هل تتنازل أوروبا عن مبادئها في مسألة الهجرة؟

هل تتنازل أوروبا عن مبادئها في مسألة الهجرة؟

الثلاثاء - 20 شوال 1439 هـ - 03 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14462]
رغم كل الانتقادات السياسية التي تعرضت لها، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لم تفقد بعد قدرتها على صياغة تسويات لا ترضي أحداً، ومع هذا تؤتي بصورة ما نتائج ناجحة بالنسبة لجميع الأطراف.
ويحمل البيان المشترك الصادر عن القيادات الوطنية المشاركة في الاتحاد الأوروبي حول الهجرة، وجرت صياغته في بروكسل خلال ساعات فجر يوم الجمعة الماضي، توفيقاً بين مصالح الدول ذات المواقف الأكثر تعارضاً بعضها مع بعض (ألمانيا وإيطاليا ودول أوروبا الشرقية)، ويحمل البيان ما يكفي ليجعل من فكرة إقدام شركاء ميركل في الائتلاف الحاكم المنتمين لإقليم بافاريا على ثورة جديدة أمراً غير منطقي.
كانت الأطراف المشاركة في الجدل الدائر حول الهجرة قد ذهبت إلى قمة الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة الماضي، محملة بمواقف من الصعب التوفيق بينها، وكانت ميركل بحاجة إلى موافقة الدول التي تشكل المحطة الأولى لوصول المهاجرين إلى أوروبا، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وبدرجة أقل، المجر، على استقبال طالبي اللجوء السياسي الراغبين في الانتقال إلى ألمانيا الأكثر ثراءً، بينما تجري دراسة حالاتهم.
الملاحظ أن مسألة الهجرة داخل دول الاتحاد الأوروبي تشكل صداعاً لوزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، الذي يمثل حزبه «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، ويوجد مقره في بافاريا، جزءًا من الائتلاف الحاكم الذي تتزعمه ميركل.
ويواجه «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» انتخابات صعبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ويحاول اجتذاب الناخبين المحليين بعيداً عن حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهض للهجرة.
على النقيض، نجد أن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الذي طرح تصوره الخاص لحل مشكلة الهجرة داخل أوروبا الأحد الماضي، أصر على أن الهجرة بين دول الاتحاد الأوروبي لن تصبح مشكلة، بمجرد أن تتفق أوروبا على ضرورة ألا تتحمل دول الدخول المسؤولية الوحيدة عن المهاجرين الذين يرسون على شواطئها بعد أن أبحروا عبر البحر المتوسط من أفريقيا.
حتى الآن خلال العام الحالي، استقبلت إسبانيا نحو 18 ألف مهاجر، بينما استقبلت إيطاليا أكثر من 16 ألف مهاجر، واليونان 13 ألفاً. وقال كونتي إن هذا الوضع غير عادل وينبغي أن تقدم باقي دول أوروبا يد العون فيه.
من ناحيتها، أصرت دول أوروبا الشرقية بقيادة رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان على أنه ينبغي عدم الضغط عليها لقبول لاجئين من دول أخرى تحت اسم التضامن، لأن هذا يشكل تجاوزاً بحق سيادتها.
في النهاية، حصل كل طرف على رغبته، وإن كان ليس كل ما كان يرغب فيه.
وتضمنت «الجائزة» التي طرحها كونتي إقامة «مراكز خاضعة للسيطرة» داخل دول الاتحاد الأوروبي بـ«دعم كامل من الاتحاد الأوروبي» وذلك «للتمييز بين المهاجرين غير النظاميين الذين ستجري إعادتهم، وأولئك الذين بحاجة إلى حماية دولية، وبالتالي ينطبق عليهم مبدأ التضامن. ويبدو هذا تعهداً محدداً لتخفيف العبء المالي والبيروقراطي عن كاهل إيطاليا؛ الأمر الذي مكن كونتي من القول إنه غادر المحادثات وهو على قناعة بأن إيطاليا «لم تعد بمفردها».
وقد حرصت دول أوروبا الشرقية على ضمان أن «المراكز الخاضعة للسيطرة» لن تفرض على أي من الدول التي لا ترغب فيها. ورغم فجاجة صيغة البيان المشترك، الذي جاء نتاجاً لكثير من المداولات، فإنه تميز بالوضوح. وأكد البيان أن «جميع الإجراءات في إطار هذه المراكز الخاضعة للسيطرة، بما في ذلك إعادة التوطين، ستجري على أساس اختياري».
من جانبها، حصلت ميركل أيضاً على الفقرة التي كانت ترغب فيها وتنص على أن «التحركات الثانوية لطالبي اللجوء السياسي بين الدول الأعضاء» تقوض منظومة اللجوء السياسي الأوروبية واتفاق التنقل عبر الحدود بفيزا «شينغن». وعليه؛ «فإنه ينبغي للدول الأعضاء اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة على الصعيدين التشريعي والإداري الداخليين للتصدي لمثل هذه التحركات والتعاون على نحو وثيق بعضها مع بعض سعياً لتحقيق هذه الغاية».
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه العبارات غير محددة، ولفترة بدا «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» عاجزاً عن التعامل مع الموقف.
من جانبه، قال هانز ميشلباخ، عضو قيادة الحزب، في أعقاب علمه ببيان بروكسل: «يجب أن نؤكد بسعادة أن سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة تسير في الاتجاه الصحيح. إلا أن التساؤل الآن حول ما يعنيه هذا البيان بالنسبة للحدود الوطنية والسماح بدخول أفراد الآن وخلال الأشهر القليلة المقبلة».
ومع هذا، فإن البيان يعني أنه لن يجري اتخاذ أي إجراءات انفرادية. وقد وافق رئيسا وزراء إسبانيا واليونان، اللذان اتخذا موقفاً ليّناً تجاه المحادثات يسعى للوصول إلى تسوية، بصورة غير رسمية بالفعل حول استعادة أي طالبي لجوء سياسي «يتبعونهما» يجري ضبطهم داخل ألمانيا. أما كونتي فلم يقل ذلك صراحة، لكنه وافق على الدعوة للتعاون في وقف «التحركات الثانوية» مقابل التعهد المتعلق بـ«المراكز الخاضعة للسيطرة».
وينبغي لـ«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» كذلك إمعان النظر في موقف المستشار النمساوي سيباستيان كيرز، الذي تحول بفضل موقفه الحاسم إزاء الهجرة إلى نجم سياسي في إقليم بافاريا، بل وجّه إليه رئيس وزراء الولاية عضو «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» ماركوس شويدر الدعوة - وليس لميركل - للمعاونة في حملة الحزب استعداداً لانتخابات أكتوبر المقبل. ومع هذا، أبدى كيرز تأييده الواضح للتوصل إلى حلول داخل الاتحاد الأوروبي عن طريق التفاوض، وهدّد باتخاذ إجراءات مضادة إذا حاولت ألمانيا على نحو انفرادي دفع طالبي اللجوء السياسي للعودة عبر الحدود النمساوية.
ويقدم بيان بروكسل لشويدر وحزبه فرصة جيدة لإعلان النصر - فعلى كل حال لم تكن مسألة «التحركات الثانوية» ليجري التعامل معها بهذه السرعة على المستوى الأوروبي لو أنهم لم يمارسوا ضغوطاً على ميركل - والتزام الهدوء بعض الوقت، خصوصاً أن أي مواجهة إضافية ستؤتي نتائج عكسية. الملاحظ أن «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» أخفق في الفوز في الانتخابات التي تجري داخل بافاريا منذ دخوله في مشاحنات معلنة مع ميركل.
ورغم أن الألمان يؤيدون بأغلبية ساحقة إعادة طالبي اللجوء السياسي المسجلين في دول أخرى، فإن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة «إنفراتست ديماب» في وقت قريب كشف أن ثلاثة أرباع الألمان يرحبون بإقرار حل أوروبي لقضايا الهجرة أكثر من فرض حل ألماني أحادي الجانب.
في الوقت الراهن، يبدو أن الفجوات السياسية جرى تقليصها، إن لم يكن رأبها. ويبقى التساؤل الآن حول ما إذا كانت الحلول التي تجري صياغتها تحت وطأة ضغوط سياسية كبيرة، ستنجح في نهاية المطاف؛ من المنظورين العملي والأخلاقي.
اليوم، يبدو الاتحاد الأوروبي عاقداً العزم على بناء معسكرات اللاجئين في شمال أفريقيا لمنع عبور اللاجئين، وفي أوروبا للتعامل مع طلبات اللجوء السياسي. ويبدو هذا بصورة أساسية نظام احتجاز لأشخاص كل «جريمتهم» السعي نحو حياة أفضل وأكثر أمناً.
وثمة احتمال كبير بألا يسهم هذا النظام في ضمان الاندماج الناجح لمن يسمح لهم في نهاية الأمر بالبقاء داخل أوروبا. علاوة على ذلك، فإن المعسكرات القائمة في شمال أفريقيا تحمل في طياتها احتمالاً كبيراً بوقوع انتهاكات؛ من الفساد، وصولاً إلى صور متنوعة من المعاملة غير الإنسانية. وربما ما تفعله أوروبا اليوم ليس سوى تنازل عن بعض مبادئها من أجل الوصول لإجماع بين دولها الأعضاء التي يضم بعضها أحزاباً قومية قوية مناهضة للهجرة.

- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة