issue17502

Issue 17502 - العدد Thursday - 2026/10/29 الخميس كتب BOOKS 17 ًً«حكاية سعودية»... رحلة في الوعي وأسئلة الهوية والحداثة إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعوديا فـي كتابه «حكاية سـعـوديـة: قــراءات ووقفات بحثا عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي الـسـابـق، بـسـرد محطات حياته، بـقـدر ما يـــحـــاول اسـتـكـشـاف الـكـيـفـيـة الــتــي تشكل بــهــا وعـــيـــه، والــبــحــث عـــن مـعـنـى انـتـمـائـه السعودي والعربي والإسلامـــي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنـــهـــا ســـيـــرة فـــكـــريـــة تــتــخــذ مــــن الــتــجــربــة الــشــخــصــيــة مـــــــدخلا لمـــســـاءلـــة الـــتـــحـــولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الـذاكـرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سـعـودي عـاصـر تـغـيـرات كـبـرى فـي بلاده والعالم. الكتاب، الذي صدر أولا بالإنجليزية A Saudi Tale: Readings and« بــعــنــوان ،»Encounters in Search for Consciousness وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتدادا لتجربة مؤلفه الذي تـنـقـل بين الـصـحـافـة والــعــمــل الـــعـــام. فقد تـولـى رئـاسـة تحرير «سـعـودي جـازيـت»، والإدارة الـــعـــامـــة لمـــؤســـســـة «عـــــكـــــاظ»، ثـم عضوية مجلس الشورى، ووزارتــي الحج والــثــقــافــة والإعلام، وصـــــولا إلــــى الأمــانــة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي. غـيـر أن هـــذه المــواقــع لا تشكل محور الــــكــــتــــاب، وإنــــمــــا الــخــلــفــيــة الــــتــــي أتـــاحـــت لــصــاحــبــه اخـــتـــبـــار أفــــكــــاره عــــن المـجـتـمـع والدولة والعالم. من السيرة إلى سؤال الوعي يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يــراه تكوينا شــاملا يحدد علاقــة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكـنـا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم». ثـم يـقـول: «هــذه الصفحات جوهرها حــوار مـع الـــذات، عـن معنى أن يكون المـرء سعودياً، وأن يكون أيضا عربيا ومسلماً». ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هـــذه الــهــويــات مــع مـعـطـيـات الــحــداثــة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات مــتــعــددة؟ بـــل هـــل أصـبـحـت الـــحـــداثـــة، في ذاتها، مفهوما متقادماً؟». ولا يـــدعـــي الـــكـــاتـــب امــــــتلاك إجـــابـــات نـــهـــائـــيـــة، بــــل يـــصـــف عــمــلــه بـــأنـــه «جـــولـــة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه». يـــتـــوزع الــكــتــاب عـلـى خـمـسـة أقــســام، تـــبـــدأ بـــ«مـــكـــونـــات وأطــــــر»، حــيــث يـتـنـاول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبـروز الـنـظـام الـعـالمـي الـجـديـد. ويـنـاقـش القسم الــــثــــانــــي: «مـــنـــظـــومـــة مــجــتــمــعــيــة مــثــلــى» لقضايا الإرادة العامة والـفـرد والـعلاقـات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة. ثــــم يــنــتــقــل فــــي «الـــجـــنـــوب الــــعــــالمــــي، فــــي أثـــــر الأصـــــالـــــة» إلـــــى أسـئـلــة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث فــي «الآفــــاق اللصيقة» الــرؤيــة الإسلامــيــة لــــلــــعــــالــــم ومــــعــــضــــلــــة الــــــعــــــرب والـــــســـــرديـــــة السعودية، وصولا إلى قسم «الحصيلة». المدينة المنورة... نقاش الحداثة مـــــن أكــــثــــر صـــفـــحـــات الــــكــــتــــاب دلالـــــة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شــبــابــه، حـيـث كــانــت الــنــقــاشــات الـفـكـريـة والــســيــاســيــة تــتــســع بين طلاب المـــــدارس خلال الــســتــيــنــات ومــطــلــع الـسـبـعـيـنـات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمرا مستهجنا أو نــــادراً، بـل كـانـت «جـــزءا من الحراك الفكري اليومي». وهـــنـــا يـسـتـعـيـد أســـمـــاء مــثــل محمد حسن عــواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رمــوز ذلـك الحراك. ويـتـوقـف عـنـد كــتــاب «خـــواطـــر مـصـرحـة» لـــلـــعـــواد، الـــــذي يــــرى أنــــه أســـهـــم فـــي كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند الـتـحـولات الفكرية لعبد الـلـه القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد المـــوروث والــدعــوة إلــى التحرر مـن سلطة التاريخ والعقائد الجامدة. ولـم تتوقف اهتمامات الشباب عند الــفــكــر الـــعـــربـــي. فــقــد حــضــرت الــوجــوديــة مـــــن خلال جـــــــان بـــــــول ســــــارتــــــر، وألـــبـــيـــر كـامـو، وسـيـمـون دي بــوفــوار، إلــى جانب دوســتــويــفــســكــي، وآرثــــــر مــيــلــر، وإمــيــلــي بـــرونـــتـــي، كــمــا حــضــرت قــضــايــا الـقـومـيـة والـــتـــحـــرر مـــن الاســـتـــعـــمـــار والاشـــتـــراكـــيـــة الــعــلــمــيــة، وأفــــكــــار مــحــمــد إقــــبــــال، وعــلــي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي. ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعـــة المصرية إلى تـــجـــمـــعـــات الـــشـــبـــاب تـــحـــت الـــنـــخـــيـــل، فـي مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش. ولا يـبـالـغ مــدنــي فــي تـصـويـر نضج تـلـك الـتـجـربـة، إذ يـعـتـرف بـــأن النقاشات لم تكن دائـما عميقة، لكنها جـاءت ضمن «مـــحـــاولات دؤوبــــة لـخـلـق شــعــور داخـلـي بفهم الــــذات، وفـــي الــوقــت نفسه الانـتـمـاء إلـــــى عـــالـــم أوســـــــع، تــتــقــاطــع فـــيـــه الأفـــكـــار والهويات وتتشابك الأسئلة». وتقدم هذه الشهادة جانبا من تاريخ الـــثـــقـــافـــة الـــســـعـــوديـــة، يــكــشــف أن أسـئـلـة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة ًًفي أوساط شبابية قبل عقود. معنى أن تكون سعوديا تـــحـــتـــل الــــهــــويــــة الــــســــعــــوديــــة مـــوقـــعا مـــــحـــــوريا فـــــي الــــكــــتــــاب. ويـــــرفـــــض مـــدنـــي اخـتـزال الـسـعـوديين فـي هويتهم العربية أو الإسلامـــــيـــــة وحــــدهــــا، داعـــــــيا إلـــــى فـهـم خـــــصـــــوصـــــيـــــة تــــجــــربــــتــــهــــم الــــتــــاريــــخــــيــــة والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عـرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة». ويــــشــــيــــر إلــــــــى أن الــــــســــــعــــــوديين لــم يــخــضــعــوا للاســـتـــعـــمـــار الـــغـــربـــي، لـكـنـهـم لــم يـكـونـوا بـمـعـزل عــن تـأثـيـراتـه الثقافية والمـــعـــرفـــيـــة. ولــــذلــــك لا يـــــرى أن مــواجــهــة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم. يــــقــــول: «لــيــســـت الــــه ُُــــويّّــــة الــســعــوديــة محض قشرة تحمل قيما دخيلة، كما أن السعوديين لم يخضعوا يـوما لاستعمار أو استعباد الرجل الأبـيـض. ومـع هــذا، لا ينكر وجـــود صـــراع، صـــراع مـع غــرب يُُعد متفوقاً. وتفوقه هـذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر الـبـحـث والـتـطـويـر والإعلام الجماهيري الــــعــــابــــر لـــــلـــــحـــــدود، عــــلــــى فـــــــرض تـــصـــور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» .)39 (ص ويــــــــطــــــــرح ســـــــــــــــــؤالاًً: «وإذا لــــــــم يـــــع الـسـعـوديـون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكـيـف يصيغون إدراكـــهـــم لـهـويـة وطنية مدنية متفردة؟». وهــنــا يـنـتـقـل الــكــتــاب مـــن نــقــد نـظـرة الآخـــريـــن إلــــى الـــســـعـــوديين، إلــــى مـسـاءلـة الـــطـــريـــقـــة الـــتـــي يــفــهــم بـــهـــا الـــســـعـــوديـــون أنـــفـــســـهـــم، ومــــــدى قـــدرتـــهـــم عـــلـــى صـيـاغـة سرديتهم الوطنية. الهوية والسرديات المهيمنة يــــمــــتــــد الـــــبـــــحـــــث عـــــــن الــــــهــــــويــــــة إلـــــى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المـؤلـف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحـضـاريـة، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلامـوفـوبـيـا»، التي اختزلت الإسلام فــي الـتـطـرف وأغـفـلـت إسـهـامـاتـه الفكرية والحضارية. أمــا فـي هويته العربية، فيستحضر أثـــــــر الاســــتــــعــــمــــار والـــــــــروايـــــــــات الـــغـــربـــيـــة عـــن الـــتـــاريـــخ الـــعـــربـــي، ويـــنـــاقـــش الـــروايـــة الـــصـــهـــيـــونـــيـــة لــــلــــتــــاريــــخ الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــي، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية. ويـــضـــع مـــدنـــي هـــــذه الأســـئـــلـــة ضـمـن نقد أوســـع للسردية الغربية الـتـي تجمع الـلـيـبـرالـيـة والــديــمــقــراطــيــة والـرأسـمـالـيـة والـــفـــردانـــيـــة فــــي نــــمــــوذج واحــــــد لــلــتــقــدم، متسائلا عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية. الحصيلة... مراجعة المسلمات فـي خاتمة الـكـتـاب، يـعـود مـدنـي إلى الـــســـؤال الــــذي انــطــلــق مــنــه: كــيــف يتشكل الــــــوعــــــي؟ ومــــــا علاقــــــــة الـــــفـــــرد بـمـجـتـمـعـه والعالم؟ ويـؤكـد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازا ثقافيا غربياً، قائلاًً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بــأن مبدأ امـــتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكرا على الثقافة الغربية». كما يرفض الانــغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكدا أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي». وتـــبـــدو خلاصـــــة تــجــربــتــه أقـــــرب إلــى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عــــن جــــــذورهــــــا، ولا تـــجـــعـــل مـــنـــهـــا عـــائـــقا أمـــام الـتـقـدم. هـويـة تقبل الـحـوار وتـراجـع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله. وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالا يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها. ومـــــــن هـــــــذه الــــــــزاويــــــــة، فـــــــإن الـــكـــتـــاب لـيـس حـكـايـة رجـــل فـحـسـب، بــل قــــراءة في تــشــكــل الـــوعـــي الـــســـعـــودي، وفــــي الـــعلاقـــة بين الـــخـــصـــوصـــيـــة الـــوطـــنـــيـــة والانـــتـــمـــاء الإنـسـانـي، وبين الــذاكــرة والـحـداثـة، وبين ما ورثـه الإنـسـان من أفكار ومـا يختار أن يكون عليه. الدمام: ميرزا الخويلدي إياد مدني سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلا لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع هــل يـمـكـن لمـكـالمـة هـاتـفـيـة واحـــدة أن تريح قلبا محطما يعتصره الألـم، وتــســحــقــه مـــشـــاعـــر الــــــذنــــــب؟... تــطــرح الـــكـــاتـــبـــة الــــكــــوريــــة لــــي ســــو يـــــون هـــذا الـــتـــســـاؤل عـــلـــى قـــرائـــهـــا فــــي روايـــتـــهـــا «هـــــاتـــــف الـــــــوداعـــــــات الأخــــــيــــــرة» الـــتـــي تـــــصـــــدرت قـــــوائـــــم «الأكــــــثــــــر مــــبــــيــــعاً»، وصـــــدرت تـرجـمـتـهـا إلـــى الـعـربـيـة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب. تـــتـــمـــتـــع الـــــــروايـــــــة بـــلـــغـــة شــــديــــدة الـــرهـــافـــة، وحـــــــوارات مــثــيــرة لـلـشـجـن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتـــــدور درامــــــيا حــــول المـــــوت، والــفــقــد، ولماذا لا نـــعـــرف قــيــمــة مــــن نـــحـــب إلا بعد أن يرحلوا عـنـا، وكـيـف نتعايش مـع مـوجـات الـنـدم الـتـي تلاحـقـنـا بعد الــــرحــــيــــل، لـــكـــن الــــنــــص يـــقـــطـــع شــــوطا أبـعـد لـيـسـأل: مـــاذا يمكن أن يـقـال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟ تــــدور الـحـبـكـة حـــول فــكــرة غريبة ومـــؤثـــرة تـتـمـثـل فـــي مــقــصــورة هـاتـف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة الـتـواصـل مـع أحبائهم الـذيـن رحـلـوا، والـبـدايـة تنطلق فـي الحكاية مـع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله. وعــــنــــدمــــا تـــعـــثـــر عــــلــــى الــــهــــاتــــف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، فـي تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عـن سـر المـقـصـورة، ومساعدة أشـخـاص آخـريـن يعيشون ألــم الفقد، يساعدها فـي ذلــك أنـهـا تعمل بمركز متخصص فــي «الـتـشـريـح الـنـفـسـي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنـــــهـــــوا حـــيـــاتـــهـــم، خـــــصـــــوصا حـــــالات الانتحار. ومــــــــــن خلال عــــمــــلــــهــــا يـــتـــقـــاطـــع مـصـيـرهـا مـــع سـتـة أشـــخـــاص، يحمل كـل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والــــحــــيــــرة، عـــبـــر مـــشـــاهـــد تــجــمــع بين أجـــواء الأدب النفسي ودرامـــا المشاعر المـــــــؤثـــــــرة، حــــتــــى تــــتــــحــــول المــــقــــصــــورة تدريجيا إلى رمز للوداع الأخير. ومن أجواء الرواية نقرأ: «فـــي زمـــن كـانـت أعــمــدة الإنــــارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقا بفضل الجداريات التي رُُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُُسدل الليل ســــتــــاره كـــانـــت تـــلـــك الــــرســــوم تـتـحـول إلــــى أشـــكـــال بــاهــتــة تـشـبـه ســـــــراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة. في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كـل مـسـاء، فتاة فـي الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كــلــمــا رأت ملامـــــح والــــدهــــا، فـيـتـوهـج وجهها أكثر من ضـوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تــتــســارع كـلـمـا تــأخــر فـــي الـــعـــودة إلـى المنزل. أبي! كانت جـي - آن تنتظره دائـــما في المــــكــــان نــفــســه أمــــــام مـــقـــصـــورة هــاتــف عــمــومــي يــقــع فـــي زاويــــــة زقـــــاق مظلم يعلوه مصباح صغير ن ُُصب خصيصا لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الـــضـــوء الــبــاهــت كــانــت ابــنــتــه تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقــــتــــرب أســــــرع الـــخـــطـــى حـــتـــى لــــم تـعـد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الح ُُلم». أصـــــــــــدر قـــــســـــم الـــــنـــــشـــــر بــــالــــجــــامــــعــــة الأمـيـركـيـة بـالـقـاهـرة كـتـابا جـديـدا باللغة الإنـــجـــلـــيـــزيـــة بـــعـــنـــوان «تـــــجـــــارة الأحلام: قـــرن مـــن الإعلانــــــات المـطـبـوعـة فـــي مـصـر» لـلـبـاحـثـة ومـصـمـمـة الــجــرافــيــك الــدكــتــورة بهية شـهـاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة. تـــقـــوم فـــكـــرة الـــكـــتـــاب عــلــى اســتــخــدام عام بوصفها 100 الإعلانات التجارية عبر أداة مــــســــكــــوتا عـــنـــهـــا مــــن أدوات كــتــابــة الــــتــــاريــــخ الـــشـــعـــبـــي، غـــيـــر الــــرســــمــــي، بـمـا فــيــه مـــن جـــوانـــب مـجـتـمـعـيـة واقــتــصــاديــة وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغـيـر تقليدية لـتـطـور المجتمعات على مستويات مختلفة. 350 ويـسـتـنـد الــكــتــاب إلــــى أكــثــر مـــن إعلانا مـــنـــشـــورا فـــي الــصــحــف والمـــــجلات ،1980 إلـــى 1880 المـصـريـة فــي الـفـتـرة مــن حـــيـــث يــكــشــف عــــن كـــيـــف عــكــســت الأفـــكـــار الــتــرويــجــيــة ملامـــــح مـجـتـمـع كــــان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته. واعـــتـــمـــدت المــؤلــفــة فـــي إعـــــداد الـعـمـل عـــلـــى بـــحـــث أرشـــيـــفـــي واســـــــع شـــمـــل آلاف الإعلانــــــــات المــحــفــوظــة فـــي مـكـتـبـة الـكـتـب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انـــــــطلاقا مـــن رغــبــتــهــا فـــي أن يـفـهـم أبــنــاء الـــجـــيـــل الــــجــــديــــد تــــطــــور مــجــتــمــعــهــم مـن زاويــة تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة. يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عـــبـــر خـــمـــس مــــراحــــل رئـــيـــســـيـــة، تـــبـــدأ بـمـا ، حين لـــعـــبـــت الــصــحــف 1920 قـــبـــل عــــــام والمـــطـــبـــوعـــات المــخــتــلــفــة دورا فــــي وضـــع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهارا ملحوظا فـي حـركـة النشر، وانعكس ذلك بــــصــــورة واضــــحــــة عـــلـــى شـــكـــل الإعلانـــــــات ومضامينها. وفــــــي أربـــعـــيـــنـــات الــــقــــرن الـــعـــشـــريـــن، توقفت المـؤلـفـة أمـــام مرحلة «التمصير»، ومـا صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم لتحدث تحولا عميقا في 1952 تأتي ثورة المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثـره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها. ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانــــفــــتــــاح، فــتــبــدلــت طــبــيــعــة المــنــتــجــات المــــطــــروحــــة فــــي الـــــســـــوق، وظــــهــــرت مـعـهـا تــطــلــعــات ورغــــبــــات جــــديــــدة لـــــدى الـــنـــاس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلـى الثمانينات، متابعا الـــتـــحـــول الـــــــذي أحــــدثــــه انـــتـــشـــار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره. واللافــت أن قـراءة الإعلانــات المصرية عـــلـــى امــــتــــداد مـــائـــة عـــــام لــــم تـــكـــن وسـيـلـة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيــــــــضا عـــــن الـــكـــثـــيـــر مـــــن ملامــــــــح الـــحـــيـــاة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات. وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة فـــي الإعلانـــــــات، ســــواء مـــن خلال إعلانــــات الــتــهــنــئــة والـــــدعـــــم، أو تـــلـــك الـــتـــي روجــــت لأفـــكـــار المــرحــلــة وتـوجــهـاتــهــا، إلـــى جـانـب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية. ومــع تغير المـرحـلـة السياسية، ظهر أنــور الـسـادات أيــضا في سياقات إعلانية تـــعـــكـــس طـــبـــيـــعـــة الـــحـــقـــبـــة وتـــوجـــهـــاتـــهـــا الــجــديــدة مــن حـيـث الانــفــتــاح عـلـى الـغـرب والـــولايـــات المـتـحـدة، كـمـا سـبـق أن ظهرت صـور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومـصـطـفـى الــنــحــاس بـــاشـــا فـــي إعلانـــــات لبعض المنتجات الوطنية فـي مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز). القاهرة: «الشرق الأوسط» القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky