صبايا النضال بأصول

صبايا النضال بأصول

الثلاثاء - 26 ذو القعدة 1439 هـ - 07 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14497]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
هنالك أيام «آحاد» كثيرة مؤلمة في مسيرة العمل الفلسطيني من أجْل استعادة بعض الحق من خلال الصيغة الدولية والتخريجة الموضوعية المتمثلة بـ«مبادرة السلام العربية» بعدما باتت استعادة وطن الآباء والأجداد ورقة على أهبة أن توضع في إضبارة المؤجَّلات إلى أن يسطع في السماء السياسية العربية نجم جديد بمواصفات صلاح الدين، أو تقرر إدارة أميركية ما، بالتعاون مع حكومة بريطانية ما التكفير عن إثم إهداء وطن إلى شتات يهودي، كان تاريخياً لشعب فبات نتيجة لذلك بلا وطن وأصبح الفلسطيني هو التائه المغلوب على أمره بعدما كان اليهودي هو التائه.
لكن وسْط عتمة انشغال عربي بأزمات سببها الجار الإيراني المتحرش وانشغال الأطياف الفلسطينية وبالذات الطيفان الأكثر فعالية وتأثيراً في الحراك السياسي بمنازلات من التحدي ورفْض مساعي التوفيق بينهما بذلتْها بكل حرص المملكة العربية السعودية ثم مصر، لكن منسوب الصدق في نوايا أقطاب الخلاف الفلسطيني كان دون المأمول، يحل «أحد» جديد، ويبدو كما لو أنه نبتة أخضرت وأزهرت فجأة في أرض قاربت على التصحر.
في هذا ا«أحد»، اليوم قبل الأخير من شهر يوليو (تموز) 2018 خرجت من السجن الإسرائيلي فتاة فلسطينية من محاسن الصدف أن اسمها «عهد» بما تحمل الكلمة من معنى الثقة بالنفس والتصميم على مواصلة السعي من أجل قضية. ومن محاسن الصدف فيما يتصل بأسباب إيداع هذه الصبية السجن أنها مارست فِعْل المقاومة على النحو الذي لا علاقة له بالإرهاب ولا بالعنف. فهي وجَّهت بيمينها لطمة إلى وجه جندي في جيش احتلال أساء إليها وإلى بني قومها. لم تشارك في خطْف طائرة ركاب كما سبق وفعلت ليلى خالد لكي تنال من التنديد الدولي ما جعل صورتها تبدو كما لو أنها مارست عملاً إرهابياً وضد أبرياء كان للفعل الذي قامت به أن يهدد حياتهم، مع ملاحظة أن تلك الصبية الحيفاوية المتشربة أفكاراً ثورية من أحد أنقى الثوريين الدكتور جورج حبش والمنتظمة في «جبهته الشعبية» لم تخطف طائرة «العال» بغرض الإيذاء، ولا هي بمعاودة خطْفها للطائرة الأميركية TWA كانت تمارس هواية وإنما من أجل لفْت أنظار المجتمع الساهي ليس فقط عن فلسطين كقضية وإنما عن مئات المعتقلين من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بتهمة التمسك بإيمانهم أن فلسطين وطنهم وليست وطناً أراده بلفور بوعده مستوطنة ثم كياناً، لينتهي بقرارٍ ليكودي، وصَمم أميركي وطناً يهودياً بعد سبعين سنة.
في العملية الأولى للنضال الأنثوي الفلسطيني كانت ليلى خالد التي طالما كابدت حياة اللجوء في أحد مخيمات الفلسطينيين في لبنان تَكبُر عهد التميمي بثمانية أعوام، الأمر الذي يعني انخفاض سن النضال بأصول من جانب صبايا فلسطينيات سيشكل - على ما يجوز توقعه - ظاهرة إنسانية لافتة. وهذا ما يتمناه جيلنا الذي عايش كل أنواع النضال الفلسطيني. وبذلك لا تعود أذرع الإسرائيلي تواصل تمدْدها ولا تعود ذرائع المجتمع الدولي بأن النضال يستهدف أمن شعب إسرائيل مقنعة.
كانت الصبية عهد التميمي بما فعلت مثل جميلة الجزائرية (بوحيرد) في الخمسينات، وكانت مثل ملالا الباكستانية. كل واحدة من الثلاث عبَّرت عما من واجبها القيام به ومن دون إلحاق الأذى تفجيراً. جميلة بوحيرد بما أدته من واجب نضالي من أجْل ألا تستمر قبضة فرنسا المستعمِرة، في انتظار أن تحدُث صحوة فرنسية شجاعة وكأنما كان ذلك العسكري البعيد النظر والمنصف الذي اسمه شارل ديغول حاضراً في بالها. ولقد أدى الجنرال الواجب على أكمل وجه وأزال القبضة عن الأعناق وباتت الجزائر دولة مستقلة. وتحولت جميلة بوحيرد إلى أيقونة لقيت من قادة الأمة وبالذات من أهل الحُكْم السعودي وشعب المملكة ومن الرئيس جمال عبد الناصر والشعب المصري وسائر شعوب الأمة حفاوة لا مثيل لها. أما ملالا الباكستانية فلم تمارس الواجب النضالي بلكمة على نحو ما فعلت عهد التميمي وإنما بتحديها جاهلية «حركة طالبان» التي تحرِّم ذهاب الفتيات إلى المدارس ويكاد التحدي يقضي على حياتها بعد استهداف رأسها بثلاث رصاصات طالبانية شاء المولى عز وجل أن يشفيها لتكون أيقونة إسلامية سمراء في الديار الباكستانية الأفغانية. كما أن المولى عز وجل أسبغ على عهد نعمة تحمُّل وطأة الأسر وتأخذ الاثنتان المتقاربتان عمراً مكانتهما اللائقة في المشهد النضالي بأصول. أيقونة سمراء لقيت التكريم بأعلى درجاته من حيث التغطية الإعلامية دولياً وصولاً إلى التكريم بجائزة نوبل. وأيقونة ذات ملامح أوروبية متوسطية لن تنال من المجتمع الدولي إعلاماً وجوائز كما نالته ملالا، ربما لأنها ابنة فلسطين التي لن تضيع، ولم يصدر عن «بوتين العرب» توأم «لورنس العرب» الكلام الذي يربك الصف الصهيوني ومعه رديفه المتصهين، وهو أن اعتراف الاتحاد السوفياتي بـ«دولة إسرائيل» مستبقاً اعتراف الولايات المتحدة وغيرها كان أمراً متعجلاً إلا أنه قابل للتعديل في حال لم يأخذ صديقه نتنياهو وسائر الذئاب الليكودية بصيغة الدولتيْن، وهذا هو الحل الذي لا مجال لغيره.
وإلى أن نشهد ولادة هذه الصيغة ستبقى ظاهرة النضال بأصول من جانب صبايا فلسطين بالذات مثل الشعلة الأولمبية، مفردة جديدة في قاموس العمل الوطني. ومن حُسْن حظ عهد التميمي أن الإعلام الأجنبي بشتى وسائله وخصوصاً الفضائيات غطى قضيتها من لحظة الأسر إلى يوم الإفراج فكان له التأثير الذي أحدثه على نحو ما حصل مع منظر الطفل المجروف إلى الشاطئ والصبي الذي صرعته رصاصة جندي وهو يحتمي إلى جانب والده. ومثل هذه التغطية الإعلامية لم ينلها الأكثر استحقاقاً لها مروان البرغوثي توأم نيلسون مانديلا في النضال بنكهته الغاندية والصامد في الأسر صمود شعب فلسطين على استرجاع حقه. والله المعين.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة