سيناريوهات «بريكست العسير»

سيناريوهات «بريكست العسير»

الجمعة - 9 شوال 1439 هـ - 22 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14451]
مع اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية الشهر الحالي، فمن المرجح أن يصدروا تحذيراً إلى البيروقراطية والمؤسسات بهدف تكثيف الاستعدادات الجارية للخروج البريطاني من الاتحاد من دون صفقات مبرمة، والمعروف إعلامياً بمسمى «البريكست العسير» أو «خروج حافة المنحدر»، لأن هذا هو الاتجاه الذي تتحرك صوبه المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في الآونة الراهنة.
وعند هذه النقطة، فمن المريح رؤية مثل هذه الإشارات في سياق نظرية الألعاب. لدى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الحافز الأكيد لنقل الأمور إلى الحافة – وربما لما بعد أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أي المعياد النهائي الحالي للوصول إلى اتفاق مع الجانب الأوروبي – وذلك حتى تتمكن من تمرير نسختها من اتفاقية الخروج عبر البرلمان؛ وهي أكثر اهتماماً بالتصويت المفتوح النتائج في اللحظات الأخيرة من المناقشات المطولة داخل أروقة البرلمان. والاتحاد الأوروبي، المصاب بإحباط بالغ من موقف المملكة المتحدة، لم يعد لديه ما يقدمه، وظل يتحدث عن احتمال وجود «البريكست العسير» لما يزيد على عام كامل، ولكن من شأن ذلك أن يكون مجرد دليل على استعداده للرحيل عن طاولة المفاوضات بالكلية.
وإن خلا البريكست البريطاني من أية صفقات، سوف تنفصل المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي تماما بحلول مارس (آذار) من عام 2019 من دون الفترة الانتقالية. ومن شأن ذلك أن يوجد الثغرات الكبيرة في اللوائح والمقدرة على إنفاذها، ولا سيما في المملكة المتحدة. وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» مؤخراً أن الحكومة البريطانية لا تفعل الكثير إزاء ذلك الأمر لأنها لا تعتبر «عدم إبرام الصفقات» من السيناريوهات الواقعية بحال. ولكن الاعتقاد بأن مختلف الأطراف تخادع بعضها البعض يمكن أن يسفر عن مفاجآت قبيحة للغاية نظراً لأن المفاوضات السياسية ليست كمثل لعبة البوكر الشهيرة، بل إنها اللعبة التي لا تتسق مصالح بعض اللاعبين على الطاولة – عندما يتعلق الأمر على أقل تقدير بالعديد من المحافظين المؤيدين للخروج البريطاني – مع الجهات التي يمثلونها.
إنها الشركات التي هي في أمس الحاجة إلى الاستعداد للتداول والتجارة عبر القنال الإنجليزي والعمل وفقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي يعني فرض الرسوم الجمركية بمقدار نقطتين مئويتين على أغلب السلع و10 نقاط مئوية على السيارات، و20 نقطة مئوية على المنتجات الزراعية. كما سوف تُقام الحواجز الجمركية على الحدود مما يؤدي إلى زيادة التكاليف وإبطاء مواعيد التسليم.
في العام الماضي، حلل البروفيسور وين تشين من جامعة غرونينغن الهولندية وفريقه الدولي من المتعاونين، أي المناطق في بلدان الاتحاد الأوروبي هي الأكثر تعرضاً أو تأثراً من الخروج البريطاني. ونظراً للمستويات العميقة من البيانات قيد التحليل، ربما يكون هذا التحليل هو الأفضل من نوعه لقياس مدى التعرض والتأثير حتى اليوم.
تفترض حسابات البروفيسور تشين، رغم ذلك، أن البريكست سوف يرجع بالتجارة البينية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى نقطة الصفر (وليست هناك من طريقة أخرى للحصول على الحصة الكاملة من الناتج المحلي الإجمالي الذي يكن أن يتعرض للتأثير). وفي الواقع الحقيقي، فإن الرسوم الجمركية البالغة 2 في المائة، وأوقات التسليم الأطول قليلا، والتكاليف المضافة للتصاريح الجمركية (والمقدرة على سبيل المثال بحوالي 500 مليون يورو أي 578 مليون دولار في العام بالنسبة لألمانيا أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي) لن يؤثر على حجم التجارة كثيراً. واللاعبون الاقتصاديون الذين يحتاجون حقاً إلى الاستعداد لـ«البريكست العسير» يوجدون في المقام الأول في صناعة السيارات، والزراعة، والتمويل، حيث سوف تنفصل الشركات البريطانية والأوروبية عن العمل في أسواق بعضهما البعض بصفة مباشرة بحلول نهاية الميعاد المحدد.
وفي صناعة الخدمات المالية، فإن البريكست من دون صفقة يعتبر تهديداً خطيرا. ففي مارس الماضي، نشرت الرابطة العالمية للمحاسبين القانونيين المعتمدين، التي يعمل أعضاؤها في مجموعة كبيرة من الشركات المالية والمصارف الدولية، مسحاً استقصائياً بشأن البريكست. يعمل ثلاثة أرباع المشاركين خارج المملكة المتحدة؛ و77 في المائة ممن شملهم المسح قالوا إن «البريكست العسير» سوف يُلحق الأضرار بأعمالهم، وقالت 6 في المائة منهم إن شركاتهم لن يكون لديها نموذج عمل قابل للتطبيق بعد ذلك. وفي الأثناء ذاتها، كانت التحضيرات المسبقة بطيئة للغاية: قال 23 في المائة من أعضاء الرابطة (و31 في المائة من العاملين في الشركات الصغيرة) إن شركاتهم لم تبدأ حتى الآن في الاستعداد والتخطيط للخروج البريطاني. وقال 8 في المائة فقط منهم إن شركاتهم قد شرعت فعلاً في تنفيذ خططها بهذا الشأن، بزيادة طفيفة قدرها 3 في المائة عن مارس لعام 2016.
ومن شأن ذلك أن يجعل صناعة الخدمات المالية من الجماهير المهمة بشكل خاص للتحذير الصادر عن الاتحاد الأوروبي. والتقرير المنشور حديثاً عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الاتحاد الأوروبي يقلل من مستوى المخاطر – ولكنه يشير رغم ذلك إلى احتمال أن يؤدي عدم استعداد الشركات إلى عواقب وخيمة. وجاء في التقرير المذكور ما يلي:
«من المحتمل أن تحتفظ كيانات الاتحاد الأوروبي بإمكانية الوصول الكافية إلى الخدمات المالية الكاملة والجزئية في مرحلة ما بعد الخروج البريطاني، حيث أن أغلب الخدمات المالية متوفرة حالياً في الـ 27 دولة الأعضاء في الاتحاد، ويمكن للكيانات البريطانية ذات الصلة نقل جزء من أنشطتها إلى الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى، فإن الانتقال من الخدمات المصرفية الكاملة المتمركزة في لندن إلى بيئة مصرفية أكثر تجزئة في أماكن أخرى، من شأنه أن يرفع من تكاليف رؤوس الأموال على الكيانات والشركات غير المالية، حيث قد تتقلص وفورات الحجم والنطاق المتعلقة بصناعة الخدمات المالية في لندن».
ومن الصعب إلى درجة ما على الشركات الصناعية والزراعية حماية أعمالها من آثار البريكست. ومن شأن العثور على أسواق جديدة للمنتجات أن يتحول إلى مهمة صعبة وعسيرة. ووفقاً إلى مؤسسة «ديلويت» للمحاسبة، من شأن «البريكست العسير» أن يخفض صادرات السيارات الألمانية إلى المملكة المتحدة بمقدار 255 ألف سيارة في العام، أي ما يعادل 6.7 مليار يورو أو ما يساوي 5 في المائة من إجمالي المبيعات. وسوف تتعرض، جراء ذلك، 18 ألف وظيفة للخطر الكبير. وسوف تفقد شركات صناعة السيارات الأوروبية حوالي 8.7 مليار يورو من المبيعات الإجمالية. ولن تتأثر صناعة قطع غيار السيارات كثيراً بسبب أن الرسوم الجمركية عليها لن تتجاوز 4.5 في المائة وليست 10 في المائة كما هي على السيارات، ولكن قد يؤدي ذلك إلى ضياع آلاف الوظائف لأن الواردات من بقية دول العالم سوف تصبح مجدية من الناحية الاقتصادية بالنسبة إلى المملكة المتحدة.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة