الملك ألفيس الأول

الملك ألفيس الأول

الأحد - 28 ذو القعدة 1438 هـ - 20 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14145]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
في عالم الفن، يمكن توزيع الألقاب دون حساب: وحش الشاشة. الهضبة. القيصر. السندريلا. العندليب الأسمر. سلطان الطرب... وغيرها وغيرها. وقد كان من نصيب مغني الروك ألفيس بريسلي أن يمنحه المعجبون به لقب الملك. وإلى جانب المعجبين هناك المُقلدون الذين نراهم في التلفزيون في مثل هذا الوقت من كل عام، بمناسبة ذكرى رحيل محبوبهم. مع هذا، لم أصدق جارتي الفرنسية وهي تخبرني بأن شقيقها اقتصد مبلغاً لكي يدفع مصاريف رحلة إلى ممفيس، في أميركا، لكي يضع باقة من الأزهار على قبر المغني. وما كنت لأستغرب لو أن الشقيق كان شاباً مراهقاً. لكنه في السبعين ويعمل مزارعاً في أعماق الريف الفرنسي، وقد ترك التراكتور واشترى بدلة بيضاء وركب الطائرة وذهب ليزور قبر «ملك الروك».
حسب علمي، ليس في الولايات المتحدة ملوك. مع هذا، سعى «الملك ألفيس الأول» لمقابلة من هو أدنى رتبة وتقدم بطلب للقاء الرئيس ريتشارد نيكسون. كان المغني من هواة جمع الشارات الرسمية التي توضع على الصدر. وبعد أن تمكن من الحصول على الشارة الخاصة بشريف منطقة ممفيس، حيث يقيم، وجد نفسه راغباً في شارة الشرطة الفيدرالية، الـ«إف بي آي». وهي رغبة لا يمكن تحقيقها بالنقود، ولا بسطوة الشهرة. والحل هو أن يطلب الشارة، بشكل استثنائي، من رئيس البلاد.
لم يكن نيكسون من عشاق ألفيس ولم يتحمس للقائه. لكن ابنته الشابة ألحّت عليه لكي يستقبله. وفي 21 ديسمبر (كانون الأول) 1970، قبل عطلة رأس السنة، تم اللقاء الذي حرص الجانبان على إحاطته بالسريّة، ودخل المغني إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض وهو مسلّح. لقد جاء معه بمسدس أثري ليقدمه هدية لنيكسون. ولم ينس حفنة من الرصاصات المناسبة. كما ترك صورة موقعة بإمضائه، هدية للآنسة المصون ابنة الرئيس. ومن جانبه، قدّم نيكسون شارة الشرطة الفيدرالية إلى المغني، على أمل أن يساهم هذا الأخير في حملة لردع الشباب عن المخدرات. وسخرت بعض الصحف من تلك الحملة لأن ألفيس بريسلي نفسه كان يتعاطى العقاقير المخدرة. اقتصرت المناسبة على أشخاص معدودين ولم تتسرب معلومات تفصيلية حول ما دار فيها. باستثناء لقطة لمصافحة باردة بين الطرفين، هي اليوم الصورة الأكثر طلباً من أرشيف الرئاسة الأميركية.
في العام الماضي، تحولت المناسبة إلى موضوع لفيلم كوميدي بعنوان «ألفيس ونيكسون». وقام الممثل مايكل شانون بدور المغني. وكان في الثالثة من العمر يوم رحيل ألفيس، ولم يكن من محبي أغنياته. لكنه ذهب ليزور بيته الذي تحول إلى متحف لأزيائه، وشاهد كل الأفلام التي ظهر فيها لكي يتقمص الشخصية. شخصية لها آلاف المتقمصين في طول البلاد وعرضها. أما مخرجة الفيلم ليزا جونسون فكانت في امتحان صعب بسبب شحّة المعلومات عن اللقاء الذي لم يحتفظ أحد بتسجيل له.
كان على كاتب السيناريو أن يعتمد على ذاكرة جيري شيلنغ، صديق بريسلي الذي حضر المناسبة. كما حاول أن يتخيل مواقف مضحكة جرت بين الاثنين، منها أن المغني التهم كل قطع الشوكولاته التي كان نيكسون يتصبّر بها أثناء الدوام، وشرب كل ما كان موجوداً في المكتب الرئاسي من علب «دكتور بيبر»، المشروب الغازي الأكثر شهرة في تلك الفترة. كيف تجاهل الرئيس استدعاء مصور تلفزيوني لتوثيق لقائه مع واحد من أشهر المغنيين في التاريخ الأميركي؟ التاريخ الذي سيحفظ لنيكسون أنه أرسل من يزرع أجهزة تنصت في مكاتب «ووترغيت»، مقر الحزب المنافس، لكي يسجل أحاديث خصومه، ثم يفوته أن يفتح المسجل عند استقبال ألفيس، «الملك» صاحب الصوت الذهبي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة