من اتصل بنجيب محفوظ؟

من اتصل بنجيب محفوظ؟

الثلاثاء - 7 ذو الحجة 1438 هـ - 29 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14154]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
تأملت الأرملة حياتها ملياً، وقررت أن تعيش بقيتها بين الكتب. ليس موظفة في مكتبة وطنية أو عامة، بل في دار نشر، حيث يتسنى لها قراءة المخطوطات قبل صدورها والمساهمة في اكتشاف المواهب. حصلت على وظيفتها الأولى في «دار فايكنغ» براتب قدره 200 دولار في الأسبوع، 800 شهرياً.
عندما وصلت إلى مبنى الدار في يوم العمل الأول، وجدت عشرات المصورين في انتظارها، ورجال الأمن في كل مكان، حتى في المصاعد. لكنها مضت كأي امرأة عادية إلى مكتبها الصغير، وحيَّت زملاءها، ثم مضت إلى ماكينة القهوة، وصبَّت لنفسها فنجاناً، وبدأت عقدين من العمل في حقل النشر.
كانت هذه أرملة رئيس أميركا جون كينيدي، وأرملة أرسطو أوناسيس، أحد أشهر أثرياء العالم. لكنها كانت تبحث عن حياة جديدة، بعيداً عن مهرجانية البيت الأبيض وجزر أوناسيس، وقريباً فقط من كارولين وجون.
بعد قليل استقالت من «دار فايكنغ» بسبب خلاف حول نشر رواية متخيلة لجفري آرثر عن صهرها إدوارد كينيدي، وانتقلت إلى «دبل داي». وفي عام 1988 يفاجأ العالم بمنح نوبل الآداب لأول أديب عربي. وتشتعل المنافسة بين دور النشر الأميركية (وسواها) للحصول على حقوق ترجمة وإصدار مؤلفات نجيب محفوظ.
وفوجئ الجميع بأن الرجل «مُغلق»، لا يجيب على أحد، ويفضل أن يقرأ «الأهرام» في مقهاه. بل إنه اعتذر عن تسلم جائزة «نوبل» وفضّل أن تُرسل إليه وهو يتناول الشاي مع «أولاد حارته».
وخطرت لمدير «دبل داي» خاطرة: هذا الهرم لن تهتز مشاعره إلا إذا اتصلت به جاكلين كينيدي. واستجاب الهرم لمطلب أشهر أرملة في العصر الحديث. وفيما كانت جاكلين كينيدي أوناسيس «تتوسط» لدى الروائي العربي، ماذا كانت تفعل بعض الصحف العربية؟
كانت تبكي وتلطم رؤوسها بكل الجدران وتصرخ: مؤامرة! مؤامرة صهيونية على أميركية على إمبريالية، استرضاء لنجيب محفوظ الذي «أيد» كامب ديفيد. عاش كبير الروائيين «لا يؤيد» أحداً سوى رقي النفس. وعاش يضع أدباً لا يخضع لأحد سوى راحة الضمير. ولكن التقى بعض الصحافيين بسكاكينهم، وميكانيكي بسكينه، على طعن نجيب محفوظ.
وكان القاسم المشترك بين الفريقين، أن كليهما لم يقرأ شيئاً من محفوظ، ولا من سواه. والقاسم الآخر هو الحسد وكره كل نجاح. وعاش بعض الصحافيين حياتهم يتمزقون كرهاً وحسداً. وكان في إمكانهم أن يغبطوا على مواهبهم ومكاسبهم وطريقة حياتهم. لكنهم أمضوا العمر يشتهون جوار الطحالب. ولم يتركوا أثراً في الموت وفي الحياة.
وما من أحد منا يذكرهم أو يتذكرهم. خطرت لي وساطة جاكلين كينيدي مع محفوظ ونحن نتذكر هذا الشهر غياب رجل أعطى الأدب العربي بعده العالمي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة