أبي

أبي

الأربعاء - 8 جمادى الأولى 1439 هـ - 24 يناير 2018 مـ رقم العدد [14302]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما

وُلدت من عائلة محدودة الدخل (وما زالت) لكن والدي قال لي ذات مرّة: «اسمع يا ابني. الناس لا ترى معدتك، بل ترى هندامك. فاهتم بمظهرك». وهذا ما فعلته منذ أن كنت صغيراً. ليس أنني كنت أشتري ثيابي بنفسي وأنا في الثانية عشرة أو نحوها، لكني، بفضل والداي، ملت دوماً إلى قدر من الشياكة ازدادت أثراً عندما كبرت وأدركت أن قانون الجاذبية بين الجنسين تتطلب فعلاً أن أكون أنيقاً.
لكن حتى قبل الوصول إلى هذه الدرجة من المعرفة، مررت بما أكد لي أن نصيحة والدي صحيحة، فالمظاهر خادعة، لكنها على الأرجح ضرورية طالما هي ليست شريرة النوايا. والآن ترى ملايين رجال الأعمال يتسللون من الاجتماعات التي يحضرونها بملفاتهم وحقائبهم وبذلاتهم إلى أقرب محل سندويتشات بعيداً عن أماكن العمل، لكي يسدوا جوعهم بأقل التكاليف.
في نحو السادسة عشرة من عمري دخلت مكتبة لبيع الكتب القديمة كائنة بالقرب من مسرح «تياترو الكبير»، وهذا بالطبع قبل أن تقضي السنوات على كبره حجماً وقيمة. كنت أحب (ولا أزال) روايات وأفلام الغرب الأميركي، لأنه على عكس ما هو شائع أفضل بكثير مما يعتقده مثقفونا الكرام. صحيح هناك الكثير مما لا معنى قيّم فيه، لكن الكثير منها يدور عن العدالة التي يجب أن تتحقق. عن القانون الذي يجب أن يسري على الجميع. البطل مجني عليه، والجاني ظالم يستعين بالأشرار لكي يثبت سلطته على البلدة، ولديه أراضٍ واسعة لكنه يريد الاستيلاء على أراضي سواه من دون أن يدفع فيها دولاراً. هنا يستعين الطيّبون بالبطل الذي ربما كان من بينهم أو عابر سبيل.
المهم دخلت المكتبة، وتناولت كتاباً عنوانه The» Plunderers» عليه رسم لأحد هؤلاء الأبطال، وهو يشهر مسدساً يتصاعد منه الدخان، كما لو أنه استخدمه على آخر زبون قبلي. تقدمت صوب الرجلين العاملين في المحل لأدفع ثمن الكتاب (نصف ليرة مثلاً).
نظر إلى أحدهما وقال: «هل تستطيع أن تقرأ هذا الكتاب فعلاً؟ كم عمرك؟».
قبل أن أفتح فمي بجواب لا أدري ما سيكون، قاطعه الرجل الثاني وقال له: «ألا تعرف أن أبناء الذوات يرسلون أولادهم إلى مدارس خاصّة؟». ابتسم لي وقبض ثمن الكتاب وخرجت وأقبلت على قراءة الكتاب (بمعونة قاموس دار الملايين) وما زلت أحتفظ به ممزقاً.
إنها السنة التي كان والدي (رحمه الله) حائراً كيف سيدفع قسط مدرسة أبو بكر الصديق التي كنت طالباً فيها. لكن لا أحد كان يعلم ذلك سوى نحن. ولاحظت أنه كان يحرص على ارتداء ملابس نظيفة ومكوية وأنيقة مع ربطة عنق مناسبة لوناً كلما خرج لعمله. كان نجاراً أنيقاً.
تعلمت منه الكثير من دون أن يجالسني في كل مرّة. راقبته وهو يدخل البيت دائماً مع شيء يشتريه قبل دخوله، لأنه لم يستطع تحمل دخول البيت من دون شيء ما لي أو لوالدتي. ورثت منه هذا بدوري. ورثت منه أيضاً نصيحة ثمينة عندما قال لي: «افعل ما تشاء لكن إياك والسيغارة». وأنا سعيد إذ قالها لي. ومع أني دخنت سيغارتين في حياتي كلها، لكنها نصيحة نجتني من الرغبة في التدخين.
لكن تبقى نصيحته الأولى أساسية: الناس لا تعلم إذا ما أكلت أم لا، لكنها تحب أن تراك نظيفاً أنيقاً ومشرقاً كالصباح.
رحمك الله يا أبي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو