بيتر فيلبس: مهمتي خلق إطلالة تتناغم مع رؤية المصممة وليس نغمة نشاز

أزياء راقية تخاطب امرأة معاصرة في عرض «ديور» لخريف وشتاء 2019
الخميس - 14 ذو القعدة 1439 هـ - 26 يوليو 2018 مـ Issue Number [14485]
باريس: «الشرق الأوسط»

منذ أربع سنوات التحق فنان الماكياج بيتر فيلبس بـ«ديور». تزامن دخوله مع فتح الدار صفحة جديدة تقودها المصممة ماريا غرازتيا تشيوري من جهة وتفرضها وسائل التواصل الاجتماعي من جهة ثانية. المتابع لمسيرته يُدرك بأن مهمته لا تقتصر على ابتكار الألوان والتركيبات وتقديم اقتراحات تتحول إلى توجهات موضة فحسب، بل تشمل أيضا الإشراف على كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالجمال والإطلالة عموما، بما في ذلك الحملات الإعلانية. وهذا ما يجعله مؤثرا قويا على أذواقنا وعلى ساحة الجمال ككل.
خلف كواليس عرض «ديور» لـ«هوت كوتير» خريف وشتاء 2019، كان للـ«الشرق الأوسط» لقاء معه استهله ضاحكا وهو يضع لمساته الأخيرة على عارضة أزياء بالقول إنه يعيش حلمه. «نحن نعمل في مجال الجمال بهدف إدخال السعادة على الغير، لهذا لا أرى أنه علينا أن نأخذ الأمور محمل الجد». ويتابع: «اللطف لا يكلف شيئا عكس الشراسة وتقطيب الحاجبين اللذين يسرقان منا الرونق والنضارة لأنهما يحفران تجاعيد على الوجه نحن في غنى عنها».
كان التغيير الذي يطرأ على مظهر العارضات بعد تصفيف الشعر ووضع الماكياج مُدهشا لأنه كان جذريا رغم أنه كان هادئا يعتمد على ألوان طبيعية للغاية. يشرح فيلبس: «عندما أعمل في أي عرض أزياء، فإن الصورة التي أرسمها تكون ترجمة لرؤية المصمم. مثلا هنا علي أن أقدم ماكياجا يتماشى مع رؤية ماريا غراتزيا تشيوري التي غلبت على تشكيلتها ألوان طبيعية وهادئة تلعب على درجات البيج والأبيض والوردي ومشتقاتهم. لم يكن من الممكن أن أرسم شفاها مكتنزة بلون أحمر قاني مثلا، أو عيوناً درامية لأنها ستتناقض مع الأزياء وتخلق «شوشرة».
قبل أن يبدأ في رسم الصورة النهائية، اطلع على ديكورات مكان العرض وعاين عن قرب كيف أن كل الجدران غطيت بقطع أزياء تستحضر المعرض الذي أقامته الدار مؤخرا في متحف الفنون الزخرفية بباريس احتفالا بمرور 70 سنة على تأسيسها. الأرشيف. يشرح: «عندما رأيت تشكيلة تشيوري لاحظت أن الغلبة كان لأقمشة مثل التول والقطن وما شابه من أقمشة خفيفة وشفافة، لهذا كانت مهمتي أن أجعل الإطلالة متناغمة مع كل هذا». ويتابع: «نعم أنا أيضا لدي تصوري الخاص ومكانتي، لكني مهمتي هنا أن أدعم المصممة. فهي المايسترو التي تقود الأوركسترا ونحن الفرقة، وأي نغمة خارجة عن النص تصبح نشازا. فأسوأ العروض بنظري، وأسوأ القصص عموما، هي التي يتنافس فيها الكل على إبراز وجهة نظرهم ورؤيتهم الخاصة. في هذه الحالة تصبح مثل أكلة يكثر طهاتها فتفقد طعمها». في الموسم الماضي تعاون فيليبس مع مصمم القبعات ستيفن جونز وكانت النتيجة مظهر عيون مسحوبة إلى الخارج وكأنها عيون قطط تزينها أقنعة من الدانتيل. تزامن هذا الماكياج مع طرحه مجموعة «ديور شو» التي كان «الآيلنر السائل» أهم مستحضر فيها. هذا العام، جاءت الإطلالة طبيعية وهادئة جدا تتزامن أيضا مع طرحه مجموعة «باك ستايج» التي كانت نتيجة حتمية لتطور العصر واحتياجات امرأة معاصرة لديها عدة مسؤوليات وتريد مستحضرات عملية وسهلة الاستعمال.
تخرج فيلبس من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بأنتوورب في الثمانينات من القرن الماضي. عندما كان طالبا يافعا، كان يسافر في مواسم الموضة إلى باريس لتجميل وجوه عارضات المصممين البلجيكيين المشاركين في الأسبوع وهو في غاية السعادة. كان عالم الموضة آنذاك نخبويا لا يدخله أيا كان. عشق ما يجري خلف الكواليس من سرية وحركة «كانت هذه الكواليس مثل خلية نحل، وكان حجم الإبداع فيها كبيرا». لم يعد الأمر كذلك، فقد أصبح عالم الترف مفتوحا على مصراعيه أمام وسائل الإعلام، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة لفيلبس الذي كان يعشق متابعة عروض الدار منذ زمن طويل لما تثيره من إبهار ودراما تميل إلى السريالية حينا والحلم حينا آخر، فإن «الزمن تغير وديور الأمس ليست هي ديور 2018. كل شيء الآن أصبح مفتوحا، سواء تعلق الأمر بما يجري وراء الكواليس أو التقنيات التي تستعمل في الماكياج، بحيث لم يبق هناك مكان للحلم والفانتازيا. فالمرأة الآن تخلق إطلالاتها بنفسها، بعد أن وفرت لها قنوات الـ«يوتيوب» وصفحات الإنستغرام دروسا لتعلم هذا الفن. كل ما تحتاجه حاليا هو أدوات ومستحضرات سهلة الاستعمال». ولا يعتقد فيلبس أن هذه الظاهرة سلبية بقدر ما هي تطور طبيعي لمفهوم الموضة والجمال.
يتذكر كيف كان في السابق يتلقى أسئلة من قبل وسائل الإعلام الرصينة تطلب حلولا لمشكلات تتعلق بالبشرة وإخفاء بعض الشوائب وكيف يمكن وضع أحمر الشفاه أو الكحل وما شابه من أمور تشير إلى أن المرأة لم تكن تجيد التعامل مع الماكياج وتجد صعوبة في تطبيقه بشكل متقن. أما الآن وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، هناك الآلاف من الدروس الخصوصية والمجانية على هذه الصفحات والقنوات، بعضها من تقديم خبراء تجميل متمرسين، مما يجعل كل المعلومات متوفرة وكل النساء قادرات على تجميل أنفسهن.
ويضيف كيف أن المرأة عندما كانت تتصفح مجلة براقة في السابق، كانت تنظر إلى النجمات وعارضات الأزياء على أنهن من عالم آخر «لم تكن تعتقد أنه بإمكانها الحصول على إطلالتهن، لكنها الآن تتصفح هذه المجلات لتأخذ فكرة عما يمكن أن تطبقه على نفسها. فالعملية لم تعد صعبة أبدا كما كانت في السابق».
ولا يرى فيلبس أن في الأمر تهديدا لمكانته، بل العكس، له دور إيجابي على صناعة التجميل. المهم بالنسبة له أن يبقى مواكبا للعصر. فهو من النوع الذي لا يحب أن يفرض إطلالة معينة على المرأة بقدر ما يشجعها على اللعب بالماكياج للوصول إلى صورة مُرضية ومناسبة لها. يشرح بأنه «ليس هناك لون خاص بموسم معين، بل هناك لون يناسب بشرة وشخصية من تستعمله. السبب بسيط وهو أن الماكياج لا يمكن أن يكون موحدا يتعامل مع المرأة على أنها «شيء واحد»، بل يجب أن يكون أداة تُطوعها لإبراز مكامن جمالها وإخراجها للسطح. وهذا يعني أنه عملية شخصية بحتة يمكن أن تتم بعدة أساليب مختلفة».
وربما هذا ما نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيقه إلى حد القول إنها ساهمت بشكل كبير في دمقرطة الجمال وجعله في متناول الجميع بحسب رأيه: «إذا لم يُعجبك لون أو شكل، يمكنك مسحه بسهولة وإعادة التجربة» وهذا ما شرحته هذه الوسائل بلغة سهلة جدا.

إقرأ أيضاً ...