نرفض قواعد اللعبة

نرفض قواعد اللعبة

الأحد - 28 ذو القعدة 1438 هـ - 20 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14145]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
الإنسان بطبعه هو في حالة توق دائمة إلى الأفضل والأكثر تعبيراً عن إنسانيته. ويزداد هذا التوق حدّة وشدّة عندما يصبح ضرورة لا مناص منها.
غيّر أن المشكلة تبدأ حين لا يقترن التوق والإرادة بالوعي والحضور الذهني الثاقب.
لنوضح القصد من هذا الكلام من خلال مثال حيّ: نحن في المجتمعات العربيّة اليوم نريد الحرية والديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان وقيم المواطنة والعقلانية... نريد كل هذا ونتشدق بالبعض منه ولكن نتجاهل قصداً أن هذه الطموحات كل طموح منها يمثل لعبة جادة جداً لها قواعدها وشروطها، ومجرد التوق إلى الحرية، مثلاً، فإن ذلك يشترط الوعي بشروطها وقواعد تحققها وإلا فإنّه يبقى توقاً غير مسؤول وغير واعٍ ولا خطة عقلانية تُسيره نحو التحقق.
نتعاطى مع المسائل والقضايا الكبرى المغيرة للثقافة كالأطفال لا بنضج وسلوك عقلاني توجهه مجموعة من الأهداف. لذلك فنحن بكل بساطة: نرفض المبدأ الذي يقول إن القبول باللعبة يعني آلياً القبول بشروطها.
ولكن المشكلة التي لا تعرفها مجتمعاتنا ونخبنا الحاكمة والمعارضة، هي أن قواعد اللعبة لا تنتظر طويلاً ولا تُعير اهتماماً لرفضنا لها، فهي تُداهمنا بقوة المنطق وقوة الانخراط ولو شفوياً في اللعبة؛ إذ قواعد اللعبة هي اللعبة ذاتها ولكننا لا ندري وندرك ذلك متأخرين كالعادة.
لقد آن الأوان كي نستوعب الحقيقة كاملة وكي نفهم أن التلاعب الثقافي الآيديولوجي في القضايا المجتمعية ذات الصلة بالبعد القيمي الثقافي سيرتد علينا خسارة وأحداثاً مؤلمة في بعض الأحيان.
نظرياً الكل يمتدح الحرية والديمقراطية والحداثة والعقلانية. وهو مديح لا يعير أي اهتمام لشروط الانخراط في لعبة الحرية بوصفها لعبة في منتهى الجدية ولا غنى عنها للإبداع والتقدم وللتحقق الذاتي والمجتمعي والإنساني.
فالمأزق هو في الحقيقة في شروط الحرية، بدليل أنّه في أبسط تماس مع شرط من شروطها يحدث التصادم ويفصح الكثيرون منا عن رفضهم لهذا الشرط، مرة بسبب الخصوصية المبالغ في توظيف خطابها، وأخرى لأن الاستعداد الثقافي يكاد يكون منعدماً.
طبعاً المعركة مع شروط لعبة الحرية والديمقراطية والمواطنة وغيرها من القضايا البراقة التي نتداولها صباحاً ومساء في حواراتنا وفي وسائل الإعلام... هذه المعركة هي التي يحلو لي وصفها بالمخاض.
وكي لا ننخرط في جلد الذات من المهم الإشارة إلى أن المخاض ظاهرة طبيعية وصحية وتعرفه كل عمليات التغيير الثقافي الكبرى في تاريخ المجتمعات. فالانتقال من مضمون قيمي ثقافي معين إلى غيره عملية صعبة وتحتاج إلى الوقت والجهد والنضال والتضحيات وخاصة الشجاعة والجرأة. إلا أن ما نلاحظه أن المخاض في عملية التغيير الثقافي في مجتمعاتنا مؤلم أكثر مما يجب ومفتوح على عدة سيناريوهات سيئة، أي إنّه يطل على كارثة أكثر مما يسير في اتجاه الولادة والأمل والفرح.
إنّ الانخراط في لعبة الديمقراطية مثلاً يقوم على مجموعة من الشروط لا مجال للتفاوض في شأنها. ونفس الشيء في مسألة المواطنة التي أصبحت حديث مجتمعاتنا اليوم والكل يطالب بها والنخب تتفاخر بما حققته في سبيل تجسيد قيم المواطنة والحال أننا لم نهضم بعد مفهوم المواطنة ولم نبدأ المعركة مع قيمها التي تمثل شروط لعبة الانخراط في المواطنة.
لا شك طبعاً في أن كل عملية تغيير قيمي ثقافي هي ليست سحرية ولا تتم بين ليلة وضحاها وأنّها تحتاج إلى الوقت كي تتغلغل في الممارسات والتمثلات الاجتماعية، ولكن هناك فرقاً بين أن تبدأ معركة التغيير وأن ترفض بشكل مباشر وغير مباشر شروط لعبة تلك المعركة. فكل شيء هو مسار: الحرية والعقلانية والمواطنة والتحديث... طرق تُقطع خطوة خطوة مع ما يتخلل ذلك من عراقيل وتعثرات ومطبات وإخفاقات تعيدنا أحياناً إلى نقطة الصفر.
فالمواطنة كطموح رئيسي تتسابق حوله مجتمعاتنا، هي منظومة قيم وشروط، ويكفي أن نستوعب بشكل معمق أن المواطنة تعني من بين أهم ما تعنيه المساواة وعدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الجنس أو الدين أو العرق حتى ندرك كم نحن مخطئون عندما نتحدث عن المواطنة في المجتمعات العربية. وفي أحسن الحالات سنجد أن البعض من مجتمعاتنا قطع بعض الخطوات في مسار المواطنة من خلال محاولة توفير شرط أو بعض من شروطها.
يبدو لي أن طرح الأسئلة بكل شجاعة هو ما ينقصنا: هل هناك تمايز بين المواطنين في بلداننا على أساس الجنس أو العرق مثلاً؟
إذا أجبنا بصدق فسيعرف كل مجتمع من مجتمعاتنا العربيّة كم تفصله عن المواطنة من عملية جراحيّة ثقافيّة.
أجزم أن الحرب القيمية الثقافية أدمى ألف مرة من حرب بالمعنى العسكري للكلمة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة