الكتاب العربي ورثاثة الترجمات إلى اللغات الأخرى

مشكلة التعريف به خارجياً ليست قضية ثقافية مجردة وليست بعيدة عن السياسة

نجيب محفوظ  -  إدوارد سعيد  -  أمين معلوف
نجيب محفوظ - إدوارد سعيد - أمين معلوف
TT

الكتاب العربي ورثاثة الترجمات إلى اللغات الأخرى

نجيب محفوظ  -  إدوارد سعيد  -  أمين معلوف
نجيب محفوظ - إدوارد سعيد - أمين معلوف

ماذا سيكون شكل العالم دون مترجمين؟ وهل هناك لغة كونية أو استعمارية أو قومية أو حتى قدسية تكفي لتوحيد العالم، وإخضاع الأفكار والمعاني لنمطٍ واحد من التواصل والتوصيل؟
هذه الأسئلة ليست فرضيات، ولا تخيّلات، بقدر ما أنّ أهميتها تنطلق من فقه الحاجة إلى التواصل والفهم، وترميم الفجوات الثقافية العملية والمعرفية بين الشعوب، وبما يُعطي لفعل اللغة طاقتها وقوتها السيمائية في التواصل، وفي أنْ تكون هي المجال الوحيد الذي يُعبّرُ من خلاله الفلاسفة والثوار والغزاة والقديسون عن مواقفهم وأفكارهم، ولكي يُجاهروا بسلطتهم، وقوتهم في الإشهار والهيمنة، ولكي تُمارس اللغة وظيفتها أيضاً في تحفيز آليات التفكير، وفي صياغة الوعي والقبول، وفي صناعة الأثر...
مشكلة التعريف بالأدب العربي ليست قضية ثقافية مجردة، وليست بعيدة عن السياسة، ولا عن خططها وأهدافها واستراتيجياتها، لأنّ كلّ ما يتعلق بتعطيل البرامج الترجمية، يرتبط بشكلٍ أو بآخر بضعف تلك الاستراتيجيات، ودورها في(أنسنة الثقافة والعلوم والمعارف) وفي تأكيد أنّ (الثقافة صناعة) كما يقول أدرنو، ويمكن تأطير آليات استعمالها وتداولها، فهذه الامتيازات هي ما يُعطي للصناعات الثقافية أهميتها، وضروراتها، والتي تتطلب وجود مشاريع كبرى وسياسات كبرى، مثلما هو وجود الأسواق-القرّاء- المستهلكين، فضلاً عن وجود الفاعلين الحقيقيين في صياغة برامج الاجتماع الثقافي، ومنهم المترجمون، حيث مشاركتهم المهمة في صياغة رأي عام ترجمي، أو العمل على إقامة عقد ثقافي مع الثقافات الإنسانية الأخرى، لأنهم جزء منها، وأنّ مفهوم (القرية الكونية) الذي روّجت له العولمة يتطلب مشاركة حقيقية وقبولاً وتفاعلاً وتواصلاً لغرض أنسنة العالم- القرية...
العطالة، والتغييب في برامج ترجمات الثقافة العربية إلى اللغات تؤشر إلى مدى الضعف العميق في السياسات الثقافية، وفي تبنّي برامج حقيقية لتطوير وتوسيع مديات العمل الترجمي، فأي مقارنة ما بين ما نستهلكه من الترجمات العالمية مع ترجماتنا إلى اللغة الأخرى سنكتشف (الهوّة) العميقة التي نقف عندها، وحتى حديثنا عن الجوائز العالمية مثل «نوبل» والـ«مان بوكر» وغيرها سيصطدم بهذه العقدة اللسانية والسياسية، وبسياقات البرامج والآليات الحاكمة لهذه الجوائز...
- ترجمات وسياسات
قد يبدو السؤال فاجعاً في تحديد الجهات المسؤولة عن ذلك، فهي لم تجد أي مقاربات حقيقية لا في خطط وزارات الثقافة العربية، ولا حتى في برامج الاتحادات والمؤسسات الثقافية العربية الأخرى، وأنّ كلّ ما يجري من ترجمات محدودة لا يعدو أن يكون جهوداً شخصية أو من قبل مؤسسات معينة مثل «مؤسسة الكلمة» في دولة الإمارات العربية، أو لأغراض بحثية، أو لنيات تدخل في إطار الاستشراقيات العلمية، أو المشبوهة! حتى بتنا محاصرين بأوهام الآخر ومركزياته، وأنماط مهيمناته، ومناهجه ونظرياته وأسماء أبطاله، ومدنه، وشوارعه، وعلمائه، ودور نشره، مثلما باتت نظرتنا إلى الجوائز العالمية، وإلى معارض الكتب، وإلى تداول مفاهيم وقيم الحداثة وغيرها محصورة وضيقة، كأنها موضوعات تخصّ الآخر فقط، وأننا محضُ متفرجين، أو مستهلكين.
- الترجمة وأوهام الأنثربولوجيا
من الصعب جداً فصل الثقافة الترجمية عن المجال الأنثربولوجي، لا سيما على مستوى نظرة الآخر إلى العرب، وإلى عاداتهم وطقوسم ولهجاتهم وأفكارهم وأزيائهم ونظرتهم إلى الجنس والمرأة والطعام، فكلّ هذا مَثار شغفٍ دائم عند كثير من مستشرقي الأنثربولوجيا الأوروبية والأميركية، وهو ما يدفع بعضهم إلى الإصرار على إعادة ترجمات بعض الكتب التاريخية التي تخصّ المسكوت عنه في التراث أو السيرة، وبعضه يتعلق بالأحداث العربية الجديدة، لا سيما (ثورات الربيع العربي) ليس بوصفها الثوري، بل لأنها أسهمت في تفجير بعض ذلك (المسكوت عنه) الجماعاتي والهوياتي والطائفي العربي، وحتى ترجمة بعض الروايات أو الكتب الخاصة لا تشكّل أهمية كبرى إزاء استهلاكنا الكبير لما تُترجمه مؤسساتنا ودور نشرنا من الكتب الأجنبية.
وحين يثار فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل وترجمة كتبه إلى بعض اللغات الأخرى، أو فوز بعض الكتّاب المغاربة من الفرانكوفنيين بجوائز غونكور، أو حتى الحديث عما يتعلق بشخصيات متعولمة مثل إدوارد سعيد أو أمين معلوف، فالأمر يثير إشكالية أكثر تعقيداً، فحصول على محفوظ على «نوبل» التي يستحقها طبعاً، ليست قياساً، ولها ظروفها الخاصة، أو حتى لخصوصية الجهود الترجمية والسياسية والثقافية التي وقفت وراءها، لا سيما المزاج الأنثربولوجي الغربي الذي وجد في روايات محفوظ عالماً خاصاً للتعرّف على المكان والشخصيات المصرية، وعلى طبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية والطبقية التي عاشتها الشخصية المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر، فضلاً عما تمور به رواياته من سرائر تمس المقدس واليومي والجندري، ولمواقفه من هوية الدولة الجمهورية في مصر، التي تأسست معها ظاهرة عبد الناصر المكروهة من قبل المؤسسات السياسية والاستشراقية الغربية...
