عهد التميمي أولى بالعهد

الأربعاء - 20 ذو القعدة 1439 هـ - 01 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14491]

لستُ أقصد شخص صبيةٍ باتت ليلها أسيرة، وبعد ليل أسر طويل، مع أمها السيدة ناريمان، في سجن يحمل اسم جنرال الحروب والعدوان آرييل شارون، أصبحت صبحها حرة، وإذ أتى ضحاها، إذا بها رمز جديد يضاف إلى قائمة رموز لم تفرض أسماءها فرضاً على سجل فَخار شعبها، بل استجابت لأقدارها عندما تصدت بوطنية غير معجونة بأي شعارات براقة لصلف محتل متجبِّر، ففُتحت أبواب المجد أمامها. وكما البرق، انتشر بريق صيتها يملأ أفق فضاءات الحرية بمشارق الأرض ومغاربها. نعم، حقٌ القول إن عهد باسم التميمي، ذات السبعة عشر عاماً، اسم فلسطيني ينضم إلى من سبقها من أسماء أطفال وفتيان وفتيات، تعطّر بعبق أسمائهم وأسمائهن سجل صمود الفلسطينيين إزاء طغيان جنود الإسرائيليين، وحقٌ القول أيضاً إن اسم عهد التميمي ليس آخر الأسماء.
المقصود في عنوان المقال هو جيل عهد التميمي، وليس شخصها. أما حان وقت وضع حدٍ لإصرار أجيال من القيادات الفلسطينية على منع الجيل الشاب من الوصول إلى مواقع القيادة؟ أكثر من دافع يبرر السؤال، في مقدمها فشل القيادات الحالية في إثبات قدرتها على وضع خلافاتها جانباً، لغرض محدد هو تقديم مصلحة الفلسطينيين على ما عداها مما يُفرض من أطراف خارجية لها أهداف واضحة في المنطقة، ولها أيضاً مصالحها التي تقدمها على كل شيء غيرها. إيران هي أول الأطراف التي ترفض رفع يد وصايتها عن قضية الفلسطينيين، وهي تبدو الآمر الناهي لبعض واضح من القيادات الفلسطينية، الأمر الذي سوف يظل يضع عراقيل عدة في كل طريق تصالح كلما اتُفِق على فتح حوار مصالحة جديد.
تُرى هل إن قادة الفصائل الفلسطينية المتورطين - نعم هو توّرط - في خطيئة انفصال قطاع غزة عن رام الله، وهي الخطيئة التي من رحمها وُلِد ما سُمي «الانقسام»، الذي بدعوى إنهائه وُلدت ثم ماتت كل محاولة تصالح، أتراهم يعملون من منطلق أن ذاكرة الناس أضعف من القدرة على تذكّر كل شيء، إذ سرعان ما تضيع في غابات الركض وراء متطلبات رغيف الخبز وقوت العيال، تفاصيل ما جرى من لقاءات، وما اتفق عليه، وما مُزق حتى قبل أن يجف الحبر الموّقع به؟ أكاد أجزم بإجابة تقول: «نعم»، لكن يبقى الأفضل إبقاء هامش الترجيح. إن لم يكن ثمة مفر من التذكير، لا بدّ من فتح سجل محاولات التصالح بين حركتي «حماس» و«فتح»، بدءاً باتفاق مكة المكرمة الموقع يوم ثامن فبراير (شباط) سنة 2007. بدل التطبيق الأمين، والسريع، لكل بند من بنود ما اتُفق عليه بجوار البيت العتيق، قِبلة المسلمين كلهم أجمعين، قرر قادة حركة «حماس» وضع توقيعهم على بيان الحرم المكي الشريف على قارعة الطريق، وسلوك طريق الاستيلاء على كامل قطاع غزة. ليس بالضرورة أن هذا يعني غسل أيدي قيادات حركة «فتح» الميدانية في القطاع، آنذاك، من أي أخطاء أوصلت إلى هكذا كارثة. لكن، أياً كان حجم تلك الأخطاء - كما كتبت هنا غير مرة - ليس منطقياً أن تبرر خطيئة الاستفراد بحكم غزة وفصلها عن رام الله. ما تبع كان أسوأ. أقصد أن السلطة المُعترف بشرعيتها، عربياً وإسلامياً وعالمياً، لم تبادر إلى استعادة سلطتها على أرض القطاع فوراً. كتبت هنا من قبل، أيضاً، أنني عندما سألت صيف سنة 2009 أحد قياديي حركة «فتح» في غزة عن سبب هكذا تخلٍ عن القطاع، لم يتردد في قول ما خلاصته أن لا أحد يرغب في غزة ومشكلاتها.
النتيجة أن يطوي الزمن أحد عشر عاماً من العمر الفلسطيني، فيما قادة التنظيمات، تحديداً قيادات حركتي «حماس» و«فتح»، يوقعون اتفاقات مصالحة، ثم سرعان ما يدخلون في خلافات حول تفاصيل بنود، وتعريف مدلول كلمات، وتبادل أوراق ومذكرات، كلها مماحكات تبدأ كي لا تنتهي. لم يكن عمر عهد التميمي تجاوز السادسة يوم توقيع اتفاق مكة. هل يجوز الافتراض أنه لو التزم كل قادة التنظيمات الفلسطينية بضرورات مصالح جيل عهد التميمي، لكان الوضع أصلح حالاً وأقوم سبيلاً؟ بلى، لذا الأرجح أنه حان وقت تسليم راية التصالح الحقيقي لجيلها، لعلّه ينقذ ما تبقى من حلم الوطن الفلسطيني المستقل حقاً، لا بالقول والشعارات الطنانة.