تعد الروائية الآيرلندية سالي رونـي، عـــــاماً، مـــن أبــــرز ظـــواهـــر الـنـشـر 35 الــبــالــغــة الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات ، ثـم حققت انتشارا 2017 مـع أصـدقـاء» عـام ،2018 واســـــــعا مــــع «أنـــــــاس عـــــاديـــــون» عـــــام وأتبعتها بــ«عـالـم جـمـيـل... أيــن أنـــت؟» عام .2024 ، و«إنترميتسو» عام 2021 وقـــــد اعـــــتـــــذرت أخــــيــــرا الـــــــدار الـــنـــاشـــرة كـتـبـهـا؛ «فـيـبـر آنـــد فــيــبــر»، مـــن عـــدم تـوزيـع كتبها بعدما قـالـت «فـيـبـر» إن التشريعات الـبـريـطـانـيـة تـمـنـعـهـا مـــن تــحــويــل عـــائـــدات المـــبـــيـــعـــات إلــــــى المــــؤلــــفــــة، إثــــــر تـــحـــذيـــر مـن السلطات البريطانية. وتـــحـــت عــــنــــوان «ســــالــــي رونــــــي كـاتـبـة ولـيـسـت إرهــابــيــة»، اجتمعت أســمــاء بـــارزة فـــــي فــــــضــــــاءات الأدب والـــســـيـــنـــمـــا والـــفـــكـــر عـلـى رســالــة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعا عن الروائية الآيرلندية المجليّّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آنـد فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية - ورقيا وإلكترونيا - إثر تحذير مـــن الــســلــطــات؛ وذلــــك عـلـى خـلـفـيـة إعلانــهــا التبرع بجزء مـن عـوائـد كتبها لدعم حركة «بــالــســتــايــن (فـــلـــســـطين) أكــــشــــن»، لـتـتـحـو ّّل قضية صـاحـبـة «أنــــاس عـــاديـــون» مـواجـهـة سياسية ثقافية بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهـــاب إلــى النشر، وحـــدود قـدرة الـكـاتـب عـلـى إعلان مـواقـفـه الـسـيـاسـيـة من دون خسارة الوصول إلى قرائه. الرسالة التي نشرتها المجلّّة الأسبوع الماضـــي جــاءت قصيرة وحـاسـمـة، ويطالب مــوقّّــعــوهــا بــإتــاحــة كـتـب رونــــي لـلـجـمـهـور، عــــادّّيــــن أن سـحـبـهـا مـــن الــبــيــع هـــو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّّر» وشديدة القسوة، ويـــمـــثـــل اعـــــتـــــداء عـــلـــى المـــــبـــــادئ الأســـاســـيـــة لـحـريـة الــــكلام والـتـعـبـيـر الــتــي لــطــالما ع ُُـــد ّّت حــقــوقا مـسـتـقـرة ومـحـتـرمـة فــي بريطانيا. وأعـــلـــن المــوقــعــون رفـــض الـــرقـــابـــة؛ المـبـاشـرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلـى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت الــبلاد، على حد تعبيرهم، إلـى هـذه الحالة من «العبث القمعي». وتكشف قائمة التوقيعات عـن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبــي المحلي ّّ. فمن بين الأسماء آنـي إرنـو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجـولـيـان بــارنــز، وجــــورج ســونــدرز، وبـــــرنـــــارديـــــن إيـــفـــاريـــســـتـــو، إلـــــى جــــانــــب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيــضا أسـمـاء عربية، بينها أهـداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكــــــتّّــــــابا مـــثـــل نـــعـــومـــي كلايــــــــن وسلافــــــــوي جـيـجـيـك وطــــــارق عــلــي وآدم تـــــوز. ويـمـنـح هـــذا الـتـنـوع الــرســالــة ثـــقلا يـتـجـاوز الـدفـاع عـن زميلة كاتبة، إلــى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة. ومـــــن الـــشـــاشـــة، انـــضـــم بـــــول مـيـسـكـال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس مـــــن «أنـــــــــاس عـــــــاديـــــــون»، ومــــخــــرجــــه لـيـنـي أبـراهـامـسـون، فـــضلا عـن تيلدا سوينتون، وســــــــــوزان ســـــــارانـــــــدون، وجـــيـــســـي بـــاكـــلـــي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالــة خاصة، فالعمل الذي أســــهــــم فــــي إطلاق نــجــومــيــتــهــمــا جــــــاء مـن رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني. مـع ذلـــك، يحتاج وصــف مـا جــرى بأنه «مـنـع للكتب» إلــى تـدقـيـق. فلم يـصـدر قـرار رسمي صريح يحظر روايـــات رونــي بسبب مـــحـــتـــواهـــا، ويــــبــــدو أنّّــــــه ســـمـــح لـلـمـكـتـبـات بـــمـــواصـــلـــة بـــيـــع الـــنـــســـخ المـــــوجـــــودة لــديــهــا مـسـبـقاً. الـــذي حـــدث هــو تـوقـف الـنـاشـر عن تــــوريــــد نـــســـخ جـــــديـــــدة، بـــاتـــفـــاق مــــع رونــــي نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات الـبـريـطـانـيـة تـمـنـعـهـا مـــن تــحــويــل عـــائـــدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقـل توفرا أمــام الـقـراء، ثم تختفي تـــدريـــجـــيا مـــن الـــســـوق، عــبــر الــقــيــود المالــيــة والـــقـــانـــونـــيـــة، حـــتـــى مــــن دون صـــــــدور أمـــر مباشر بمصادرتها. وقــــالــــت دار الـــنـــشـــر المـــرمـــوقـــة إن بـيـع أعمال كاتب مع العجز عن دفـع مستحقاته وضـــع يـتـعـذر عليها قـبـولـه، ولــذلــك قـــررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بــأي صيغة، مؤكدة عــلــى اســـتـــمـــرار اعـــتـــزازهـــا بـنـشـر روايـــاتـــهـــا وإتــــاحــــتــــهــــا خـــــــارج المـــمـــلـــكـــة المــــتــــحــــدة. أمـــا رونـــي فأعلنت اسـتـعـدادهـا لتحمّّل تبعات مـعـتـقـداتـهـا ونـيـاتـهـا الــتــي حــرصــت دائــــماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور. وتـــــعـــــود خـــلـــفـــيـــة الـــــحـــــدث إلــــــى تــعــه ّّــد الــــــروائــــــيــــــة بـــــاســـــتـــــخـــــدام عـــــــائـــــــدات كــتــبــهــا واقـــتـــبـــاســـاتـــهـــا الــتــلــفــزيــونــيــة لـــدعـــم حــركــة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الـــحـــكـــومـــة الـــبـــريـــطـــانـــيـــة ضـــمـــن المــنــظــمــات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضـي. أكـتـوبـر 5 ودخــــل الـحـظـر حـيـز الـتـنـفـيـذ فـــي (تــشــريــن الأول) الــحــالــي، بـمـوجـب «قــانــون »، فـأصـبـح 2000 مــكــافــحــة الإرهــــــــاب لـــعـــام الانـتـمـاء إلـــى الـحـركـة والـــدعـــوة إلـــى دعمها من الأفعال المجر ّّمة. وقد تصل عقوبة بعض جــــرائــــم دعـــــم الــتــنــظــيــمــات المـــحـــظـــورة وفـــق عاما ً. 14 القانون المذكور إلى السجن وبـــــــــــــررت الـــــحـــــكـــــومـــــة قــــــــرارهــــــــا وصـــــم «بــالــســتــايــن (فـــلـــســـطين) أكـــشـــن» بـــالإرهـــاب بما قالت إنّّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف مـــمـــتـــلـــكـــات اســــتــــهــــدفــــت مـــنـــشـــآت وشـــركـــات مـرتـبـطـة بــالــصــنــاعــات الـدفـاعـيـة ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلـك احتجاجا على الإبادة في غزّّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّّته السلطات تهديدا للأمن القومي. وجــاء الإعلان عـن نية الحظر بعد اقـــتـــحـــام نـــاشـــطين قـــاعـــدة «بـــريـــز نـــورتـــون» . وشددت 2025 ) الجوية في يونيو (حزيران وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج الــقــانــونــي أو المــنــظــمــات الأخـــــرى المــنــاصــرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثـــــر الـــتـــشـــريـــع ضــــد الإرهــــــــاب إلـــــى مـــجـــالات التعبير الثقافي. عــــــاماً، مـــن أبـــرز 35 ورونـــــــي، الــبــالــغــة ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت ، ثم 2017 بـــ«مـــحـــادثـــات مـــع أصـــدقـــاء» عـــام حققت انتشارا واســعا مع «أنــاس عاديون» ، وأتبعتها بــ«عـالـم جـمـيـل... أين 2018 عــام .2024 ، و«إنترميتسو» عام 2021 أنت؟» عام وتـسـتـكـشـف روايـــاتـــهـــا الـــعلاقـــات الحميمة والصداقة والتفاوت الطبقي، وكيف يتسلل المال والــتــعــلــيــم والمــــوقــــع الاجـــتـــمـــاعـــي إلـــى ّّـــــع انـتـقـال الـــخـــيـــارات الــشــخــصــيــة. وقــــد وس أعمالها إلــى التلفزيون جمهورها، وجعل اسمها حاضرا خارج أوساط قراء الرواية. وفــــي «أنــــــاس عـــــاديـــــون»، تــتــبــع علاقـــة مـاريـان وكونيل مـن المـدرسـة إلـى الجامعة، حـــيـــث تــــتــــبــــد ّّل مــــــوازيــــــن الـــثـــقـــة والانــــتــــمــــاء بينهما مــع تــبــدّّل الــوســط الاجـتـمـاعـي. أمـا «إنترميتسو» فتتناول علاقـــة أخـويـن بعد وفـــاة والــدهــمــا، ومـــا يحيط بالفقد والـحـب من ارتباك. وبين العملين يتضح اهتمامها بأثر الـظـروف الماديـــة في الحياة العاطفية، وبـــالمـــســـافـــة بين مـــا يــعــرفــه الأشــــخــــاص عن أنفسهم وما يستطيعون قوله لمن يحبون. مواقف رونــي المناصرة للفلسطينيين سـابـقـة للأزمـــــة الــحــالــيــة، فـقـد رفــضــت منح حــقــوق تـرجـمـة «عــالــم جــمــيــل... أيـــن أنـــت؟» إلى دار نشر إسرائيلية لا تستجيب لمعايير حركة المقاطعة، على أن موقفها الأخير دعما لــ«بــالــســتــايــن (فـــلـــســـطين) آكـــشـــن» يكتسب حـسـاسـيـة مـخـتـلـفـة؛ لأنـــه يـتـصـل بـعـائـدات عملها، وبقدرة المؤسسات البريطانية على نشر وبيع أعمالها. ويــــــواجــــــه الــــــنــــــاشــــــرون هــــنــــا مــعــضــلــة تـــتـــجـــاوز مـــكـــانـــة رونـــــــي الأدبـــــيـــــة، إذ كـيـف يستمر نشر مـؤلـف بــاع ملايين النسخ من أعــمــالــه عـنـدمـا تـصـبـح مـسـتـحـقـاتـه مـصـدر مـــخـــاطـــرة قــانــونــيــة؟ كــمــا تـــواجـــه المـكـتـبـات وضـــــعا يــتــنــاقــص فــيــه المــــخــــزون المـــتـــاح من دون إمكانية تعويضه عبر الناشر من فرعه البريطاني. وبين الطرفين يقف القارئ الذي يتأثر بـقـرار يتعلق بمواقف الكاتبة خـارج صفحات رواياتها. وتــنــقــل الــرســـالــة المــفــتــوحــة الـــجـــدل من مقدار الاتفاق مع روني إلى طبيعة السابقة الــــتــــي تـــنـــشـــأ عـــــن قـــضـــيـــتـــهـــا. فـــمـــوقّّـــعـــوهـــا يــطــالــبــون بــحــمــايــة تــــــداول الأدب مـــن آثـــار التجريم الـسـيـاسـي، ويـرفـضـون أن تصبح إمـــكـــانـــيـــة شـــــــراء الأعـــــمـــــال الأدبـــــيـــــة مــعــلّّــقــة بمواقف مؤلفها السياسية. صدر أخيرا في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديـــوان «مـرآتـان لوجه واحـــد» للشاعر العراقي عـدنـان الصائغ، ضــمــن إصـــــــدارات سـلـسـلـة «الإبـــــــداع الـــعـــربـــي». ويــمــثــل الـــديـــوان حلقة جـديـدة فـي تجربة الصائغ الشعرية التي طــالما انشغلت بوجع الإنسان، وبالذاكرة المثقلة بالحروب والمنافى. وتتجاور فـي القصائد ثيمات الـحـنين والـفـقـد، الغضب والــخــوف، الحب والانـــكـــســـار، الـــثـــورة واللاجــــــــدوى، فـــي مــزيــج يــخــتــزل الـتـجـربـة العراقية والعربية خلال عقود من الاضطراب. في الديوان، يصنع الشاعر «مرآتين» لوجه واحد، ينعكس فيهما صوته الشعري وهمومه ورؤيته للعالم، المرايا هنا ليست مجرّّد استعارة، بل أداة تأمل واشتباك مع الذات والتاريخ. في المرآة الأولى، يبتعد الشاعر عن ذاته بمسافة تفرضها الجغرافيا والغربة وزمـن المنفى، فينظر إلى المشهد العراقي الفاجع بعين اكتسبت خـبـرة الألـــم وهــــدوء الـتـأمـل بـعـد ســنــوات مــن الـتـشـرد، تلك المسافة تمنحه القدرة على إعـادة تشكيل الصورة، وقـراءة الخراب الإنساني والوطني من منظور أكثر نضجا وعمقاً. أما المرآة الثانية، فهي عودة إلى اللحظة الأولى للوجع؛ إلى سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، حيث كان الألم لا يزال طازجا والجرح لم يلتئم بعد، يلتقط الصائغ في هذه المرآة صورة للذات الــشــاعــرة وهـــي فــي مـواجـهـة المـــوت الــيــومــي، وفـــي الــوقــت نفسه تحمل شرارة الأمل والتحدي والرغبة في غد أكثر عدلا وحرية. وبين المـــرآتين، يتحرك الشاعر بين زمـنين ومـنـفين، ويوثق عبر نصوصه المتوترة واللامعة اللحظة الإنسانية التي يعيشها العالم العربي. وللشاعر عدد من المجاميع الشعرية، منها: «مرايا لشعرها الـــطـــويـــل»، و«تـــحـــت ســمــاء غـــريـــبـــة»، و«نــشــيــد أوروك»، و«نــــرد النص». من أجواء الديوان نقرأ: «أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي أرسم لغما وأضعه في خزانة اللغة أرسم عنكبوتا وأحنطه على باب الأحزان أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيدا أمام اللئام؟ أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي أرسم نايا وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة أرسم شارعا وأتسكع فيه مع أحلامي أرسم قلبي.. .. وأسأله: أين أنت ِِ؟!» مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية... فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية الثقافة CULTURE 18 Issue 17500 - العدد Tuesday - 2026/10/27 الثلاثاء رسالة مفتوحة ضد تقييد حرية التعبير في بريطانيا كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد» لندن: ندى حطيط القاهرة: «الشرق الأوسط» سالي روني مينا ناجي يعيد إنتاج الرومانسية من الألم ًً«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائي ّّا فــــي المــــفــــارقــــة الـــتـــي يـــنـــطـــوي عـلـيـهـا عــــنــــوان روايـــــــة «الأمـــــــل مـــرضـــي المــفــضــل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأسـاسـيـة؛ فالبطل الــذي يقيّّد تــاريــخــه الـشـخـصـي مـــع المـــــرض الـنـفـسـي علاقـتـه بـالـعـالـم، لا يكف عـن التطلع إلى حـيـاة تـتـجـاوز هــذه الـقـيـود، ليجد نفسه أســـيـــر عـــالـــم يــتـسـع فـــي خــيــالــه وخــبــراتــه المـعـرفـيـة، ويـضـيـق فــي تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاء ومصدرا إضافيا للمعاناة في آن واحد. فـي الــروايــة، الــصــادرة عـن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تـــاريـــخ عـائـلـي مـثـقـل بــالاضــطــرابــات وجــــــــروح الـــطـــفـــولـــة، وعلاقــــــــــات عــاطــفــيــة تـــتـــأرجـــح بين الــــــــخلاص وإعـــــــــادة إنـــتـــاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين ق ــــــــط»، �« مـــــجـــــردة، مــــن قـــبـــيـــل «علاقـــــــــــة»، و و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية مـتـكـآت ســرديــة، تـبـدو أقـــرب إلـــى مفاصل جــســد يـتـفـحـصـه الــبــطــل بــمــا يـحـمـلـه من ندوب متفرقة. يُُــــســــتــــدعــــى الماضـــــــــــي بــــوصــــفــــه قــــوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، فـــفـــي علاقــــتــــه بـــأبـــيـــه، الـــحـــاضـــر جـــســـديا والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والــحــرمــان؛ إذ يـفـرض الأب رغـبـاتـه على ابــنــه، ويـطـالـبـه فــي الــوقــت نفسه بـالمـودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخـــلـــي بـــالـــذنـــب، يـجـعـل مـيـشـيـل يـحـم ّّــل نـــــفـــــســـــه مــــســــؤولــــيــــة المسافة بينهما. ويـــــــمـــــــتـــــــد هـــــــذا الـــــجـــــرح إلــــــى تـــاريـــخ عــــــــــائــــــــــلــــــــــي أقــــــــــــــــــــدم، تــــــتــــــصــــــدره حــــكــــايــــة الـــــجـــــدة الــــتــــي عـــانـــت اضـــــــــطـــــــــرابا نـــفـــســـيا حــــــاداً، ومــــن خلالــهــا يــــــــتــــــــجــــــــاوز الــــــــــرض حـــــــــــــــدود الـــــتـــــجـــــربـــــة الـــــــفـــــــرديـــــــة لـــيـــصـــبـــح جــــــــــزءا عــــــضــــــويا مــن الــــــذاكــــــرة الـــعـــائـــلـــيـــة، ومـــن أنـــمـــاط الـخـوف وانــــعــــدام الــثــقــة الـتـي تتردد بين الأجيال. تــــردد أصـــــداء هــــذا الــنــمــط فـــي علاقــتــه بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخـــر فـرصـة لمــــداواة جـــراح قـديـمـة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فـرضـهـا عـلـيـه «الــــرهــــاب»، غـيـر أن الــحــب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عـن ميله إلـى إضـفـاء طابع رومانسي على المـعـانـاة، حتى «يـتـحـوّّل الفشل إلــى ذريعة لإذكـــــاء الــتــراجــيــديــا الــرومــانــســيــة داخـــلـــه»، وهـــنـــا يــحــضــر مـــفـــهـــوم «إجـــــبـــــار الـــتـــكـــرار» الفرويدي على لسان السار ِِد في علاقة يبدو فـيـهـا الـــحـــب الــجــديــد إعـــــادة تـمـثـيـل لـجـرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره. ومــن اللافـــت أن أفـكـار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول الــــعــــبــــارة الـــتـــي بـــــدت يـــقـــيـــنا إلـــــى ســـــؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقا فـي صيغة متشككة: «هــل قــال إن الحياة اخــــتــــيــــارات؟»، فـــي مــراجــعــة لمـعـنـى حـريـة الاختيار أمـام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها. تكوين معرفي يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكرا أنه سيموت في العشرين، قـــبـــل أن يـــجـــد نـــفـــســـه فـــــي الـــثلاثـــيـــنـــيـــات أمـــام حـيـاة لــم يـتـوقـع اســتــمــرارهــا، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمـل، وربما فـــي تـــصـــوره أنــــه «سـيـكـبـر خـــــارج حـيـاتـه الـسـابـقـة»، تتجلى رغـبـتـه فــي أن يمنحه الزمن خلاصا من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم فـي العمر لا يعني التحرر من قبضته. يصبح المـــرض فــي الـــروايـــة أكـثـر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة الـــبـــطـــل بـــالمـــكـــان والآخـــــريـــــن والمــســتــقــبــل؛ فــرهــاب (الأغــورافــوبــيــا) يـحـد مــن حركته بين الـــغـــربـــاء، ويــغــلــق أمـــامـــه احــتــمــالات مـهـنـيـة وعــاطــفــيــة، وحـــتـــى علاقـــتـــه بهند يــعــيــد قـــراءتـــهـــا بــوصــفــهــا «علاقــــــة بـــدأت بمرض وو ُُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها. ويــــواكــــب هـــــذا الـــتـــكـــويـــن راو عـلـيـم، شــديــد الـــقـــرب مـــن وعــــي مـيـشـيـل بـوصـفـه كـــاتـــبا ومـــثـــقـــفاً، فـتـتـخـلـل الـــســـرد إحــــالات إلــــــــى رولان بــــــــــارت ودوســــتــــويــــفــــســــكــــي وفـالـتـر بـنـيـامين وفــرويــد، وتـتـداخـل هذه المـرجـعـيـات مــع مـعـرفـة تـراكـمـيـة بـالمـرض الـنـفـسـي، تشكلت عـبـر الــتــاريــخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية. يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية الـتـي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الـطـريـقـة الـتـي يفسر بـهـا ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحيانا كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يـمـنـحـهـا اســــما أو تـفـسـيـرا نــفــســياً. وفـي إحـــــدى لــحــظــات المـــفـــارقـــة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يـسـتـقـبـل الـنـصـيـحـة بـثـقـة قـــــــائلاًً: «فــهــذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عـن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة. غـــــــيـــــــر أن هـــــــذا الــــــحــــــضــــــور المــــعــــرفــــي يـــتـــرك أثـــــره أيـــــضا في حــــركــــة الـــــســـــرد، الــــذي يــــمــــيــــل أحــــــــيــــــــانا إلـــــى تــقــديــم الــتــفــســيــر قبل الــــحــــكــــايــــة، فـــفـــي أحـــد الـــــــــــــواضـــــــــــــع، يـــــطـــــرح الـــــــســـــــارِِد ســـــــــــؤالا عــن كـيـفـيـة انــتــهــاء الـحـب، ثـم يـقـدم إجـابـة بنبرة فـــــلـــــســـــفـــــيـــــة تــــتــــعــــلــــق بتغير المـوقـع الـرمـزي للآخـــر، قبل أن ينتقل إلــــى واقـــعـــة مـــن حـيـاة مـــــيـــــشـــــيـــــل بــــــعــــــبــــــارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحـيـانا إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية الـبـطـل المـثـقـفـة، والمـــيـــل إلـــى شـــرح دوافـعـهـا وتــحــلــيــلــهــا، ومـــــا يـــثـــيـــره مــــن أســـئـــلـــة حـــول المسافة بين الراوي وبطله. الجيل والمدينة ويـــتـــســـع هــــــذا الــــتــــاريــــخ الــشــخــصــي ليشمل جــراحا اجتماعية أوســع، تتقاطع مـع خـبـرة الانـتـمـاء إلــى أقلية ديـنـيـة، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الــــــذي يـــمـــقـــتـــه»، وتــــأثــــيــــرات (ثـــــــورة يـنـايـر «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تــنــاقــضــات الأجــــيــــال الــســابــقــة وبـــلـــغ بها مـنـتـهـاهـا»، لـيـجـد أفــــــراده أنـفـسـهـم ذوات هشة في واقع فوضوي. تمتد أصــداء هـذا الحزن إلـى المدينة، حـتـى إن الــســرد يـــرى أن «لا وعـــي المـديـنـة نفسه م ُُحم ّّل بالحزن»، في انتقال من جراح الــفــرد إلـــى ذاكــــرة المــكــان، ومـــا تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية. كـمـا يـمـتـد هـــذا الـتـأمـل إلـــى تـحـولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، ومـــــا فـــرضـــه إيـــقـــاعـــهـــا مــــن روابـــــــط هــشــة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يـرى أنها ضاعفت الجهل والـغـرور بوهم المـــعـــرفـــة، وهـــكـــذا يــتــجــاوز صــــوت ميشيل حـدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثـقـافـي أوســـع، وإن ظلت هذه الأحـكـام مرتبطة بمنظوره الـخـاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات. القاهرة: منى أبو النصر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky