تحالف ميركل البافاري يتداعى

الثلاثاء - 12 ذو القعدة 1439 هـ - 24 يوليو 2018 مـ Issue Number [14483]

منذ أسابيع قليلة فقط بدا وكأن وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، وهو أيضاً زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، يملك القدرة على إنهاء مسيرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السياسية. اليوم أصبح محطماً ويعاني حزبه من تراجع شعبيته إلى مستوى قياسي. واتضح أن نفس التكتيك الذي حقق نجاحا لصالح أحزاب أخرى تنتمي ليمين الوسط في أوروبا - وهو تكتيك يعتمد على رفع شعارات معادية للهجرة للحيلولة دون تحول الناخبين إلى أحزاب اليمين المتطرف - أتى بنتائج كارثية لزيهوفر.
يتولى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي مقاليد الحكم في بافاريا التي تعتبر ثالثة الولايات الألمانية ثراء، وثانيتها من حيث عدد السكان. وتعود سيطرة الحزب على حكم الولاية إلى السنوات الأولى بعد الحرب ويتمتع داخل برلمان الولاية بأغلبية مطلقة. اليوم يواجه الحزب مخاطرة فقدان هذه الأغلبية في أكتوبر (تشرين الأول)، ودفع ذلك زيهوفر للمراهنة على شعارات مناوئة للهجرة قبل الانتخابات.
الشهر الماضي هدد زيهوفر باستخدام سلطاته الوزارية في الشروع في الضغط لأجل إعادة طالبي اللجوء السياسي المسجلين في دول أخرى من الاتحاد الأوروبي بعيدا عن الحدود الألمانية إذا ما حاولوا اجتيازها. ومع أن عدد هؤلاء المهاجرين لا يتجاوز على أقصى تقدير 1000 شخص شهرياً، فمن الواضح أن زيهوفر رأى أن أبناء ولاية بافاريا سيقدرون عزم حزبه على حماية حدود الولاية. تجدر الإشارة إلى أن الولاية تقع على الممر الذي اجتازه معظم اللاجئين للدخول إلى ألمانيا عامي 2015 و2016. والمعروف أن محاكاة بعض الشعارات والسياسات المتشددة الخاصة باليمين المتطرف أتت بنتائج جيدة لأحزاب يمين الوسط في هولندا والنمسا.
وهدد هذا الموقف الذي اتخذه زيهوفر بتفكيك الائتلاف الحاكم، بل وربما ما هو أسوأ من ذلك بتهديد التحالف القائم بين حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي الذي تشكل عام 1949. ولذلك شرعت ميركل في التفاوض حول إجراءات مشتركة بخصوص سياسة الهجرة مع قيادات أخرى بالاتحاد الأوروبي، ما جعل موقف زيهوفر الانفرادي يبدو غير منطقي. وهدد زيهوفر بالاستقالة، لكنه بدلا عن ذلك اتفق مع ميركل على تسوية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع. تبعا للاتفاق المبرم بين الطرفين فإن «المهاجرين الثانويين» الذين يطلق عليهم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي «سياح اللجوء» سيجري احتجازهم داخل ألمانيا قبل أن تجري إعادتهم للبلاد المسجلين لديها، مع الدخول في مفاوضات منفصلة مع هذه الدول للحصول على موافقتها.
ولا بد أن زيهوفر أدرك أن هذا الاتفاق يواجه صعوبات في التنفيذ.
ومنذ عقده الاتفاق مع ميركل تراجعت حظوظ زيهوفر نحو الأسوأ.
وبينما كان يقدم خطة وزارته لفرض سيطرة على الهجرة تفاخر بأن 69 ممن أخفقوا في الحصول على اللجوء السياسي جرى ترحيلهم إلى أفغانستان، وذلك في عيد ميلاده الـ69 في الرابع من يوليو (تموز)، وأكد ضاحكا للمراسلين أن التوقيت كان محض مصادفة. بعد أيام قلائل تواترت أنباء عن أن شابا في الـ23 انتحر لدى وصوله إلى كابل. وثارت عاصفة سياسية لم تفلح اعتذارات زيهوفر المبطنة في وضع نهاية لها.
أيضا واجه زيهوفر انتقادات شديدة لتهديده بالانتقام من طاقم سفينة «لايف لاين»، المملوكة لمنظمة ألمانية غير هادفة تحمل الاسم ذاته، والتي تتولى التقاط المهاجرين من البحر الأبيض لإنقاذهم من الغرق وتحملهم إلى موانئ أوروبية. ومؤخرا وصف قائد السفينة زيهوفر بالمجرم ودعا إلى استقالته.
وبالتأكيد أي من هذا ليس جيدا لزعيم حزب كهذا من المفترض أن يبدي روح الخير وليس الصرامة فحسب. وخلال مقابلة أجريت معه اشتكى زيهوفر من أنه: «أي شخص يرغب في رؤية الحقيقة بمقدوره أن يرى أن هناك حملة يجري شنها ضدي وضد حزبي». لكنه اعترف بأنه حتى بعض أعضاء حزبه غير راضين عما يجري.
ولا يبدو هذا مثيراً للدهشة بالنظر إلى أن حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي الذي فاز بـ49 في المائة من الأصوات عام 2014 وحصل على أكثر عن 40 في المائة من الأصوات مطلع هذا العام تراجعت نسبة التأييد التي حصل عليها في أحدث استطلاعات الرأي التي أجراها «راديو بافاريا» إلى 38 في المائة.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»