدبلوماسية» في نهاية العام 2016 عبر طرد مئات الدبلوماسيين الروس، ووضع قيود صارمة على عمل بعض الممثليات الروسية في مدن أميركية كبرى، مرت علاقات البلدين بمرحلة وصفها الرئيس الروسي بأنها أسوأ من الحرب الباردة. لم تهدأ خلال هذه الفترة الخطوات التصعيدية من الجانبين، وغدت حرب الجواسيس العام الماضي علامة فارقة لأن العلاقات استعادت بقوة خلالها روح الحروب الباردة والمواجهة بين قطبين كبيرين. كما أن المواجهة الإعلامية اشتعلت بشكل غير مسبوق، ولا يكاد يمر أسبوع من دون دخول المستوى السياسي لدى البلدين على خط تكذيب معطيات تروج في وسائل الإعلام، فضلا عن القيود التي فرضها البلدان على عمل صحافيين وإغلاق صفحات ومؤسسات إعلامية باتت توصف لدى الجانبين بأنها تدخل تحت طائلة قوانين «العملاء الأجانب».
لكن «الحرب الاقتصادية» تشكل وفقا للخبير في المعهد العالي للاقتصاد ليونيد ايسايكين أخطر حلقات المواجهة القائمة. وأبعدها تأثيرا. لأنها «لم تعد تقتصر على مبدأ المعاقبة بهدف الردع، بل دخلت مرحلة السعي إلى تقويض النظام الاقتصادي والمالي في روسيا» في إشارة إلى رزمة العقوبات الأخيرة التي وصفت بأنها ستؤدي في حال التطبيق الحازم لها إلى إصابة النظام المصرفي الروسي بحالة من الشلل.

عقوبات مؤلمة
حذرت موسكو من أنها ستضطر للرد بقوة إذا مضت واشنطن في تطبيق إجراءات مثل حظر أنشطة المصارف الروسية في الولايات المتحدة أو تقييد استخدام الدولار في تعاملاتها.
وكان عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة قدموا في 03.08.2018 مشروع قرار للكونغرس يحمل عنوان «حماية الأمن الأميركي من التدخل الروسي» وينص على فرض عقوبات رادعة بينها حظر التعاملات المالية في الولايات المتحدة وتجميد أصول أكبر سبعة مصارف حكومية روسية، أبرزها «سبيربنك» (بنك الادخار الوطني) و«في تي بي» (بنك التجارة الخارجية) و«في إيه بي» (بنك الاقتصاد الخارجي) و«بروم سفياز بنك» (بنك الصناعة والاتصال).
ومنع المصارف الروسية من إجراء تعاملات بالدولار عبر المصارف الأميركية الوسيطة. ويشتمل مشروع القانون حظرا على شراء سندات دين روسية جديدة.
بعد ذلك بأيام أعلنت الخارجية الأميركية لائحة عقوبات أخرى على خلفية اتهام روسيا بتسميم العميل المزدوج في بريطانيا، وشملت العقوبات في مرحلتها الأولى قيودا على صادرات مهمة مثل محركات الطائرات وتوربينات الغاز والمعدات الكهربائية والمكونات الإلكترونية، وكل التقنيات التي تدخل ضمن تصنيف «الاستخدام المزدوج» فضلا عن فرض قيود على التعاون بين البلدين في مجال الفضاء وبيع تقنيات الطيران.
ومنحت واشنطن الروس مهلة 90 يوماً ولوحت بمرحلة ثانية من رزمة العقوبات الحازمة في حال لم تقدم موسكو «ضمانات حقيقية» بعدم استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية، ورفضت قيام المفتشين الدوليين بزيارة منشآتها الكيماوية. في هذه الحال تنذر العقوبات الجديدة بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل أكبر، ومنع الناقل الحكومي الرسمي «ايروفلوت» من القيام برحلات الطيران بين موسكو والولايات المتحدة الأميركية وتجميد التبادل التجاري بين البلدين تماما تقريبا. بالإضافة إلى فرض حظر على تعاملات اثنتين من أضخم الشركات الحكومية الروسية في مجالي صناعة الألمنيوم واستخراج وبيع الماس الخام. بذلك تستكمل دورة العقوبات الأميركية إحكام الطرق على كل مجالات التعامل الروسي الخارجي تقريبا باستثناء إمدادات الغاز والنفط التي باتت تشكل الخط الأحمر الأخير الذي يدافع عنه الكرملين.
ووفقا للنسخة الروسية من «فوربس» ستؤثر العقوبات الجديدة على جميع الشركات الروسية المملوكة للدولة تقريباً، والتي تستحوذ، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، على نحو 70 في المائة من الاقتصاد الروسي و40 في المائة من إجمالي القوى العاملة.

روسيا تلوح برد مؤجل
جاء إعلان سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، أن موسكو تدرك حتمية التوسيع المستمر للعقوبات الأميركية ضدها، ليؤكد أن موسكو لم تعد تراهن كثيرا على قدرة الرئيس ترمب على مواجهة خصومه الداخليين وإطلاق مسار تطبيع العلاقات.
ولفت نائب الوزير إلى أنه مع الأخذ في الاعتبار «الهستيريا المعادية لروسيا التي اجتاحت الولايات المتحدة، واكتسبت الآن نطاقا لا سابق له» علينا أن ننطلق من حتمية استمرار توسيع قوائم العقوبات وعثور واشنطن على أشكال متطورة على نحو متزايد لهذه التدابير في محاولة لإجبارنا على التخلي عن نهجنا المستقل الذي يلبي مصالحنا، في الساحة الدولية. إلا أنه استدرك فقال بأن «ردود فعلنا متزنة ونتصرف وفقا للتوجيهات التي نتلقاها من قيادة البلاد». في إشارة إلى أن الكرملين لا يبدو متسرعا جدا في تأجيج المواجهة بإجراءات مقابلة. ورغم ذلك أشار ريابكوف إلى أن روسيا تدرس فرض تدابير جوابية على توسيع العقوبات الأميركية.
في أي حال يرى خبراء روس أن بوتين سيكون مضطرا لإعلان رد في حال تبنى الكونغرس قانون العقوبات المالية الجديد، وأن المماطلة في إعلان الرد تهدف إلى دراسة الخطوات التي يمكن أن يقوم بها ترمب لتخفيف تداعيات العقوبات. ووفقا لرئيس رابطة رجال الأعمال الصغيرة والمتوسطة فإن تداعيات فرض عقوبات على النظام المصرفي والمالي الروسي ستؤدي إلى عواقب وخيمة على النظام المالي الأميركي نفسه، لأنها تزيد من تدهور التعامل بالدولار الأميركي كعملة للتعاملات التجارية عالميا، وتدفع بلدان أكثر إلى البحث عن بدائل للدولار.
ووفقا للمحللين الاقتصاديين في شبكة «أر بي كيه» المتخصصة فإن الخطوات التي يمكن أن تتخذها موسكو للرد على العقوبات الجديدة بينها ما هو «مؤلم» للأميركيين أيضا. وبرغم أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وواشنطن ليس كبيرا نسبيا ولا يزيد حاليا عن عشرة مليارات دولار. لكن ميزان التبادل المائل لمصلحة روسيا بنسبة أكثر من 60 في المائة يشتمل على صادرات حيوية جدا للشركات الأميركية، وفي حال تعرضت الصادرات لهزات فإن قطاعات أميركية مهمة سوف تتأثر.
ويدخل ضمن الصادرات الروسية النفط ومكوناته وخصوصا البنزين، ويستحوذ على نحو نصف صادرات روسيا إلى الولايات المتحدة. كما أن روسيا تصدر الوقود النووي ومواد خام تدخل في صناعة التقنيات النووية وهذه برغم أن حجمها لا يزيد عن مليار دولار واحد لكن الصادرات الروسية تغطي جزءا مهما من حاجة شركات أميركية مهمة. لكن الأهم هو صادرات روسيا من مادة التيتانيوم التي تدخل في صناعة أجسام الطائرات. وتكفي الإشارة إلى أن عملاق صناعة الطيران الأميركي «بوينغ» يستورد ثلث حاجته من هذه المادة من روسيا، وفي حال شملت عقوبات جوابية روسية هذه المادة فهذا يعني أن بوينغ ستتعرض لأضرار لا يمكن تعويضها سريعا.
أيضا تعتمد شركات الفضاء الأميركية على صادرات روسيا من تقنيات تدخل في صناعة محركات الصواريخ الفضائية. وبرغم أن الطرفين غير مرتاحين للتعاون في هذا المجال لكنهما لا يجدان بدائل عنه في الوقت الراهن. ويبرز عدم ارتياح روسيا في مسألة أن محركات الصواريخ الروسية المنشأ تستخدم في أميركا لنقل وسائل عسكرية وأقمار تجسس أميركية وغيرها من التقنيات الموجهة في قدر منها أصلا ضد مصالح روسيا. بينما يبرز عدم الرضا الأميركي في اضطرار الشركات الأميركية إلى الاعتماد على تقنيات روسية في مسألة حساسة مثل هذه. وكانت واشنطن بدأت في وقت سابق تجربة بدائل أميركية بالاستناد إلى تقنيات صاروخ «تشالنجر» التي تم تجميد مشروع تطويرها في سنوات سابقة بعد كارثة سقوط هذا الصاروخ في العام 1986.
وثمة صادرات روسية أقل أهمية مثل المواد الغذائية وخصوصا منتجات البحار والمحيطات، لكنها تدخل أيضا ضمن احتمالات الإجراءات الجوابية الروسية.
وعلى الصعد الأخرى ثمة خطوات يمكن أن تتخذها موسكو وفقا لمحللي مركز دراسات الاستراتيجيات العسكرية بينها الانسحاب من بعض الاتفاقات الموقعة مع الأميركيين ما يطلق يد موسكو في تطوير قدرات صاروخية أو نووية مجمدة حاليا.
ويبدو أن المسار الذي بدأت موسكو دراسته لتطوير رد قوي يعتمد على تقليص التعامل بالدولار استباقا لتعزيز العقوبات على النظام المصرفي الروسي. وفي هذا المجال تدخل التفاهمات الروسية مع عدد من حلفاء روسيا التجاريين للانتقال تدريجيا إلى الاعتماد على العملات المحلية في التجارة البينية. وبرغم أن هذا المسار طويل ومكلف وفقا لخبراء معهد الاقتصاد العالي لكن موسكو تسعى إلى حشد تأييد من جانب شركائها التجاريين مستفيدة من تضرر الصين وتركيا وإيران وعدد كبير من الدول الأوروبية بفعل سياسة العقوبات الأميركية.

اتفاق بلدان حوض قزوين... حاجة إقليمية لمواجهة واشنطن
- جاء توقيع رؤساء دول حوض بحر قزوين اتفاقا تاريخيا أخيرا، حول الوضع القانوني للبحر، وكيفية استغلال ثرواته، بعد خلافات استمرت لعقود، ليظهر أن سياسة واشنطن دفعت الأطراف إلى تذليل خلافاتها مؤقتا والسعي إلى توحيد جهودها لمواجهة ضغوط واشنطن المتزايدة.
ووفق الاتفاقية الجديدة، فإن المنطقة الرئيسية لسطح مياه بحر قزوين ستبقى متاحة للاستخدام المشترك للأطراف، فيما ستقسم الدول الطبقات السفلية وما تحت الأرض إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بينها على أساس القانون الدولي. وستتم عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ووضع خطوط الأنابيب الرئيسية وفقاً للقواعد المتفق عليها بين الأطراف عند تنفيذ مشاريع بحرية واسعة النطاق، ويراعى العامل الإيكولوجي بالضرورة. وتحدد الاتفاقية أيضا الحكم المتعلق بمنع وجود قوات مسلحة للقوى الأجنبية الإقليمية والدولية في بحر قزوين، وتحدد الدول الخمس لبحر قزوين المسؤولة عن الحفاظ على الأمن البحري وإدارة موارده.
وكان لافتا تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الوثيقة تضمن الوضع السلمي لبحر قزوين، واصفا إياها بالنموذج الناجح للعمل المشترك في الظروف العالمية الصعبة. وأشار إلى أن الاتفاق يضمن حل المسائل الحيوية بالنسبة للمنطقة على أساس الإجماع، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف المشاركة فيه. وشدد على أن دول المنطقة ترغب في تعزيز التعاون بين مخابراتها، بما في ذلك في مجال السياسة الخارجية.
بينما وصف الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزاربايف الاتفاق بأنه «دستور لبحر قزوين سيضمن الأمن في المنطقة». وأشار إلى تفاهم الأطراف على إبرام اتفاق منفصل بشأن إجراءات الثقة المنسقة في مجال النشاط العسكري. وستسمح هذه الوثيقة بضمان توازن السلاح في بحر قزوين، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف وتوحيد جهودنا الهادفة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فدعا الدول الخمس المطلة على بحر قزوين إلى تأسيس منظمة للتعاون الجمركي، والاستثمار المشترك، وتعزيز البنى الاقتصادية بينها. وأضاف: «إن إيران على استعداد لتفعيل التجارة بين الشمال والجنوب»، متابعا «ونرى أنه من المناسب أيضا تشكيل لجان للمؤسسات السياحية، ونقل الطاقة». وأشار بشكل خاص إلى أن «الاتفاق حول الوضع القانوني لبحر قزوين وينص على حظر نقل الشحنات العسكرية للدول غير المطلعة على البحر عبره».
تعكس طبيعة الاتفاق الذي لم يشتمل على حل كل القضايا الخلافية بين الدول وأحال الخلاف على تقاسم البحر إلى نقاشات مستقبلية أن الأطراف فضلت وضع تصورات مشتركة لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني والعسكري على خلفية حال عدم الاستقرار العالمي حاليا. وهذا يلبي مصالح روسيا وإيران تحديدا كون البلدين دعوا أكثر من مرة في السنوات الماضية إلى منع تعزيز الوجود العسكري والأمني والاقتصادي لواشنطن في هذه المنطقة.

محور روسي تركي ألماني
وبالتوازي تحدثت وسائل إعلام روسية عن سعي موسكو لتعزيز نشاطها في اتجاه بناء محاور إقليمية ودولية لتعزيز قدراتها في مواجهة واشنطن بالإفادة من تنامي مشاعر الاستياء لدى عدد من الشركاء الأساسيين مثل تركيا التي تعرضت لعقوبات أميركية مماثلة وألمانيا التي باتت تخشى أن تؤثر العقوبات الأميركية على روسيا وعلى إيران على استقرار إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا.
وتحدثت صحيفة «كوميرسانت» التي يمولها «غاز بروم» عملاق الغاز الطبيعي القريب جدا من الكرملين، عن سعي الكرملين لإقامة ما وصفه «محورا جديدا يضم تركيا وألمانيا وروسيا» وقالت بأنه سيشكل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية «محور شر جديدا».
ونقلت عن مصادر قريبة من الكرملين أن ثمة فهما مشتركا للحاجة إلى تقارب واسع بين البلدان الثلاثة، التي باتت تخشى جديا تداعيات السياسة الأميركية. ووفقا للسفير الروسي في أنقرة، أليكسي يرخوف فإن العقوبات الأميركية حفزت التقارب في المثلث الروسي - التركي - الأوروبي. وهو نفس التوجه الذي ركز عليه أخيرا وزير الخارجية التركي الأسبق يشار ياكيش بإشارته إلى أن «تعاون روسيا وتركيا وألمانيا، البلدان التي تعاني من السياسة الأميركية أكثر من البلدان الأخرى في العالم بالغ الأهمية حاليا، برغم أن الصعوبات التي تواجهها كل دولة في التعامل مع الولايات المتحدة ذات طبيعة مختلفة».
بينما قال مدير معهد «قرن تركيا الحادي والعشرين» جاهد أرماغان ديليك بأن قضايا الطاقة تقرب موسكو وأنقرة وبرلين. وهو أمر اتفق معه البروفسور أنطون فيدياشن، من الجامعة الأميركية بواشنطن، في استطلاع للرأي أجرته الصحيفة في أوساط الخبراء، وقال بأن «المقاومة المشتركة للسياسة الأميركية، من جانب روسيا وألمانيا وتركيا والصين، يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية لكل من هذه الدول». ولكن من غير المستبعد، وفقا له، أن «يؤدي هذا النجاح نفسه على المدى القصير إلى جولة أشد من المواجهة» مع الولايات المتحدة، حيث سيستعر الصراع السياسي الداخلي مع اقتراب موعد انتخابات منتصف المدة في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.
«سباق تسلح» يسابق «الحرب الاقتصادية»
شكل توقيع الموازنة العسكرية الجديدة في الولايات المتحدة مصدر قلق إضافيا لموسكو التي رأت فيها تحديا جديدا في ظروف المواجهة القائمة.
وقال نائب الوزير سيرغي ريابكوف بأن قانون الموازنة الذي وقعه الرئيس ترمب ونص على منح الأغراض العسكرية نحو 720 مليار دولار، يشكل «نطاقا غير مسبوق للإنفاق العسكري، ومن المقلق أيضا أن نص قانون الموازنة يتضمن أحكاما تشكك في تنفيذ عدد من الاتفاقات الروسية الأميركية الثنائية في مجال الحد من التسلح. ونحن نعتقد أن هذه ليست طريقة للعمل على حل المشاكل التي نتجت إلى حد كبير عن الإجراءات غير المسؤولة من الجانب الأميركي».
ولفتت وزارة الدفاع الروسية إلى أن قانون الموازنة الأميركي الجديد نص أيضا على اتخاذ عدد من الإجراءات لردع روسيا. ومن بين أمور أخرى يمدد القانون حظر التعاون بين البنتاغون ووزارة الدفاع الروسية باستثناء قنوات للحوار وقناة الاتصال لتجنب وقوع حوادث في سوريا.
ويحظر القانون أي عمليات أو خطوات قد يكون من الممكن اعتبارها اعترافا بانضمام القرم إلى روسيا. كما يقضي القانون بزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا إلى 250 مليون دولار.
كما يتضمن القانون اتهامات لروسيا بأنها تنتهك معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ويلزم الرئيس ترمب بتقديم تقرير حول مدى التزام موسكو بهذه المعاهدة بالإضافة إلى معاهدة «ستارت 3» واتفاقية السماوات المفتوحة التي علقت الولايات المتحدة تنفيذها مؤقتا.
أمام هذا الوضع لوحت وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان بانتظار القرار السياسي من الكرملين للبدء بإجراءات للرد على التطورات التي وصفت بأنها تستهدف بشكل مباشر أمن روسيا. واللافت أن ربط المسؤولين الروس كل رزمة الإجراءات الجوابية الروسية بقرار سياسي يصدر عن الرئيس فلاديمير بوتين، يدل على تمسك الكرملين حتى اللحظة الأخيرة بإبقاء الباب مواربا أمام احتمال تخفيف التوتر وإطلاق مسار إعادة تشغيل العلاقات رغم صعوبة الموقف الحالي. وهذا ما عكسته تصريحات الكرملين حول التوجه لعقد لقاء خلال أيام يجمع مسؤولين روسا مع مساعد الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون.
وأكدت الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن التحضيرات جارية لعقد اللقاء «لمتابعة مواضيع قمة هلسنكي»، مشيرة إلى أنه «ستتم مناقشة مجموعة من قضايا الأمن القومي المهمة».

إقرأ أيضاً ...