وجوه من رمضان: «معالي الوزير»

وجوه من رمضان: «معالي الوزير»

الأحد - 20 شهر رمضان 1439 هـ - 03 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14432]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
جميع الأشياء في المغرب لها لونٌ خاص. تشعر أنك في قلب العالم العربي وبعيداً عنه في وقتٍ واحد. اللهجة، الهندسة المعمارية، الطابع القديم، وتلك الحيوية التي تحرّك المدن القديمة والشوارع العتيقة وكأن الناس جميعاً ذاهبون إلى موعدٍ واحد. لم أسافر مرةً إلى الرباط، أو الدار البيضاء، أو فاس، إلا وأنا في شغفٍ حقيقي. دائماً أتوقع جديداً ما، أو عبيراً تاريخياً ما، أو مشهد سقوفٍ علاها صدأ التاريخ ونسي المصلحون أن يمروا بها. وفي هذه الحيوية، تشعر وكأن الجميع في نقاش ما. في المقاهي، وفي المطاعم، وفي المجالس، وفي المحاضرات، وفي الأسواق العتيقة وحي الصفّارين. وما أسهل أن تعقد الصداقات في المغرب، وما أبقاها وأودّها. ذات مرة، دعاني الصديق الشاعر محمد الطنجاوي للمشاركة في تكريم الدكتور أحمد بن سودة، أحد رفاق محمد الخامس في نضاله ضد الفرنسيين، وأحد سفراء وكبار مستشاري الحسن الثاني.
ربما كان سبب الدعوة أن أحمد بن سودة عمل سفيراً لفترة طويلة لدى لبنان، وبالتالي كان علينا أن نرد له الجميل في تلك المناسبة. لم أتعرّف إلى بن سودة في بيروت، ولكن في قصر الحسن الثاني في الرباط. ومثل غيرها من الصداقات المغربية، فقد اغتنت ودامت. غير أنه في يوم التكريم الحافل، الذي جمع أعيان المغرب وبسطاءه، لاحظت أن العمر قد أثقل كثيراً على المستشار الأول، وخصوصاً على ذاكرته.
وفي جملة برنامج الزيارة، قال لي الطنجاوي إنه لا بد من المرور بالمدرسة القرآنية التي أقامها «معالي الوزير»، وظننت أن «معالي الوزير» هو صديقنا المكرّم. غير أن الطنجاوي أوضح أن «معالي الوزير» لقبٌ أطلق على محمد، شقيق بن سودة، مذ كان طفلاً كنوعٍ من التحبب، غير أنه لم يعرف كرسياً رسمياً في حياته، ولم يكن له من السياسة سوى هذا اللقب.
رافقنا «معالي الوزير» إلى حارةٍ قديمة من حارات الرباط، ودخلنا مجموعةً من الشوارع الصغيرة الضيقة، إلى أن وصلنا أمام مبنى متواضع تتعالى منه أصوات الأطفال وهم يرتلون أو يرددون الآيات. قدّمنا «معالي الوزير»، الباسم أبداً، إلى تلاميذه وتلميذاته، وطلب من أكثرهم حفظاً ونباهةً أن يعرضوا قدراتهم وذكاءهم. شعرت يومها، وحتى هذا اليوم، أنني في أكبر جامعةٍ خيرية عرفتها في حياتي. لقد كانت تلك الغرفة الصغيرة كل ما يستطيع أن يقدمه «معالي الوزير» لأطفال المغرب المحتاجين. وإذ بدا مفتخراً ومعتزاً بما قام به، شعرت أنه يحتاج إلى تكريمٍ ما، مثل شقيقه الذي ملأ اسمه آداب المغرب وسياساته ونضالاته.
إلى اللقاء.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة