موعدنا القديم... في كل عام!

موعدنا القديم... في كل عام!

الثلاثاء - 19 ذو القعدة 1439 هـ - 31 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14490]
تركي الدخيل
كاتب وإعلامي سعودي
شرفٌ طوقنا به الرحمن منذ الأزل، ومكرمة على مثلها يحسد الرجال بعضهم، جهدٌ تتقاصر عن حمله همم الرجال؛ لكن بساعدٍ يمسك ساعداً، ويداً بيد... إرث يسلم مفاتيح أمانته الأجداد للأبناء، عهد قديم قدم قدوم إبراهيم (عليه السلام) للحجاز، تاريخ الماء ودعوة إبراهيم، خُطى الفرض باتجاه البيت الحرام، فخدمة حجاج بيت الله الحرام فخر ملوكنا قبل الشعب. أيامٌ ويطل علينا شهر الحج، موعد السعوديين في كل عام، لخدمة الإسلام والمسلمين من كل أرجاء المعمورة.
«موطني عشت فخر المسلمين»، كانت نشيدنا كل صباح، نشيدنا الذي وقفنا نردده أمام خفاقنا الأخضر، وحين تقدمت بنا الأيام رأينا الحجيج على التلفاز. كان وما زال شهر الحج شهر تهيب السعوديين الدائم، لاستقبال العالم كله في بقعة صغيرة محددة. من خلال الحج عرفنا عظمة انتشار الأفكار. يمكن لموظف الجوازات في أي منفذ من منافذ المملكة العربية السعودية، أن يقدم لك ورقة عن ملامح وطباع أي شعبٍ من شعوب الأرض، لاحتكاكنا المباشر مع كل جنسيات العالم.
نعم، أقولها بملء فمي: لنا هذا الشرف، ولا ينازعنا فيه حر ولا شبه دويلة. الحج فرض بخدمته ارتبطت حتى أسماء ملوكنا، ونحن أحق الناس بخدمة ضيوف الله.
لك أن تتخيل عزيزي القارئ الأرقام القادمة، بلغ إجمالي عدد الحجاج لعام 1438 للهجرة (2.352.122) حاجاً، منهم (1.752.014) حاجاً، من خارج المملكة العربية السعودية، فيما بلغ إجمالي حجاج الداخل (600.108) حجاج، وبلغ إجمالي الحجاج الذكور من الإجمالي العام لحجاج الداخل والخارج (1.334.080) حاجاً، في حين بلغ إجمالي الحجاج الإناث من الإجمالي العام لحجاج الداخل والخارج (1.018.042) حاجة.
فإدارة الحجيج هي الشغل الشاغل، ليس لإمارة العاصمة المقدسة فقط؛ بل هي اختبار موسمي لجاهزية كل القطاعات المهمة في المملكة العربية السعودية. فالحجاج يأتون من كل الجهات، براً وبحراً وجواً، ولك أن تتخيل الضغط الذي يسبق قدوم الحجاج على السفارات السعودية حول العالم، والتنسيقات التي تتم مع وزارات الأوقاف والخارجيات من حول العالم، ثم التحديات التي تواجه القطاعات الأمنية، وصولاً إلى المشافي التي ستستقبل ضعف طاقتها الاستيعابية. كيف يتم التفاهم مع كل هذه اللغات والاختلافات الثقافية والعمرية على مدار الساعة؟!
ثم يأتي من بعد ذلك كله مجنونٌ أو متحامل، يفكر مجرد تفكير بتدويل الحج... الحج أيها المجنون اعتيادٌ، وحمل أثقل من استضافة بطولة لكأس العالم في كرة القدم، مرة في العمر!
ويسحرني من دون ذلك كله مرونة أهل مكة، وجاهزيتهم للانتقال من بيوتهم في أيام الحج إلى خارج حدود مدينتهم. كيف يركز بعضهم على تجارات موسمية بحذق التجار، كي يستفيدوا تجارياً من هذه الفرصة التي تأتي مرة في كل عام! ولا يلامون في ذلك؛ لأن الله (سبحانه وتعالى) في سياق الحج قال: «ليشهدوا منافع لهم».
ولا أذكر كمُطلعٍ على أخبار الحج، نعيق خامنئي وهو يطالب بتدويل الحج، إلا وأذكر ردين:
رد وزير الخارجية السعودي الذكي عادل الجبير، حين صرح لخامنئي ولغيره بأن «أي حديث عن تدويل الحج هو بمثابة إعلان حالة حرب على المملكة العربية السعودية»، ورد المثقف السفير السعودي السابق لدى مصر، أحمد قطان، وهو يقول: «المملكة ستظل هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكان يمكن أن نرد الصاع صاعين، والسب بالسب، وكان يمكن أن نرد على أسلوبه البذيء، إلا أن أخلاق ديننا تمنعنا من ذلك»، مؤكداً أن «قافلة المملكة ستسير في طريقها، وستبقى تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين، هي الوحيدة المختصة بتنظيم أمور الحج وخدمة ضيوف الرحمن، ليؤدوا شعائرهم بكل يسر دون أي تدخلات خارجية».
وقد نشرت «مجلة الشهيد الإيرانية» وهي لسان مراجع ملالي إيران الناطق في مدينة قم، في عددها (46) الصادر بتاريخ 16 شوال 1400هـ، صورة تمثل الكعبة المشرفة، وإلى جانبها صورة تمثل المسجد الأقصى المبارك، وبينهما صورة يد قابضة على بندقية، وتحتها تعليق نصه: «سنحرر القبلتين!».
ليس هذا فحسب؛ بل هذا هو رفسنجاني رئيس جمهورية إيران في الفترة من 1989 إلى 1997، يعلنها دون تقيّة ودون خجل بتاريخ 17 - 4 - 1983م في كلمته التي ألقاها في وفد معلمي شيراز، إذ قال: «إيران ليست هي الوطن العربي ولا العالم الإسلامي، هي الكل لأنها دار الإيمان، وما عداها دار كفر، ويتعين على مسلمي إيران وأصدقائهم أن ينهضوا بمهام تحرير كافة البلدان الإسلامية»!
سيأتي موسم الحج في توقيته كل عام، ونحن نستعد له مذ انتهاء الموسم الذي يسبقه. كل الأجهزة الأمنية والمدنية تشرف بذلك. مليكنا سلمان وولي عهده محمد، ساهران واقفان على كل تفصيل يُسهم في تبسيط خامس أركان الإسلام لأمة محمد... كل حاج هو ضيف على كل مواطن، وكل مواطن هو أنموذج لخصال العرب القديمة... أولئك الرجال الذين يفرحون بالضيوف، ويتسابقون للسقاية والإطعام، ويؤمنون من قبل الإسلام بأن للبيت رباً يحميه، وأن الرحمن اختصهم من بين خلقه بتكريم أُسّه الخدمة لمن قصد بيت الله، وإنا لها ما تقادم النَيّران.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة