«المتشددون العائدون» يقضّون مضاجع المسؤولين الفرنسيين

باريس تريد محاكمة المقبوض عليهم في أماكن احتجازهم
الخميس - 20 جمادى الآخرة 1439 هـ - 08 مارس 2018 مـ Issue Number [14345]
باريس: ميشال أبو نجم

ما زال التهديد الإرهابي يطأ بثقله فرنسا في الداخل والخارج. ففي الداخل، كشف وزير الداخلية جيرار كولومب أخيراً أن الأجهزة الأمنية الفرنسية عطلت في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) محاولتين إرهابيتين، وألقت القبض على مجموعة من الأشخاص كانت تحضر لها، إحداها في غرب فرنسا، والثانية في الجنوب.
وبحسب معلومات الوزير المسؤول عن شؤون الأمن، فإن إحدى العمليتين كانت تستهدف مجمعاً رياضياً كبيراً، وبالتالي فإن المخططين لها الذين لم تُكشَف هوياتهم أو ارتباطاتهم كانوا يسعون إلى ضرب شريحة الشباب. أما الثانية، فكانت تستهدف القوى الأمنية. بيد أن كولومب رفض الكشف عن مزيد من المعلومات حفاظاً على سير التحقيق.
وسبق للوزير كولومب أن أعلن أن الأجهزة الأمنية نجحت خلال عام 2017 في تعطيل 20 عملية إرهابية على جميع الأراضي الفرنسية، الأمر الذي يعكس، في نظر السلطات، «نجاعة» العمل الدؤوب والجهد الكبير التي تبذله الأجهزة المختصة في مساعيها لاستباق العمليات الإرهابية.
ورغم ذلك، فإن عمليتين إرهابيتين حصلتا في العام المذكور أوقعتا ثلاثة قتلى: الأولى في باريس، على جادة الشانزلزيه يوم 20 أبريل (نيسان)، والثانية في محطة قطارات مدينة مرسيليا الساحلية، ثاني المدن الفرنسية، في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من العام المذكور.
ولا تقتصر التهديدات على الداخل الفرنسي إذ إن المصالح الفرنسية في الخارج مستهدفة على السواء. وجاءت العملية الإرهابية التي ضربت واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، مستهدفة السفارة الفرنسية ومقر قيادة الأركان المحلية يوم 2 مارس (آذار) الحالي لتبين أن الحضور الفرنسي في منطقة الساحل (بوركينا فاسو، والنيجر، ومالي، وموريتانيا، وتشاد) موجود على رأس أهداف التنظيمات الإرهابية، بما فيها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة». وأول من أمس، كشف النقاب عن وجود شريط لأيمن الظواهري، زعيم «القاعدة»، يدعو فيه مسلمي المغرب العربي إلى محاربة الحضور الفرنسي العسكري في منطقة الساحل.
وتشكل عودة المتشددين الفرنسيين أو الذين كانوا يقيمون على الأراضي الفرنسية أحد أكبر الهواجس الفرنسية لما يمكن أن تترتب عليها من تهديد للأمن الداخلي والسلامة العامة. ولم يحاول كبار المسؤولين الفرنسيين إخفاء رغبتهم في التخلص من هؤلاء في ساحة المعارك أكان ذلك في سوريا أو العراق. كما أن موقف الحكومة الفرنسية هو رفض استضافة الموقوفين منهم في سوريا والعراق والمطالبة بمحاكمتهم حيث هم معتقلون.
وتفيد الأرقام المتوافرة بأن المتشددين الفرنسيين كانوا الأكثر عدداً (1700 شخص) في هذين البلدين من بين كل البلدان الأوروبية والغربية، الأمر الذي يعكس عمق المخاوف الفرنسية. وسبق للوزيرة فلورانس بالي أن أعربت عن «أمنيتها» بأن يُقضى على هؤلاء حيث هم.
وأرسلت وزارة الدفاع منذ عام 2016 فرق كوماندوس إلى شمال سوريا والعراق لملاحقة المتطرفين الفرنسيين هناك، خصوصاً أنها توصلت إلى خلاصة مفادها أن العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا منذ يناير 2015 تم التخطيط لها في مدينة الرقة بشمال شرقي سوريا. وبحسب الأرقام المتعارف عليها، فإن نحو 300 «جهادي» فرنسي قُتِلوا في البلدين المذكورين بينهم 12 امرأة، فيما عاد إلى فرنسا 256 شخصاً و78 قاصراً. وغالبية الذين عادوا تم توقيفهم ومنهم من أودعوا السجن بانتظار محاكمتهم، وبعضهم يخضع للرقابة القضائية. وبحسب هذه الأرقام، فإن 730 شخصاً ما زالوا في سوريا والعراق وهم محتجزون لدى الأكراد في البلدين، أو أنهم يعيشون متخفين، يُضاف إليهم 500 طفل ولد كثير منهم هناك.
وتقدر وزارة الداخلية الفرنسية أن أكراد سوريا يحتجزون نحو مائة فرنسي وفرنسية فيما يقتصر عدد المعتقلين لدى أكراد العراق على عدد قليل من العائلات. وأخيراً، طرحت مسألة دبلوماسية قانونية على السلطات الفرنسية، حيث ستجد باريس نفسها مضطرة للتدخل في محاكمات مواطنيها عند احتمال صدور أحكام إعدام بحقهم، باعتبار أن فرنسا ألغت منذ الثمانينات عقوبة الإعدام.
كذلك، فإن باريس ستكون محرجة لدى محاكمة مواطنيها في مناطق سيطرة الأكراد في سوريا حيث لا وجود شرعياً لدولة أو إقليم كردي. لكن «براغماتية» الطرف الفرنسي ستجعله، على الأرجح، يغض الطرف عن هذا التجاوز القانوني سعياً وراء تلافي عودة متشدديه إلى أراضيه.

إقرأ أيضاً ...