أفلام مختارة من مهرجان أنيسي للسينما المرسومة

تختلف حكاياتها ثم تلتقي في حدث خاص
الجمعة - 23 شوال 1439 هـ - 06 يوليو 2018 مـ Issue Number [14465]
أنيسي (فرنسا): محمد رُضـا

النجاح الذي ينجزه مهرجان «أنيسي الدولي للرسوم المتحركة» قلّ نظيره بين المهرجانات الأخرى. المناسبة الثالثة والثلاثون التي انطلقت في الحادي عشر من شهر يونيو (حزيران) الماضي وانتهت في السادس عشر منه أثبتت، مرة أخرى، ذلك النجاح ودلت على أن هذا النجاح ليس «لمعة» سريعة، بل حال مستمر ولأسباب وجيهة.
من بين أهم هذه الأسباب، أنه مهرجان منفرد في نوعه. ليس أنه الوحيد من نوعه، بل يمتاز بنتاج تاريخه الطويل وشعبيته الواسعة بين فناني «الأنيميشن» و«الأنيميه» والكرتون وكافة ما يتم إنتاجه رسماً طويلاً كان أم قصيراً، كما بين الجمهور (17 ألف مشاهد في تلك المدينة القريبة من الحدود السويسرية).
كذلك، يُستدل على نجاحه من بضعة ملامح مهمـة أخرى من بينها أن شركة «نتفلكس» قررت للعام الثاني اتخاذه مقراً لعرض نشاطاتها المقبلة في هذا المجال، وأن الصين رفعت مستوى تمثيلها من الأفلام، وأعلنت ولادة شركة جديدة، وأن السوق باتت مزدحمة بعروض خارج المسابقة، وأن الروس أطلقوا فيلم أنيميشن طويلاً مصنوعاً بالأسلوب والصياغة والنبرة الفنية الأميركية. تخاله، لولا المعلومات التي ترد معه، أنه فيلم أميركي.
تألفت مسابقة الفيلم الطويل من عشرة أفلام جاءت من كندا، وتشيلي، وكولومبيا، والبرازيل، ولوكسمبورغ، والولايات المتحدة، واليابان، وإيطاليا، وفرنسا.
خارج المسابقة 14 فيلماً مثلت بريطانيا (فيلمان)، والصين، وسويسرا، وروسيا (فيلمان)، واليابان (فيلمان)، وألمانيا، والولايات المتحدة، والصين، والمكسيك، والسويد، وفرنسا، وإيران.
أكثر من كل ذلك الأفلام القصيرة التي وردت بدورها من ثلاث قارات رئيسية هي الأميركية (شمالها وجنوبها) وأوروبا وآسيا.
- مأساة كمبودية
قبل ولوج بعض ما شوهد من هذه الأفلام لا بد من التوقف عند ظاهرة جديدة تعكس وضعاً متطوراً باطراد. فعدد كبير، نسبياً، من الأفلام كانت من تحقيق فنانات. ليست المرة الأولى بالطبع (المرأة في أفلام الأنيميشن منذ أن قامت الألمانية لوتي راينجر بتحقيق «مغامرات الأمير أحمد» سنة 1926)، لكن - وعلى الأرجح - المرة الأولى بمثل هذا التعدد في الحضور.
المبادرة في الواقع تعود إلى سنة 2015 عندما قرر المهرجان التوجه إلى توسيع رقعة اشتراك المرأة في أقسام وجوانب المهرجان المختلفة. تمت الاستعانة بعضوات للجان التحكيم واستقبال ما توفر من أفلام من إخراج نساء. في العام التالي تمت الاستعانة بعدد أكبر من النساء في لجان التحكيم (7 من أصل 12) وعُـهد إلى الفنانة الفرنسية ميشيل لينرنيوكس تصميم الملصق. ثم في عام 2017 تم تأسيس جمعية «نساء في الأنيميشن» (Women in Animation)، وهذه السنة تعود الجمعية لحضور المهرجان بينما يعود المهرجان لتقديم عدد من الأفلام المغزولة نسائياً. ‬
عدا عن ذلك، فإن المهرجان مناسبة لمواكبة أساليب متعددة لفن الرسم المتحرك. هناك ما هو نتاج كومبيوتر غرافيكس ببعدين (كما الفيلم الفائز بالجائزة الأولى «فونان») وهناك الأفلام المنفذة عبر تحريك المواد المصنوعة، إما من طمي كما من تلك المجسدة (3D)، أو تلك التي تجمع بين تقنيات مختلفة من بينها تحريك صور ملتقطة فوتوغرافياً أو مركّـبة بين أكثر من تقنية واحدة.
الفيلم الذي خرج بالجائزة الأولى كان، بالنسبة للبعض ومنهم هذا الناقد، مخيباً للآمال.
«فونان» هو فيلم فرنسي من 84 دقيقة حققه دنيس دو الذي يحيل دراما مأسوية في أساسها إلى مرتع للمشاعر الجاهزة. المأساة التي عاشتها كمبوديا لسنين في منتصف سبعينات القرن الماضي والتي سقط خلالها، حسب الإحصاءات، مليونا ضحية بين قتيل ومفقود، كارثة إنسانية كبيرة بحد ذاتها، ولو أنجز دو حكايته من دون مشاعر مسكوبة ودموع منهمرة لكان استطاع منح موضوعه ما هو أثمن من العاطفة.
يبدأ الفيلم في شهر أبريل (نيسان) 1975 مع دخول قوات الخمير الحمر مدينة نوم بينه وإجبار سكانها والمزارع المحيطة على العمل في معسكرات أشيدت للغاية. ينتقي الفيلم أحداثاً تقع مع الزوجة تشو (صوت برينيس بيجو) والزوج خون (لويس خون) اللذين يتم طردهما من بيتهما مع ولدهما (أربع سنوات) ويقادان إلى العمل الإجباري. بعد ذلك يتم فصلهما عن ابنهما فتخلو حياتهما من كل بهجة، لكنها تمتلئ بأمل العثور عليه. بسبب إصرارهما هذا، يلتقيان بابنهما بعد سنوات وقد بات شاباً في نهاية تقليدية سعيدة. تتناوب الأحداث حيناً معهما وحيناً مع ابنهما الذي يترعرع في معسكر آخر مع أولاد تم فصلهم عن ذويهم واستعبادهم على النحو ذاته أيضاً. الرسم المتبع هنا (كومبيوتر - أنيميشن) لا عمق فيه، لكن اختيار المشاهد وتصميمها (كلوز أب، لقطات طويلة، خلفيات طبيعية) جيد. حسنات هذه العناصر تكاد تكفي لكي تغطي على نوعية الرسم بحد ذاته.
- روسي - هوليوودي
أفضل منه فيلم فرنسي آخر عنوانه «رجل مات» (A Man is Dead) يدور حول أحداث حقيقية (وليس مستلهمة فقط) وقعت في مدينة برست الفرنسية سنة 1950 عندما أضرب عمال أحد المصانع مطالبين بزيادة الأجور وتعديل ساعات العمل ولم تستجب الإدارة؛ ما حوّل الإضراب إلى مظاهرات سقط فيها شاب اسمه إدوارد قتيلاً برصاص قوات الشرطة.
بتيت زف (زف الصغير وهو شاب قصير القامة فعلياً) يبحث عن وسيلة انتقام وتطوير المظاهرات، لكن رئيس العمال يأتي بمخرج سينمائي شاب لكي يصوّر الأحداث الواقعة ويبث لمواطني المدينة توعية سياسية واجتماعية مصوّرة عوض الموافقة على المزيد من أعمال العنف. زف يوافق على مضض مصاحبة المخرج غير مقتنع بفاعلية هذا التوجه. وهنا يلج الفيلم رسالة مزدوجة، فمن ناحية هو عن كيف تم استخدام السينما كتوعية سلمية، ومن ناحية أخرى ينضح بها الفيلم وتتوجه إلى المشاهد، عن تأثير السينما وفاعليتها. ضمن ذلك، فاعلية الشعر الذي يلقيه المخرج (داخل الفيلم) و- لاحقاً - زف على المشاهدين مباشرة بسبب تعطل آلة التسجيل.
الرسم هنا مبتسر. مشهد لأمواج الساحل يكتفي برسم الأمواج القريبة بينما يبقى باقي البحر ساكناً. الرجال لا يتحركون معاً إلا إذا كان ذلك مطلوباً، لكن في الكثير من الأحيان فإن واحداً منهم فقط يتحرك والباقون جامدون. هذا يتبلور كأسلوب مقبول لتوفير ساعات طويلة من العمل. الفيلم منفذ عبر الكومبيوتر غرافيكس أيضاً (أخرجه أوليفيه كوسو)، لكن تنفيذه الفعلي يختلف كثيراً عن الفيلم السابق ويترك أثراً ممتزجاً بمواقفه الدرامية على نحو أفضل.
هناك منطقة منخفضة من الأحداث تقع في مطلع النصف الثاني من مدة عرضه (66 دقيقة)؛ ما يعني أن الفيلم كان يحتاج إلى أحداث تملأ هذا الجزء منه على نحو جيد.
الفيلم الروسي «كيكوريكي: ديجا فو» (لدنيس شيموف) تقليد لهوليوود عن عمد وسابق تصميم. حكاية تداخل أزمنة منفذ بالأبعاد الثلاثة وموجه للأطفال (على عكس الفيلمين أعلاه) ويدور حول واحد من مخلوقاته الغريبة وهو يدخل عربة الزمن التي تنقله إلى الأمس، لكن إذ يعود يجد أنه بات رجلين متشابهين. هو الأصلي ثم هو الرحالة.
فيلم منفذ بمهارة وبغزارة ألوان، لكنه بلا شخصية روسية على الإطلاق (ناطق بالإنجليزية) وترد فيه عبارة يرد فيها ما أوردته بعض الأفلام الكرتونية الأميركية سابقاً من أن الأهرامات إنما بنتها مخلوقات فضائية.
إلى كل ذلك، عدد كبير من الأفلام الكرتونية القصيرة تثري ذلك العالم وتضع سينما الأنيميشن أمام كل الأعمار وكافة مراحل النضج وألوان الاهتمام. بعض تلك الأفلام للصغار وبعضها الآخر للصغار فينا نحن الكبار.

إقرأ أيضاً ...