issue17501

الثقافة CULTURE 18 Issue 17501 - العدد Wednesday - 2026/10/28 الأربعاء ضمن مجموعة من التماثيل تعكس أثر التقاليد الساسانية «حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك ازدهـــــر فـــن الـنـحـت والــنــقــش ازدهــــــارا كـبـيـرا خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضويا بالعمارة المدنية، وشـكّّــل ركـــنا أسـاسـيا مـن أركـــان ح للها الزينية. تجلّّت معالم هـذا الفن فـي مجموعة مـن التماثيل خرجت من قـصـر شــيّّــده الخليفة هـشـام بــن عـبـد المـلـك فــي الـبـاديـة الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجس ّّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي ع ُُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية. متر؛ ما يعني أنه 1.5 يبلغ طول هذا المجس ّّم نحو يحاكي تـقـريـبا حجم الـقـامـة البشرية الطبيعية، وهو مكَّوَن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالا كاملاًً، وفقا للمصطلحات المكّرّسة في القواميس الــفــنــيــة. يـــخـــرج الأســــلــــوب الــفــنــي المــعــتــمــد عـــن الأســـس الكلاسيكية، ويتبنّّى طرازا محليا تبقى شواهده الحية فـــي مـــيـــراث تــدمــر الــفــنــي، حـيـث الــحــركــة الـحـيـة غـائـبـة، والسكون هـو السيّّد، ووضعية المواجهة تسيطر على الـــتـــألـــيـــف، ومــعــهــا تـــبـــدو الــــوجــــوه شــاخــصــة والــعــيــون واسـعـة مـحـدقـة، والأيــــدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفـــقا لـحـركـات ثـابـتـة. يـتـكـرّّر هــذا التكوين الـجـامـع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عـــريـــضـــتين، ويـــبـــدو مـسـتـقـيـما فـــي وضــعــيــة المــواجــهــة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الــذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمث ّّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار. الـصـدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكـذلـك الفخذان. الـــســـاقـــان مـــتلاصـــقـــتـــان، ويــلــفّّــهــمــا إزار طـــويـــل يـنـسـدل حتى حـدود القدمين. تزيّّن هذا اللباس البسيط شبكة مـــن الــثــنــايــا الأفــقــيــة المـــتـــوازيـــة، ويــعــلــوه حــــزام عـريـض ومـعـقـود حـــول الـخـصـر، ويــحــدّّه شـريـط يمتد عـمـوديا بين الــــســــاقين، ويـــتـــواصـــل أفـــقـــياً، مــتّّــخــذا شــكــل بـطـانـة عــريــضــة. تـــزيّّـــن الـــحـــزام الــعــريــض سـلـسـلـة مـــن الـثـنـايـا المتلاصقة المجدولة، وتز ّّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المــتــســاويــة، فــي صـيـاغـة أنـيـقـة، تـصـهـر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حـول الكتفين، تتدلّّى من وسـطـهـا حلية نـصـف دائــريــة عـريـضـة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرص ّّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجر ّّدان، يلتف ّّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هـذا الأسـلـوب في تكوين باقة الأزهـار التي ترفعها المـرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل ُُــدّّدت بتلات كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهــار، ح كل منها بدقة. ملامـــح الــوجــه تـدمـريـة بـامـتـيـاز. الـعـيـنـان لـوزتـان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلا منهما بؤبؤ غائر. الــحــاجــبــان قـــوســـان مـــحـــفـــوران، يــنــســدل مـــن وسـطـهـمـا خيط الأنــف المستقيم. سقطت كتلة هـذا الأنــف الناتئة وتهش ّّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون مـن شـفـتين مطبقتين، يفصل بينهما شـق غـائـر. الـذقـن عريضة، وكـذلـك العنق. تعلو الــرأس كـتـلـة مــن الـشـعـر الـكـثـيـف، تـحـو ّّلـت خصلها شـبـكـة من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف مـن سلسلة مـن الحلقات الـدائـريـة المتشابكة. وتتدلّّى مــن طــرفــي هـــذه الــغــرة خـصـلـتـان مــتــوازنــتــان تستقران عـمـوديا على الـوجـنـتين. تلتف خصل الشعر فـي ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّّلًة تسريحة خاصة تميّّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأمـويـة، على اخــتلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لــوحــة جـــداريـــة مــن مـحـفـوظـات مـتـحـف الــفــن الإسلامــــي بـبـرلين، مصدرها موقع أمــوي فـي بـاديـة الأردن يُُعرف بـــاســـم قــصــيــر عـــمـــرة، وتـــمـــثّّـــل امــــــرأة مــكــتــنــزة تــقــف في وضعية نصف جانبية. تحني هــذه المـــرأة رأسـهـا انـحـنـاءة طفيفة، وتبدو ملامـــــــح وجـــهـــهـــا جـــلـــيّّـــة. الـــعـــيـــنـــان ضـــخـــمـــتـــان، وهــمــا لــوزيــتــان، ويعلوهما حـاجـبـان عـريـضـان، اتــخــذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محد ّّدان بدقة. الثغر محدّّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّّى منه في الـوسـط قلادة عريضة تزيّّنها ثلاثــة فصوص بيضاء. ا تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّّن كلّا من الــذراعين سـوار مـزدوج خط باللون الأســود، ويزين ً من اليدين سوار خ ُُط بأسلوب مماثل. وتظهر عند �ً كل ّا أعـلـى الـحـوض سلسلة تنعقد حــول الـوسـط على شكل حــزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مــرصــوصــة ضـخـمـة، تـكـلّّــلـهـا كـتـلـة بـيـضـاويـة ســــوداء. وتعلو الشعر شبكة مـكـوّّنـة مـن سلاســـل مـن الحجارة اللؤلؤية البيضاء. يتكّرّر هــذا المـثـال الأنـثـوي تشكيليا فـي جـداريـات قصير عمرة، كما يتكّرّر تشكيليا في منحوتات قصر هــــشــــام، ونـــقـــع عـــلـــى قـــطـــع مـــتـــفـــرّّقـــة يــحــضــر فــيــهــا هـــذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى. في الخلاصة، تشك ّّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مـثـال أنـثـوي خـــاص، ظهر خلال الحقبة ق. ا الأموية، وارتبط بها بشكل خل ّا تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا محمود الزيباوي لوحة 30 ديمة نشاوي توثق فنيا محطات مفصلية في السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر فـــي أول حــضــور لـهـا فـــي الـعـاصـمـة الـسـوريـة دمـشـق، عـرضـت الفنانة التشكيلية ديـمـة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنيا محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً. ديـمـة نـشـاوي الـتـي درســـت علم الاجـتـمـاع في جـامـعـة دمــشــق؛ لأنـهـا لــم تفلح فــي تـــأمين واسـطـة تـدخـلـهـا إلــــى كـلـيـة الــفــنــون الـجـمـيـلـة زمــــن الـنـظـام الــســابــق؛ إذ كــانــت مــن الــنــاشــطين الــذيــن نـاهـضـوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد. وخــــارج ســـوريـــا، كــر ََّســت اهـتـمـامـاتـهـا الفنية لــدعــم الأطـــفـــال فــي مـنـاطـق الـــنـــزاعـــات، مــع التركيز عـلـى الأطــفــال الـــســـوريين فــي مخيمات الــنــزوح في Clown Me لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة المـسـرحـيـة، استخدمت شخصيتها الكوميدية In المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» امـــرأة إلـهـاما وتـأثـيـرا حــول العالم لعام 100 لأكـثـر ؛ تقديرا لجهودها المتميزة في دعم الأطفال. 2018 بــالــتــوازي مــع الـنـشــاط المــيــدانــي، كــانــت ديمة تـــوثّّـــق الـــوجـــع الــــســــوري، وتـــرســـم الأحلام والآمــــال بـــالـــعـــودة والـــبـــنـــاء والــــعــــمــــران، لــتــكــون الـحـصـيـلـة مـــعـــرضا تـحـمـلـه إلــــى دمــشــق فـــي عــودتــهــا الأولــــى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءا من المظاهرات الأولى ، وحـتـى 2024 ولــغــايــة ســـقـــوط الــنــظــام 2011 عــــام المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة. اعتمدت ديـمـة نـشـاوي على الـلـونين الضدين الأســـود والأبــيــض مـع حـضـور نـــادر للأحـمـر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقد ّّمة رؤيتها لأبــرز المحطات المفصلية فـي سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية الـسـوريـة، ضـد الدكتاتورية والــظــلــم، مــن انــــطلاق الـــشـــرارة فــي درعـــا واعـتـصـام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الـــزور، واستباحة تنظيم «داعـــش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مرورا بحماة وسيرة عذاباتها، وحــــتــــى مــــجــــازر الـــكـــيـــمـــاوي والـــتـــهـــجـــيـــر الـــقـــســـري ، وصـولا إلى محافظة إدلب 2018 وحصار الغوطة التي احتضنت النازحين والمهج ّّرين قسرا وغيرها مـن مـحـافـظـات، حتى سـقـوط بـشـار الأســـد، إضافة إلــــى الأحــــــداث الــكــبــرى والاعـــــتـــــداءات الإسـرائـيـلـيـة وحرب غزة. والمـــفـــارقـــة فـــي أعـــمـــال ديـــمـــة نــــشــــاوي، تـقـديـم عـنـاويـن الـقـضـايـا والأحـــــداث بتقشف لـونـي وبــذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقــرب إلى فــن الـحـفـر عـلـى المـــعـــدن، مـشـحـونـة بـفـيـض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامــس فن المـنـمـنـمـات والــــزخــــارف الــشــرقــيــة وروح الــلــوحــات التي جس ََّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعض من سمات رســوم الأطـفـال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضا من مفردات الحلي والأزيـــــــاء الــتــراثــيــة فـــي المــنــطــقــة، كــلــوحــة «ســـوريـــا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولــوحــة «الـــرقـــة والمـــوصـــل» مــع الإشـــــارة إلـــى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعـــش» الـرقـة والمـوصـل فـي العراق لتكون أحـد ابـرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية. وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعا ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيرا عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما تو ّّلده من تحد ورغبة في المقاومة والـعـودة إلـى الـوطـن والاهـتـمـام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعـادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام. دمشق: سعاد جروس الوقائع السياسية والثقافية المستودعة في السيرة والحكايات السرد المضاد في حكاية سنم ّّار تُُعد مدينة الح ِِيرََة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخط ومستودعا مستقبليا زاخرا لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجــددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولـى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى». مستودع سردي كـان ذلـك المستودع اللغوي والـسـردي الح ِِيري الــزاخــر، قـد انتقل إلــى أطـــوار زمنية لاحـقـة مـزدهـرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتـــغـــرب مـــع أفـــــول المـــمـــالـــك والـــــــدول ونـــهـــايـــة المــلــوك وتتغرب فـي الشتات مـع حـــملات الجيوش والـغـزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه الــلــغــوي لـصـيـانـة الــلــغــة الـــعـــابـــرة لـلـمـمـالـك والـــــدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناء سرديا خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد الـتـوكـيـدي لصالح الـحـاكـم والــســرد المـضـاد لصالح اللغة. ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المـتـنـاغـم نـسـبـيا مــع الــقــوى الإمــبــراطــوريــة المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت. التوكيدي والمضاد وإذا كـــان الــســرد الـتـاريـخـي بـنـوعـه الـتـوكـيـدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها المــلــكــي والإمــــبــــراطــــوري فــــإن نـــوعـــه الـــثـــانـــي «الـــســـرد المـــضـــاد» يــغــدو فـــي نـسـيـج الــنــصــوص الأدبـــيـــة قـلـقا وتوترا لغوياً، يجعل النص مفكرا ومعبرا في عمقه الــســردي عــن معنى عميق خـــارج الإطــــار السياسي بـمـا يـنـبـئ عـــن كــمــون المــواجــهــة الـنـقـديـة عـلـى نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنم ّّار»، موضوع القراءة في هذه السطور. إن نــص سـنـم ّّــار يـخـفـي فــي مـحـتـواه الــســردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بــنــاء الـقـصـر المـلـكـي الـفـخـم فيخبئ آجـــرّّة حتى إذا ما س ُُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل بــراعــة الـفـكـرة أو إقــنــاع المـتـلـقـي بـإهـمـالـهـا فيحاول عبثا أن يجعل من سنم ّّار غفلا سياسيا ليخبر الملك «بالقنبلة والـشـيـفـرة» الـتـي ستفجر كـل شـــيء، فمن غير المعقول أن مهندسا يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معا ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً. فـــي مـقـابـل ذلـــك لا يـمـكـن أن نــعــد الـــــراوي غـــفلا أو ســـاذجا على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الـفـنـي الـفـاضـح لـصـالـح خـدمـة الـحـاكـم حـسـب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُُبقي سر الآجرّّة محفوظا دون أن يطلع عليه المـلـك أيـــضاً، وظـلـت فـكـرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم ترو بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغويا بصرف انتباه الملك عنها. وســـتـــغـــدو فـــكـــرة الــتــقــويــض المــغــيــبــة عـــن المـلـك مــعــادلــة لتغييب الـــذكـــاء الـسـيـاسـي لـــدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راو آخر، يُُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحـدة على مدى الأزمـان كما تناوله القاص محمد خضير فـي كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيــا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنته أو تم ُُت ليتسلم الحكاية نفسها حك ََّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول». إذن يـــتـــحـــرك زمـــــن الــــــــرواة وتــســتــمــر الــحــكــايــة نــفــســهــا، والمـــفـــقـــود فـــي حــكــايــة ســـنـــمّّـــار مـــن تغييب لـطـبـيـعـة شــخــصــيــة المـــهـــنـــدس وذكــــائــــه الــســيــاســي، تبيّّنه الصورة الم كلية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُُخفيت آجــرّّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا الـــنـــص ولـــغـــة الـــــــراوي «الـــعـــلـــيـــم» قــبــل الــبــحــث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق. ما السرد المضاد؟ استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «الـسـرد والـسـرد المـضـاد» ليعبّّر فيه مباشرة عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والـظـاهـرة العنفية والإبــــادة الجماعية فـي التاريخ الــبــشــري، ويـخـلـص بتهكم إلـــى صــــورة الإمـبـريـالـي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الـــحـــديـــث ســلــيــل الـــــرومـــــان، ويــتــقــفــى ســـطـــح وعــمــق الـــنـــصـــوص الــســيــريــة فـــي الـــســـرد الــتــوكــيــدي مـبـيـنا الـــحـــملات الـتـاريـخـيـة لـشـن الـعـنـف والـقـتـل الـبـربـري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية. ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئا جديدا في حقل دراسات السلام ونبذ العنف. في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر فـي الـنـص، وهـامـش حـر جـرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيرا ما يلجأ إليها الكاتب أو الـــراوي في سبك حكايته، ولـكـن سـرعـان مـا يُُكشف عنها فـي وقــت آخــر وتعد فخا فنيا ولغويا مؤجلا باستمرار ومرمما في رواية أخرى مخبأة. سنم ّّار وصورة الح ِِير ََة السردية فـي حكاية سـنـمّّــار، لا يتخطى الـحـكّّــاء إطارية الـــحـــكـــايـــة وصـــورتـــهـــا الـــعـــامـــة عـــبـــر وجــــــود الــحــاكــم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخـرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجـودهـا من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، ََّــز الـحـكّّــاء اسـتـهلالـه الـتـوكـيـدي عشية استعداد جـه مــلــك الـــحـــيـــرة، الــنــعــمــان بـــن المـــنـــذر، لاســتــقــبــال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُُحسن ضيافته ويُُرضيه، وعـــدا ذلـــك كـانـت الـحـكـايـة، تـغـض الـنـظـر عــن «غـايـة الـفـخـامـة لـلـمـسـتـعـمـر» وتـــصـــرف الانــتــبــاه عـــن ذكـــاء المـــهـــنـــدس الـــســـيـــاســـي، وتـــرتـــكـــز إلــــى امـــتـــيـــاز شـامـل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء. وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي تـرافـق الــســرد، وتـعـبّّــر عنها الـحـكـايـة، هـي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المض للة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُُّع الحيرة الحقيقي إلى الاسـتـقلال، فيما يُُظهر السرد المـــضـــاد الــنــســق الـــبـــربـــري لــتــاريــخ الــعــنــف وحــــملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، م لثما تُُخبأ الآجر ََّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة. * كاتب عراقي رسم توضيحي لقصر الخورنق سعيد الغانمي *محمد خضير سلطان النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky