دولة «داعش»

اتخذ التنظيم من الرقة عاصمة مؤقتة.. وأقام قيادة عسكرية ومجلس شورى لإدارة البلاد.. ومحاكم وسجونا وولايات

دولة «داعش»
TT

دولة «داعش»

دولة «داعش»

يتجاوز الخلاف بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف بـ«داعش»، وتنظيم القاعدة بفرعه السوري «جبهة النصرة»، البعد العسكري المباشر نحو ما هو استراتيجي.
فتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يضم الجيل الجهادي الثالث (بعد بن لادن والظواهري) يعيب على منظري «القاعدة» اهتمامهم بتنفيذ أهداف عالمية ضد مصالح الغرب دون تأسيس دولة تكون مظلة للقوى الجهادية وقاعدة لوجستية لتنفيذ هجمات محتملة. كان العراق البلد الأكثر ملاءمة بسبب اضطرابه الأمني، لتلبية طموحات التنظيم التوسعية، الذي أطلق على نفسه اسم «دولة العراق الإسلامية». ومع انطلاق الحراك الشعبي المعارض لنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا ودخول البلاد في حقبة الفوضى العسكرية، وجد التنظيم الفرصة سانحة لمد نفوذه خارج العراق ونقل عملياته إلى «أرض الشام» متبعا استراتيجية واحدة للقتال في البلدين المتجاورين، هدفها الأساس تأسيس دولة مكتملة البنية ليصبح اسمها «دولة العراق والشام الإسلامية».
سيطرة التنظيم المتشدد على مدينة الرقة شرق سوريا شكلت الخطوة الأولى لتثبيت سلطته في البلاد، إذ سارع إلى فتح مراكز له محولا كنيسة الأرمن في المدينة إلى مكتب دعوي. سعى التنظيم في البداية إلى كسب ود السكان المحليين عبر تقديم خدمات إغاثية وتقديم نفسه مخلصا من «فساد الفصائل المقاتلة». لكن سرعان ما كشر التنظيم عن أنيابه ملزما الناس بأحكام متشددة غريبة عن بيئتهم وتقاليدهم تحت طائلة العقوبة أو الاعتقال. المعارضة السورية التي صمتت عن ممارسات التنظيم ظنا منها بإمكانية الاستفادة منه في المعارك ضد النظام، دفعت ثمن هذا الصمت لاحقا بعد أن طرد التنظيم معظم الفصائل المقاتلة من مناطق نفوذه تمهيدا لإعلان دولته. خسائر المعارضة بظهور «داعش» والتواطؤ معها تعدى ما هو ميداني نحو زيادة هواجس الغرب حيال تسليح الجيش الحر في ظل انتشار الكتائب المتطرفة والخوف من وصول السلاح إليها.
وعلى الرغم من أن كتائب المعارضة تحالفت مع الكتائب الإسلامية المعتدلة وشنت حملة عسكرية مشتركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، فإن ذلك لم يغير كثيرا من الوقائع على الأرض، إذ بقيت «الدولة» تحكم سيطرتها على عدد من المدن والبلدات شمال وشرق سوريا.
وقد يكون النظام السوري الطرف الأكثر استفادة من تمدد نفوذ التنظيم لتأكيد روايته بأن المعارضة السورية ليست سوى مجموعة من «الإرهابيين» الذين تجب محاربتهم. يضاف إلى ذلك ما يقوله المعارضون من أن «داعش» تنوب عن النظام في محاربة المعارضة شرقا وتستنزف قواها.
ولم يكن مفاجئا كثيرا شريط الفيديو الذي يظهر فيه أحد قادة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في منبج بريف حلب ويصف فيه «القوات النظامية بأنهم (أشرف) من مقاتلي المعارضة»، فالقصف النظامي المتواصل على المناطق الشرقية والشمالية حيث يوجد تنظيم «داعش» نادرا ما يستهدف مراكز التنظيم المنتشرة بشكل علني في الرقة ودير الزور وريف حلب، إضافة أن الجبهات العسكرية بين الطرفين غالبا ما تكون هادئة قياسا بتلك التي تشهد معارك ضارية بين المعارضة والنظام أو بين المعارضة والتنظيم نفسه.
محاولات «داعش» التمدد في المناطق المحررة لتأسيس دولته الإسلامية جعل من كتائب المعارضة بكل تلاوينها عدوا أول له يسبق النظام. وقد ساهم تبريد «الدولة الإسلامية» جبهات معاركها مع النظام والتفرغ لمحاربة فصائل المعارضة في نقل القوات النظامية عملياتها من الشرق إلى الجنوب وتحديدا درعا حيث أحرزت تقدما في بلدة نوى ومحيطها.
هذا الواقع يشير إلى علاقة مصلحية غير مُعلنة بين النظام وتنظيم «الدولة الإسلامية»، ففيما يستفيد النظام من استنزاف المعارضة من خلال معاركها مع «داعش» والتفرغ لمحاربتها في مناطق أخرى، يستفيد «داعش» أيضا من عدم استهدافه من قبل النظام للتفرغ لبناء دولته وتوسيع نفوذه في المناطق «المحررة».
ويؤكد عضو الائتلاف الوطني المعارض والخبير في الجماعات الجهادية، عبد الرحمن الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام السوري اخترق تنظيم (الدولة) عبر الضباط البعثيين العراقيين الذين كانوا يخدمون في جيش صدام حسين قبل الاحتلال الأميركي للعراق ليتحولوا بعدها إلى المقاومة العراقية»، ويضيف: «حظي هؤلاء برعاية من النظام السوري الذي استخدمهم لزعزعة استقرار العراق».
ويوضح الحاج أن «الضباط البعثيين انخرط معظمهم في (داعش) مما سهل للنظام السوري اختراق التنظيم وتمرير أجندته من خلاله»، لافتا إلى أن «الانفصال الذي حصل بين (النصرة) و(داعش) والذي تحول إلى صراع مفتوح انعكس تناقصا على عدد المقاتلين داخل (الدولة) وهو ما استغله النظام لاختراق التنظيم بعدد كبير من المتطوعين التابعين له»، مستدلا على ذلك من «ممارسات عناصر التنظيم الوحشية التي تتقاطع مع عناصر النظام».
وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن كشفت ضمن وثائق جديدة مسربة عن النظام السوري تحت عنوان «وثائق دمشق السرية» طبيعة العلاقة بين تنظيم «داعش» والنظام السوري؛ إذ تبين الوثائق كيف استفاد نظام الأسد من عدد كبير من العملاء السوريين والعراقيين المزروعين في التنظيم، وكيف منع «داعش» عنه هجمات المعارضة في بعض مناطق الشمال بسبب «سطوته» بين فصائل المعارضة.
كما تبين الوثائق أن «الجانب العراقي تعاون إلى حد كبير مع النظام في تأمين وثائق مزورة لعملاء للنظام لتسهيل اختراقهم (داعش)، كما سهل عبور المقاتلين المؤيدين للنظام في الاتجاهين عبر الحدود».
ولم يتردد «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» في وصف العلاقة بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ونظام الأسد بـ«العضوية»، موضحا في أحد بياناته أن «التنظيم يحقق مآرب عصابة الأسد بشكل مباشر أو غير مباشر»، وأضاف أن «سيل دماء السوريين على يد هذا التنظيم رفع الشك بشكل نهائي عن طبيعته وأسباب نشوئه والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها والأجندات التي يخدمها، ما يؤكد طبيعة أعماله الإرهابية والمعادية للثورة السورية».

هيكلية التنظيم
«الدولة الإسلامية في العراق والشام» سُميت في السابق «دولة العراق الإسلامية»، مما يعني أن مجلس الشورى فيها وقياداتها ليسوا حديثي العهد، بحسب ما يؤكد الناشط القريب من التنظيم محمد الحلبي لـ«الشرق الأوسط»، موضحا أن «الشيخ أبو بكر البغدادي، وهو أمير (الدولة) الحالي، خليفة الشيخ أبو عمر البغدادي، وكلا الشيخين يُعتبران خليفتين للشيخ أبو مصعب الزرقاوي الذي يعود له الفضل في بناء (الدولة الإسلامية)».
ويشير الحلبي إلى أنه بعد موت «الشيخ أبو عمر البغدادي، تولي الشيخ أبو بكر البغدادي بناءً على اجتماع مجلس الشورى، الذي يضم أهل الحل والعقد المتمثلين بأهل العلم وكبار الشخصيات في العشائر المبايعة لـ(الدولة الإسلامية)».
والاسم الحقيقي لأبو بكر البغدادي هو إبراهيم عواد إبراهيم البدري، وقد عمل محاضرا في الدراسات الإسلامية وإماما لجامع أحمد بن حنبل في سامراء، ومن ثم إمام جامع في العاصمة العراقية بغداد، ثم في الفلوجة. اعتقلته القوات الأميركية في 4 يناير (كانون الثاني) 2004 لنحو ثلاثة أعوام، ليخرج لاحقا من السجن ويؤسس تنظيما تحت اسم «جيش أهل السنة»، والتحق بعدها بتنظيم القاعدة، وأصبح الرجل الثالث في التنظيم، وتولى القيادة خلفا لأبو عمر البغدادي.
وعلى الرغم من زعامة البغدادي للتنظيم، فإن الحاج بكر كان يعد القائد الفعلي للتنظيم في سوريا قبل أن يُقتل في فبراير (شباط) 2014 خلال معارك بريف حلب ضد «الجبهة الإسلامية». والاسم الحقيقي للحاج بكر هو سمير عبد محمد الخليفاوي. وهو ضابط سابق في الجيش العراقي.
ويقود المجلس العسكري، وهو ما يقابل قيادة أركان عمليات التنظيم، أبو أحمد العلواني مع إدارة ثلاثة ضباط آخرين، مهمتهم التخطيط وإدارة القادة العسكريين ومتابعة «الغزوات». في حين يرأس الهيئات الشرعية أبو محمد العاني، إضافة إلى مهامه في الإرشاد والدعوة ومتابعة الإعلام. مجلس الشورى الذي يضم من 11 إلى 19 عضوا يجري اختيارهم من قبل البغدادي، ويديره أبو أركان العامري ومهمته تزكية الولاة لرئاسة الولايات بعد موافقة البغدادي على أسمائهم. أما مجلس الأمن والاستخبارات الذي يهتم بأمن البغدادي وأمن التنظيم من الاختراق فيتزعمه أبو علي الأنباري، وهو ضابط سابق في الاستخبارات العراقية.
ومؤسسات الإعلام بزعامة أبو أثير الشامي، من أصل سوري، حيث يتابع الإعلام الإلكتروني والمواقع الجهادية. وهي قريبة إلى هيكلية القاعدة المركزية وتتضمن مؤسستي «الفرقان» و«الأندلس».
ويشير عضو الائتلاف الوطني المعارض والخبير في الجماعات الجهادية عبد الرحمن الحاج، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود «تقسيم واقعي وليس ممنهجا داخل الهيكل القيادي في تنظيم (داعش)»، موضحا أن «قيادة التنظيم عراقية متحكمة بقراره على الرغم من وجود مجلس شورى يضم عددا من الجنسيات، لكن القرار الفعلي يبقى للعراقيين»، ويعود ذلك بحسب الحاج إلى كون «التنظيم جرى تأسيسه في العراق بحكم الواقع على الأرض. مؤسسوه بمعظمهم من الضباط المنشقين الذين كانوا ضمن الجيش العراقي الموالي لصدام حسين»، مشددا على أن «المنطق القبلي والجهوي والمناطقي غالبا ما يربط بين قيادات التنظيم، حين يستعين كل قيادي بأبناء قبيلته أو عشيرته في موقع القيادة لضمان ولائهم».
أما الذراع العسكرية الضاربة للتنظيم، فهي، بحسب الحاج، أتباع الجنسيتين التونسية والليبية؛ إذ يتصدر هؤلاء الصفوف الأولى في القتال، وأحيانا يجري الاستعانة ببعض المهاجرين الأجانب. كما يعد القوقازيون خزان الانتحاريين في تنظيم «الدولة» لأنهم يبنون علاقتهم مع الدين بشكل عاطفي، مما يسهل تجييش مشاعرهم الدينية وتجنيدهم في تنفيذ عمليات انتحارية، وفقا للحاج الذي يؤكد أن «السوريين ليس لديهم قرار في (التنظيم) ولا يحتلون أي مواقع قيادية»، مُرجعا ذلك إلى «قلة الثقة بهم إثر الانشقاقات التي حصلت مع (النصرة)».
وتسمي «الدولة الإسلامية» مناطقها بـ«الولايات»، فهناك «ولاية حلب» و«ولاية الرقة» و«ولاية نينوى» و«ولاية صلاح الدين» و«ولاية البادية (حمص)»، و«ولاية الخير (دير الزور)»، وهكذا.. والمدن الكبيرة داخل هذه الولايات يطلق عليها اسم «قاطع»، مثل «قاطع منبج»، و«قاطع جرابلس»، و«قاطع البركة (الطبقة)».
كل ولاية من هذه الولايات لها أميرها الخاص، ولها محكمة إسلامية خاصة بها، ولها مجلس للخدمات الإسلامية يقوم بها، ولكن هذا الأمير وهذه المحكمة وهذه «الهيئة الإسلامية للخدمات» تعود بالنهاية لأمرائها على مستوى المنطقة. فمثلا «قاطع البركة» له مركز خدمات إسلامية هو بمثابة البلدية، ولكن مصدر تمويله وإدارته يعود بالأصل لولاية الرقة، حيث إن «قاطع البركة (الطبقة)» موجود ضمن ولاية الرقة.
ولكل ولاية أمير حاكم، وأمير عسكري (بمثابة القائد العسكري) ولا يمكن بحال من الأحوال أن توجد معلومات عسكرية في حلب يعلمها القائد العسكري أو الأمير في الرقة. كل ولاية ترجع في قراراتها العسكرية والأمنية والمعلوماتية والخدمية إلى قادتها مباشرة دون مشاركة المعلومات مع ولاية أخرى.
كما أن هناك مراكز أمنية كاملة لدى «الدولة الإسلامية»، فيها استخبارات مضادة ضد خصومها، ولديها أجهزة مدنية وأجهزة عسكرية لجمع معلومات متكاملة. ولكل مقر مسؤول لحمايته ودراسة لوازمه، ومجموع المقرات في المدينة الواحدة ترجع إدارتها لشخص وظيفته أنه «مسؤول أمن المقرات»، وهذا ما جعلها تنجح في ضبط أمورها بسرعة قياسية عند دخول أي مدينة سواء في العراق أو سوريا.

* سجون «الدولة».. رعب وإعدامات وجلد أطفال
* يجمع المعتقلون الذين نجوا من الموت في معتقلات وسجون «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على أن الظروف في هذه السجون غير إنسانية، وأشد رعبا من تلك التي يخصصها نظام الرئيس بشار الأسد لقمع معارضيه. وتتوزع هذه السجون بين مبنى المحافظة وإدارة المركبات والمرأب، في مدينة الرقة، بالإضافة إلى سد البعث ومنشأة نفطية في العكيرشي في مناطق أخرى من محافظة الرقة، ومشفى الأطفال، ومقر أحمد قدور في حلب.
وأشارت منظمة العفو الدولية في أحد تقاريرها إلى وجود «أطفال بين المحتجزين في سجون (داعش) ممن تعرضوا لعقوبات جلد كبيرة» وفقا للإفادات التي حصلت عليها المنظمة. وتكشف هذه الإفادات أن «أحد الآباء اضطر للتحامل على نفسه، مغلوبا على أمره، وهو يسمع صرخات ابنه من الألم الناجم عن تعذيبه على أيدي آسريه من عناصر تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في إحدى الغرف المجاورة»، فيما روى اثنان من المحتجزين كيف شهدا جلد فتى في الـ14 من العمر أكثر من 90 جلدة أثناء استجوابه في سد البعث، أحد السجون التابعة للتنظيم بمحافظة الرقة، وتعرض فتى آخر من العمر نفسه تقريبا للجلد المتكرر على مدى أيام لاتهامه بسرقة دراجة نارية.
ونقلت العفو الدولية عن محتجزين سابقين أن «مسلحين مقنعين اعتقلوهم واقتادوهم إلى أماكن مجهولة، حيث ظلوا قيد الاحتجاز هناك مدة وصلت إلى 55 يوما بالنسبة لبعضهم، ومنهم من لم يعرف أبدا أين كان محتجزا».
ويؤكد أحد الناجين من سجون «الدولة» رؤيته عناصر «داعش» يعدمون سجناء «بينهم فتى كردي في الـ15 من العمر، اتهموه بالاغتصاب والانتماء إلى حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض فرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) معارك ضد (داعش)، وقد نفى الفتى الاتهامات الموجهة إليه، إلا أنهم ضربوه طوال خمسة أيام، إلى أن اعترف، حينها أطلقوا النار عليه مباشرة».
بدوره، اكتشف المصور الصحافي عمر الخاني رعب السجون «الداعشية» خلال اعتقاله مرتين لدى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»؛ إذ كان من ضمن المعتقلين داخل مستشفى الأطفال بحلب في أغسطس (آب) الماضي بعد أن حوله التنظيم إلى فرع أمني.
ويشير الخاني إلى أن «قبو المستشفى هو المعتقل والغرف، شديدة الاكتظاظ لدرجة أن المعتقلين كانوا ينامون على أجنابهم ولا مكان للاستلقاء على الظهر»، وأضاف أنه «قضى الأيام الأربعة الأولى واقفا في الممر وهو معصوب العينين، دون أن يُسمح له بالجلوس أو حتى الصلاة».
ولكل سجان في معتقلات «داعش» أسلوبه في التعذيب، وفقا للخاني الذي قال إن محاولات الخنق كانت شائعة.. «كانوا يضعون كيسا بلاستيكيا على رأسي ويحكمون إغلاقه، في البداية كنت أمزقه بأسناني ثم زادوا عدد الأكياس، ويبقونها هكذا حتى أشارف الاختناق.. أما الصعق بالكهرباء فأسلوب آخر يعتمدونه في التعذيب، حيث كانت الصعقات تؤدي إلى فتح قروح كبيرة في الجلد، وبعض السجانين كانوا يستخدمون السلاسل الحديدية في الضرب، وآخرون يعتمدون على العصي. وكان هناك سجان لديه طريقة خاصة في التعذيب، حيث يستعمل قماشة تحوي مادة ما ويضعها على فم وأنف السجين فيقع أرضا ويصاب بنوع من الشلل وألم في الكليتين، ثم يبدأ في ضربه، وكثيرا ما كرر هذا الأمر مع العديد من المعتقلين»، بحسب الخاني.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.