وحتى الحديث عن ظاهرة إدوارد سعيد الأنكلوفونية، وعن الظاهرة المغاربية الفرانكوفية العربية، لا يعكس وجود عمل مؤسساتي حقيقي في مقاربة موضوع ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى، لأن هذه الظواهر هي أساساً جزء من المشروع الثقافي الغربي، ولا علاقة لها بالمشروعات الثقافية العربية، وبطبيعة الخيارات والمواقف التي لها علاقة بالترجمة، وبتعريف القارئ الأجنبي بالأدبيات العربية التاريخية والجديدة.
- المترجم ليس خائناً
السؤال عن خيانة المترجم ليس سؤالا أميناً، ولا مبرراً لاتهام الترجمات بالمروق والتلصص، وأحسب أنّ مَنْ روّج لهذه اليافطة لا يعاني من ضيق ذات اليد المعرفية، ولم تحاصره اللغات الأخرى بما يشبه الغزو، والترهيب، حدّ استعماره واغترابه إزاء وجوده وهويته، وجنوسته.
ترجمة الآداب العربية للآخر ظلت تعيش وهْمَ السياق الخائن، كأنّ لعبة الحروب والغزوات فقدت كل توصيفاتها العسكرية والسياسية، وانحشرت في خانة اللعبة اللسانية، وقدرة هذه اللعبة على أنْ تكون ممارسة في المحو والتغييب والإقصاء، حتى بات أغلب النزعات الآيديولوجية (القومية) منها، أو دوغما اليسار تمارس شكوكها الأخلاقية إزاء الآخر، وتعطيل أي أفق للحوار وتحت يافطات شتى، وهو ما وجدته حكومات الاستبداد العربي فرصة لتخوين المثقف، أو عزله، ولتأطير الترجمات بنوع من التضليل، والتخويف، ومجاراة الشعار الغرائبي حول الخيانة الترجمية، وباتجاه خلق نوع من الفوبيا بأنّ الغرب سيسرقنا من خلال اللغة، وأنّ مقدسنا، وإرثنا وقيمنا ستكون عرضة للنهب والضياع من قبل المترجمين الخونة...
كما أن وهم الخيانة هذا وجد في غياب البرامج الدولتية مجالاً آخر للعطالة، فضلاً عن غياب أي تخطيط لوضع ترجمة الأدب العربي في سياق البناء الحضاري والثقافي البيني، ولم تبذل وزارات الخارجية العربية أي جهد لتنظيم سياسة ثقافية كاملة مع الآخر، كأنّ مفهوم المصالح والأطر الدبلوماسية والسياسية لا شأن له إلّا بالعلاقات الدولية في سياقها السياسي فقط، فضلاً عن أن وزارات التعليم العالي تضع ممثليها في سفارات الدول الأجنبية لممارسة وظيفة متابعة شؤون الطلبة الدارسين في هذا البلد أو ذاك، ولا شأن لها بصياغة علاقات تخصّ المصالح الثقافية، وإقامة البرامج الترجمية المشتركة، وبما يسمح بصياغة تقاليد واسعة لهذه العلاقات، وفتح آفاق جديدة في سياق حوار الثقافات، وعلى أسس متكافئة، وبغير ذلك لا تملك أي جهة مدنية أو رسمية قدرة على تنشيط الممارسة الترجمية التي تتطلب آليات ودعماً مادياً ولوجيستياً من الصعب أنْ نجده في مؤسساتنا المدنية، لا سيما أن السلطة العربية هي سلطة حيازة شاملة للقرار والثروة والأمن، وهو ما يعني امتلاكها الأدوات والوسائط التي من شأنها تبني مثل مشاريع استراتيجية كهذه.



يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

قالت الممثلة المصرية يسرا اللوزي إنّ أكثر ما جذبها للمشاركة في فيلم «صقر وكناريا» هو اختلافه عن الأعمال التي قدَّمتها مؤخّراً، إلى جانب شخصية «ليلى» التي تراها «تحمل مزيجاً من الجانبين الإنساني والكوميدي». وأكدت أن السيناريو لفت انتباهها منذ القراءة الأولى، لكونه يعتمد على كوميديا المواقف، ويمنح كلّ شخصية مساحة واضحة داخل الأحداث.

وأضافت اللوزي، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنّ شخصية «ليلى» تطلَّبت منها تحقيق توازن بين الأداء الكوميدي والصدق الإنساني، موضحةً: «هذا ما استمتعتُ بالعمل عليه خلال مرحلة التحضير، لحرصي دائماً على البحث عن شخصيات تُبعدني من دائرة التكرار، لأنّ التنوع في الأدوار هو ما يُحافظ على شغفي ويضيف إلى مسيرتي الفنية».

يسرا اللوزي في العرض الخاص لـ«صقر وكناريا» بالقاهرة (الشركة المنتجة)

وعدَّت الفنانة المصرية أفلام الأكشن من أصعب التجارب بالنسبة إلى أيّ ممثل، نظراً إلى ما تتطلّبه من استعداد بدني كبير وتركيز مستمر، فضلاً عن التدريبات التي تسبق تنفيذ المشاهد، مشيرةً إلى أنّ ظروف التصوير لم تكن سهلة، «خصوصاً مع ساعات العمل الطويلة وارتفاع درجات الحرارة، ممّا جعل تنفيذ بعض المشاهد أكثر إرهاقاً مما بدا على الشاشة».

وترى أن «حضور المرأة في أفلام الأكشن لا يزال أقل مما ينبغي، رغم امتلاك كثير من الممثلات القدرة على تقديم هذه النوعية من الأدوار بكفاءة»، مُعربةً عن أملها في أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في كتابة شخصيات نسائية فاعلة داخل أفلام الحركة، لكون الجمهور أصبح أكثر تقبّلاً لرؤية البطلات في أدوار تعتمد على القوّة والمغامرة.

وكشفت أنّ أصعب أيام التصوير كانت خلال تنفيذ مشهد داخل حظيرة للحيوانات، موضحةً أنّ «طبيعة المكان والروائح القوية جعلت التجربة مُرهِقة للجميع، بينما حاول فريق العمل التعامُل مع الموقف بروح مرحة، وكانت لحظات الضحك المتبادل تخفف من ضغط التصوير، وهو ما ساعدنا على تجاوز صعوبة اليوم وتحويله لاحقاً إلى ذكرى طريفة».

وقالت يسرا اللوزي إنّ «التعاون مع محمد إمام وشيكو كان من أكثر عناصر الفيلم متعةً، لأن كليهما يمتلك حسّاً كوميدياً حاضراً باستمرار، سواء خلال التصوير أو في الكواليس، وهو ما خلق أجواء مريحة بين فريق العمل، وانعكس بصورة طبيعية على المشاهد التي جمعتنا أمام الكاميرا».

يسرا اللوزي تطمح إلى تقديم أدوار متنوّعة (حسابها في «فيسبوك»)

وأضافت أنّ معرفتها بمحمد إمام تعود إلى سنوات الدراسة، إذ جمعتهما الجامعة نفسها، كما شاركا في ورشات تمثيل آنذاك، لكنّ المفارقة في أن «صقر وكناريا» يُمثّل أول تعاون سينمائي يجمعهما، وهو ما منح التجربة طابعاً خاصاً، في ظلّ معرفة سابقة سهلت الانسجام بينهما خلال العمل.

وعن التحضير لشخصيتها، أوضحت أنها ناقشت جميع التفاصيل مع المخرج حسين المنباوي قبل بدء التصوير، مؤكدةً أنها كانت حريصة على فهم دوافع الشخصية وطريقة تفكيرها. وتابعت: «الاتفاق بيننا كان قائماً على تقديم الدور بصورة طبيعية وبعيدة عن المبالغة، حتى تبدو الشخصية قريبة من الجمهور وقابلة للتصديق».

وتطرَّقت إلى المَشاهد التي جمعتها بالطفل الذي يُجسّد دور ابنها، مؤكدةً أنها كانت من أكثر المَشاهد حساسية على المستوى الإنساني، واعتمدت في أدائها على استحضار المشاعر الحقيقية المرتبطة بالأمومة، مع مناقشة كل مشهد مع المخرج للوصول إلى أكبر قدر من الصدق، لقناعتها بأنّ هذه التفاصيل هي التي تمنح المشهد تأثيره الحقيقي.

وقالت يسرا اللوزي إنها لا تزال من المؤمنين بالبطولة الجماعية، لكنها ترى أنّ هذا النموذج أصبح أكثر نضجاً خلال السنوات الأخيرة، لأنّ كل شخصية باتت تمتلك مساحة واضحة داخل الأحداث، ممّا يمنح العمل ثراءً أكبر، ويجعل نجاح الفيلم قائماً على تكامل جميع عناصره، وليس على وجود بطل واحد فقط.

«صقر وكناريا» يمزج بين الأكشن والكوميديا (الشركة المنتجة)

وأعربت عن سعادتها بتصدُّر «صقر وكناريا» الإيرادات منذ الأيام الأولى لعرضه، معدَّةً أن النجاح الجماهيري يمثّل أكبر مكافأة لفريق العمل بعد أشهر طويلة من التحضير والتصوير، «لأنّ تفاعل الجمهور مع الفيلم يمنح الفنان إحساساً بأنّ الجهد وصل إلى المشاهد، وهو أهم من أيّ أرقام أو مؤشرات أخرى»، وفق قولها.

وتابعت أنها تقرأ في الوقت الحالي أكثر من مشروع جديد في السينما والدراما، لكنها تُفضّل عدم التسرُّع في اتخاذ قراراتها، مؤكدة أنها تبحث دائماً عن الشخصيات التي تُقدّم لها إضافة حقيقية.

وأكدت يسرا اللوزي أنّ المسرح سيظل جزءاً مهماً من طموحها الفني، مشيرة إلى أنّ مشاركتها الأخيرة ضيفةً في أحد العروض أعادت إليها متعة الوقوف أمام الجمهور مباشرة، ولا تستبعد العودة إلى المسرح قريباً إذا وجدت نصاً قوياً ودوراً يستحقّ خوض التجربة.


الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
TT

الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)

تضع السينما الإنسان أمام تناقضه الأكبر. الكائن الذي يبتكر الموسيقى هو نفسه الذي يبتكر الحرب. واليد التي ترسم لوحة تستطيع أن تبني معسكراً أو تضغط زناداً. لم يأتِ الفنّ يوماً ليُبرّئ البشرية من عنفها. جاء ليحفظ الدليل على أنها كانت تعرف الجمال في اللحظة نفسها التي كانت تُتقن فيها صناعة الموت. بين هذا الإدراك الفادح الذي يقود المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار في «موسيقانا» (2004)، والإيمان الذي يملأ «سينما براديسو» للمخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري (1988)، بأنّ الصورة قادرة على إنقاذ شيء من الإنسان، افتتحت «متروبوليس» برنامجها بمرور 20 عاماً على تأسيسها، مُحتفيةً بالسينما التي تحتفظ بالإنسان بما فيه من رهافة ووحشية.

السينما لا تمنحنا عالماً آخر... تمنح العالم عمقاً آخر (متروبوليس)

يفصل بين الفيلمَين أكثر من عقد ونصف العقد، ويفترقان في كلّ شيء تقريباً، إلا في إيمانهما بأنّ السينما ليست صناعة للصور. كلاهما ينطلق من لحظة مُغادرة الإنسان المشهد، تاركاً الصورة وحدها في مواجهته. عند تورناتوري، ترث السينما ما عاشه الإنسان؛ طفولته، وحبّه الأول، ودهشته، والقبلات التي حاولت السلطة حذفها من الشريط والذاكرة. وعند غودار، ترث ما اقترفه أيضاً؛ الحروب، والمدن المُحترقة، والجثث التي أصبحت جزءاً من الأرشيف البصري للبشرية. تتغيَّر وظيفة الشاشة من مكان يَعرض الحياة إلى مكان يحتفظ بما تتركه الحياة وراءها. فالسينما في الحالتَين الوريث الأخير للإنسان، تحفظ أجمل ما استطاع أن يخلقه، كما تحفظ أكثر ما يُدينه.

في «سينما براديسو»، يتأمّل تورناتوري الكيفية التي يتكوَّن بها الإنسان داخل الصور. سالفاتوري يدخل قاعة العرض قبل أن يعرف العالم أصلاً. يتعلّم الحب قبل أن يُحِبّ، يشهد الفَقْد قبل أن يخسره، ويتعرَّف إلى اتّساع الحياة من خلال مستطيل مُضاء في قرية لا تكاد ترى ما وراء حدودها.

تتحوَّل علاقته بعامل العرض ألفريدو إلى أكثر من صداقة بين طفل ورجل أكبر منه. أحدهما يُورّث الآخر مهنة، ويُورّثه معها طريقة في النظر. فكلّ بَكَرَة تدور تُضيف إلى الطفل احتمالاً جديداً للحياة، حتى يصبح الضوء الخارج من نافذة صغيرة أكثر تأثيراً في مصيره من الجغرافيا التي وُلد فيها.

لكنَّ تورناتوري لا يكتب مرثية رومانسية لزمن القاعات. فالفيلم يعرف أن الصورة التي تمنح الإنسان جناحَيْن، تنتزعه أيضاً من المكان الذي أنجب هذين الجناحَيْن. لذلك لا تُنقذ السينما سالفاتوري من الفَقْد، لكنّها تمنحه قدرة مختلفة على حَمْله. تجمع الشظايا وتُعيد إلى الإنسان ما انتُزع منه.

غودار يرى العالم كما ترى الصورة جرحها (متروبوليس)

ينتقل غودار في «موسيقانا» إلى منطقة أكثر وعورة. كان أحد أبرز وجوه الموجة الفرنسية الجديدة، ومن المُخرجين الذين غيَّروا علاقة السينما بالسرد والمونتاج والصورة. في مرحلته المتأخِّرة، تحرَّرت الصورة عنده من واجب الحكي وصارت تبحث عن معنى وجودها. يُقسِّم الفيلم إلى الجحيم والمَطْهر والفردوس، مستلهماً «الكوميديا الإلهية» لدانتي، لكنه يجعل هذه العوالم جزءاً من التاريخ الإنساني وليس من عالم ما بعد الموت.

يفتتح غودار «الجحيم» بصُور تتدافع كأنّ قروناً من العنف تَضيق داخل دقائق معدودة. مجازر وإبادات ومعسكرات موت ومدن تُمحى وجيوش لا تكفُّ عن كتابة التاريخ بالدم. تعبُر الموسيقى هذه المَشاهد من دون أن تنتشلها من مصيرها، فتظهر المُفارقة التي يبني عليها الفيلم رؤيته للعالم. التاريخ أثبت أنّ الإنسان قد يعزف مساءً ويقتل صباحاً، والثقافة لا تمنحه حصانة أخلاقية. كأنه احتاج إلى الموسيقى ليحتمل معرفته بما اقترفت يداه، وإلى الصورة ليظلَّ قادراً على مواجهة ما عجز عن مَنْعه. يتحوَّل «الجحيم» إلى سجلّ لعبقرية انقسمت على نفسها. العقل الذي عرف كيف ينسج انسجاماً بين النغمات، عرف أيضاً كيف يُهندس الإبادة. واليد التي ارتفعت يوماً فوق أوتار الكمان، عرفت الطريق نفسها إلى الزناد.

في «المَطْهر»، يتخلَّى غودار عن فيضان الصور ويمنح الكلمة دورها. فبعد أرشيف طويل من المجازر، تبدو الصورة وقد بلغت حدّها الأقصى. لقد رأت كلَّ شيء ولم تعُد قادرة على الإضافة. هنا، يدخل محمود درويش إلى الفيلم. حضوره يُغيّر اللغة التي يُنظر بها إلى الخراب. يتحوّل الحوار من سؤال عمّا جرى إلى سؤال عمّا تستطيع القصيدة أن تفعله بعدما يفرغ التاريخ من فعلته. بذلك، لا يعود الشِّعر يبحث عن الجمال، وإنما عن كلمة تمنع العالم من الاستقرار داخل رواية المُنتصر وحده.

كان محمود درويش يعرف أن المعركة الأخيرة تُخاض على المعنى (متروبوليس)

بين الفيلمَين، تنتقل السينما من اختراع الحياة إلى حَمْل التاريخ. ففي «سينما براديسو» تحفظ الشاشة أحلام البشر. وفي «موسيقانا» تحمل كوابيسهم أيضاً. تمنحهم مكاناً للهروب، ثم تُعيدهم إلى ما ينبغي ألّا يهربوا منه. تصنع ذاكرة فردية لطفل في صقلية، وتحفظ ذاكرة شعوب مهدَّدة بالمحو في فلسطين وسراييفو وسواهما.

تستعيد هذه الأفلام مجالها الطبيعي حين تُشاهد على شاشة كبيرة. يتّسع وجه الطفل، وتملأ آثار العنف مجال الرؤية، وترفع الموسيقى الصورة من مشهد إلى تجربة. على امتداد 20 عاماً، أسهمت «متروبوليس» في حماية هذا المعنى داخل بيروت. سينما منحت احتمالاً آخر لرؤية العالم، وربما احتمالاً أكثر إنسانية للإقامة فيه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
TT

فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة

في واقعة غير مألوفة داخل أحد أشهر أحياء المجوهرات في لندن، كشفت كاميرات المراقبة محاولة سرقة غريبة، بعدما أظهرت رجلاً وهو يبتلع خاتم خطوبة مرصّعاً بالألماس تبلغ قيمته نحو 35 ألف جنيه إسترليني (47 ألف دولار)، في منطقة هاتون غاردن. وفقاً لصحيفة «مترو».

وقال العاملون في المتجر إنهم فوجئوا باختفاء أحد ثلاثة خواتم خطوبة كانوا يعرضونها على الزبون، من دون أن يلاحظوا لحظة اختفائه. وبعد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، اكتشفوا أن الرجل التقط الخاتم بسرعة ووضعه في فمه، قبل أن يُعتقد أنه ابتلعه.

وأوضح جنايد حسن، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي يدير المتجر العائلي، أن الحادثة كانت صادمة، قائلاً: «كان الأمر جنونياً للغاية. ما زلت لا أصدق أنه حدث فعلاً. أنت لا تعرف أبداً من هو الشخص الذي يجلس أمامك».

وأضاف أن المتجر، الذي تعمل فيه ثلاثة أجيال من العائلة منذ أكثر من 30 عاماً، لم يشهد من قبل محاولة سرقة بهذه الطريقة، مشيراً إلى أن اكتشاف الواقعة جاء بفضل كاميرات المراقبة التي حالت دون ضياع الخاتم.

وحسب العاملين، بدا الرجل هادئاً وطبيعياً أثناء وجوده في المتجر، بل إنه طلب كوباً من الماء؛ ما أثار شكوك الموظفين الذين رفضوا طلبه. وعندما واجهوه باختفاء الخاتم، بدأ بالصراخ وطالب بتفتيش جيوبه، قبل أن يعيد الخاتم بعدما وضع أصابعه في حلقه.

وقال سيد حسين، والد جنايد، الذي تعامل مع الرجل يوم الحادثة في يونيو (حزيران) 2025، إن الزبون أمضى نحو ساعتين في مشاهدة مجموعة من الخواتم قبل أن يحاول المغادرة بحجة أنه سيعود في اليوم التالي.

ويحتوي الخاتم على ألماسة كبيرة مقطوعة بأسلوب «الأميرة» (Princess Cut)، إضافة إلى ألماسات صغيرة مثبتة على إطار من البلاتين.

وأثارت الواقعة قلق أصحاب محال المجوهرات في هاتون غاردن، حيث بدأت المتاجر في مراجعة إجراءات الأمن وتحديث أنظمة المراقبة، مؤكدين أن أساليب السرقة أصبحت أكثر ابتكاراً، وأن الحذر والتعاون بين أصحاب المحال باتا أمراً ضرورياً.

وقال جنايد إنه نشر مقطع الفيديو لاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف التوعية، مضيفاً: «لم أتوقع أن ينتشر بهذا الشكل. أردنا فقط أن نوضح أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأن الأمن والمراقبة أمران لا غنى عنهما».