issue17500

فـــــي الـــنـــصـــف الأول مـــــن الـــــقـــــرن الـــعـــشـــريـــن اقـتـصـرت المـهـرجـانـات على مــبــادرات فــرديــة، أو أنشطة للجمعيات الثقافية، أو عروض مسرحية أدبية ذات طابع فرنسي - لبناني مشترك. أما في النصف الثاني من القرن ذاته، فقد أخذت الساحة الفنية تستقطب أعــدادا ضخمة من المهرجانات (أبرزها مهرجانات بعلبك الدولية التي تأسست فـي الخمسينات)، حيث شكّّلت تلك الجمعيات والأنشطة النواة الأولى لهويّّة الثقافات والفنون الـــتـــي تـــبـــلـــورت فـــي المــســرحــيــة الــلــبــنــانــيــة خلال الثلاثينات والأربعينات. ، بعد ثلاثة وعشرين عاما من 1943 في عام نََيْْل لبنان استقلاله الكبير، عرضت «الجمعية الــوطــنــيــة لـحـفـظ الـــتـــراث الــلــبــنــانــي» فـــي بعلبك مــســرحــيــة فــرنــســيــة كلاســيــكــيــة بـــرعـــايـــة رئـيـس الــجــمــهــوريــة بـــشـــارة الــــخــــوري، وتـــحـــت أضــــواء طــــائــــرات سلاح الـــجـــو الـــفـــرنـــســـي أيـــــــضاً. وكــــان المـــشـــرفـــون عــلــى الــجــمــعــيــة المــــذكــــورة ثلاثـــــة من الـــقـــامـــات الــثــقــافــيــة الـــشـــامـــخـــة: مــيــشــال شـيـحـا، وسعيد عقل، وفؤاد أفرام البستاني. تأسست «عصبة الخمسة» 1953 وفـي عـام ََّـــت: زكـــي نــاصــيــف، وتــوفــيــق الـبـاشـا، الــتــي ضـــم والأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وفيلمون وهبي. هدفت إلى تقديم لون من الغناء اللبناني الـــذي يستمد «جـمـلـه اللحنية» مــن الفولكلور. ، تأس ّّست لجنة رسمية لإدارة 1956 لكن في عام مـــهـــرجـــانـــات بــعــلــبــك بــــرئــــاســــة وجــــيــــه غــصــوب ضـم ّّــت ثـلّّــة مــن المــثــقّّــفين ومـحـبّّــي الـفـنـون أمـثـال نجيب حـنـكـش، وشفيقة ديــــاب، ومـــي عريضة، ومـوسـى دو فـريـج... وبـدعـم مطلق مـن الرئيس كـمـيـل شـمـعـون أضــحــت مـهـرجـانـات بعلبك في تـلـك الـسـنـة مـؤسـسـة حـكـومـيـة هـدفـهـا تشجيع السياحة الثقافية اللبنانية. فــي الـسـيـاق، فـرضـت الـسـيـدة الأولــــى آنـــذاك زلــفــا شــمــعــون، إضــافــة الـفـولـكـلـور إلـــى بـرنـامـج المهرجان. كما تبنّّت التقرير الذي قدّّمه الخبير الروسي في الرقص الشرقي إيغور موزاييف، إلى لجنة اليونيسكو في بيروت، مقترِِحا تأسيس فــــرقــــة مـــحـــتـــرفـــة لـــلـــرقـــص الـــشـــعـــبـــي تـــعـــكـــس فـي أعمالها الأصالة الريفية لتكون منطلقا لثقافة الـشـعـب وتـــراثـــه. وبــالــفــعــل، وبـــنـــاء عـلـى اقــتــراح مــوزايــيــف، أوفــــدت الــســيــدة الأولــــى إلـــى مـدرسـة موزاييف في روسيا، الـراقـص ََين مـروان ووديعة جرّّار، ليعودا بعدها حاملََين مهارات رقص أدّّت لاحــــقا إلـــى تـأسـيـس فِِـــــرََق لـلـرقـص الـشـعـبـي في لبنان منحت مجالات لتطوير «الدبكة» وغيرها مـن فـنـون الــرقــص. وحــالــياً، هـنـاك اقــتــراح لدمج «الدبكة» ضمن المناهج الأكاديمية في المـدارس لإحياء هذا الرقص الشعبي اللبناني. ، شكّّل الرئيس شمعون 1957 بينما في عام لجنة مهرجانات بعلبك الدولية برئاسة إيميه كــتّّــانــة، وســلــوى الـسـعـيـد مـسـؤولـة عــن النشاط المـــســـرحـــي، وع ُُـــهـــد إلــــى مـــي عــريــضــة بــالــحــفلات الموسيقية. فكيف حرّّكت المهرجانات السياحة في لبنان؟ قبل أن يصحو لبنان على كـابـوس الأزمــة ، كــانــت ليالي 2019 الاقــتــصــاديــة الـخـانـقـة عـــام الـصـيـف الـلـبـنـانـيـة تــرســم لــوحــة مـغـايـرة تـمـاما عنوانها الفن والعالمية، وتحت غطاء من الازدهار الاقتصادي الوهمي والاستقرار الهش المحكوم بنظام «ريــعــي»، عــاش قـطـاع المـهـرجـانـات عصر رواج غـيـر مـسـبـوق. تـنـقّّــلـت الـــحـــفلات الضخمة والنجوم الدوليون بين المعالم التاريخية العريقة والطبيعة اللبنانية الـفـريـدة، ليعيش المجتمع حــركــة ثـقـافـيـة واقــتــصــاديــة نـشـطـة جـعـلـت المــدن والقرى من أقصى الشمال إلـى أقصى الجنوب، شعلة من الحيوية والفرح والتي انطفأ بريقها تدريجيا مع تصاعد حد ّّة الانهيار. يواجه قطاع السياحة في لبنان، الذي لطالما ع ُُد الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني وقناته الرئيسية لجذب الـعـملات الأجنبية، واحــدة من أقسى الانتكاسات في تاريخه الحديث، مدفوعا بـضـغـوط جـيـوسـيـاسـيـة بـالـغـة الأثــــر وتصعيد أمني واقتصادي حاد نتيجة التوترات والعدوان المستمر. يرتبط الـقـطـاع السياحي ارتــبــاطا مباشرا بمؤشرات الاستقرار والسلم والأمن التي اهتزّّت ، التي 2023 مع تصاعد العمليات العسكرية عام بسبب الحرب بين 2024 استمرت في التراجع عام إسـرائـيـل و«حـــزب الـلـه». إلا أنها عــادت وحقّّقت مـع مــؤشــرات إيـجـابـيـة، ثم 2025 تـقـدما فـي عــام . ولا 2026 عــادت ثانية وانتكست مع حـرب عـام يزال هذا الصراع مجهولا حتى الآن، على الرغم من الجهود المبذولة لوقف نهائي لإطلاق النار، وتنفيذ بنود «اتفاق الإطـار» الذي توصلت إليه المفاوضات بين البلدين. عــلــما أنـــه إذا عــدنــا إلـــى الأرقـــــام فـسـنـرى أن وظيفة في 357100 قطاع السفر والسياحة وفّّــر ،2024 وظيفة عــام 341900 مـقـارنـة بــــــ 2025 عــام وظــيــفــة. لا 416600 ،2019 بـيـنـمـا وفّّــــر فـــي عـــام ســيــمــا أن المــجــلــس الـــعـــالمـــي لـلـسـفـر والــســيــاحــة ) قد ّّر إجمالي مساهمة السفر والسياحة WTTC( في المائة من الناتج 18.6 في الاقتصاد اللبناني بـ في 19.8 مـقـارنـة بـــــ 2025 المـحـلـي الإجـمـالـي عـــام . كما 2019 فـي المائـــة عــام 19 ، و 2024 المائـــة عــام 628.6 قـــــدّّر أن الــقــطــاع أســـهـــم بــــإيــــرادات بـلـغـت 6.5 ، بانخفاض نسبة 2025 تريليون ليرة عـام تريليون 19.3 مقارنة بــــ 2024 في المائــة عن عـام .2019 ليرة لبنانية عام لم تكن الفنون والثقافة في لبنان يوما مجر ّّد ترف عابر، بل هي الشريان الأبهر للبلد والمحرّّك الأساسي للعجلة الاقتصادية والسياحية. ففي مــواجــهــة الأزمــــــات المالـــيـــة الـصـعـبـة، تـلـعـب هـذه المهرجانات دور المغناطيس الجاذب للمغتربين والسياح على حد سواء. على المقلب الآخــر لا يمكن تجاهل الندوب التي تركتها الظروف الراهنة على وجه الثقافة؛ حـــيـــث انــعـــكـــســـت الأزمـــــــــات الــهــيــكــلــيــة المــتــتــالــيــة ســـلـــبا عــلــى المــشــهــديــة الــفــنــيــة بـشـكـل عـــــام. لكن رغــم هــذا الـتـراجـع الإجــبــاري المخيّّب للآمـــال في بعض المفاصل، يُُثبت لبنان فـي كـل مــرّّة قدرته الاستثنائية على طي صفحات الركود من بو ّّابة المهرجانات الفنية والأحداث الثقافية. Issue 17500 - العدد Tuesday - 2026/10/27 الثلاثاء مــاذا يجري داخــل المنطقة الـواقـعـة خلف مـا يُُسمى «الخط الأصفر» في جنوب لبنان؟ ط ُُـــرح الــســؤال نفسه مــع إجــــراء إسـرائــيــل عمليات الاقــتــراع المبكر للجنود في عمق المنطقة المحتلة جنوب لبنان. لقد اختارت الـقـيـادة الإسـرائـيـلـيـة مـديـنـة بـنـت جبيل وبــلــدة زوطـــر الشرقية مركز ََين رئيسيين لصناديق الاقتراع. ولئن أُُدرج الحدث في سياق «ارتياح» المحتل الإسرائيلي، فالأمر سابقة لم يعرفها الجنوب . حدث 2000 و 1978 الذي سبق أن خضع لاحتلال طويل بين عامي لم يجد لدى بيروت السياسية الإدانة ولا الاستهجان. ّّــت صحيفة «نـيـويــورك تـايـمـز» الــوضــع داخـــل «الـخـط تـقـص بلدة طالها تدمير واسع ما زال 48 الأصفر»، فكشفت عن أن هناك مستمراً. لم يقتصر الدمار على المنازل والبنى التحتية، كشبكات الطرق والمياه والكهرباء، فتجاوزها إلى تدمير الأراضي الزراعية، ُُــرّّفــت وأتـــت عليها الـحـرائـق. لا سيما بــســاتين الـزيـتـون الـتـي ج ورََصـــــدت «نــيــويــورك تـايـمـز» ازديــــــادا فــي المـــواقـــع الإسـرائـيـلـيـة، وإقامة شبكٍة من الطرق والجسور تربط هذه المنطقة بالشمال الإسرائيلي، ليعطي ذلك انطباعا أوليا بأن تل أبيب عازمة على احتلال طويل الأمد. وإذا ما أخذنا في الحسبان أن تعداد السكان ألفاً، فإن 270 اللبنانيين الذين اقتُُلعوا وه ُُج ّّروا قسرا يبلغ نحو ما يجري على الأرض من انتهاكات يشي بأن إسرائيل تريد لهذا التهجير أن يكون مستداماً. بين الأخطر الذي تكشف عنه الصحيفة المذكورة أن الدمار لم يقتصر على الجغرافيا وما تحتويه من عمران وأراض زراعية، التي 48 بــل امـتـد إلـــى التركيبة الـديـنـيـة لـلـسـكـان... فـالـبـلـدات الـــــ أضحت غير صالحة للسكن، وتفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش، كانت تقطنها غالبية كبيرة من المواطنين الشيعة، ممن تتهمهم تـــل أبــيــب بـأنـهـم شـكـلـوا حـاضـنـة لـــ«حـــزب الـــلـــه»، وهـم ممنوعون مـن الــعــودة رغــم إعلانــــات وقــف الـنـار (...). وتــــوازياً، فإن بلدات أخرى يقطنها سكان من طوائف أخرى، تقع إلى غرب المنطقة المحتلة ووسطها وشرقها وفي العرقوب هي اليوم جزر معزولة، وبعد انتهاء وجود «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» في الجنوب، فسيصبح مصيرُُها على كف الإجـرام المــــزدوج للعدو الإسـرائـيـلـي والميليشيات الــدُُّمََــى الـتـي يحركها النظام الإيراني. مــا هــو أشـــد خــطــورة حـيـال وضـــع المنطقة المـحـتـلـة، اعــتــزام إسرائيل توسعتََها لتحقيق ما يريده رئيس وزرائـهـا، بنيامين نتنياهو؛ «منطقة أمنية أعمق وأشد صلابة»، والذرائع موجودة ما دام لم يُُنزع السلاح اللاشرعي، فيتقدم الجيش الإسرائيلي من الشقيف ومنطقة علي الطاهر نحو جبل الريحان وتلال سجد وإقـلـيـم الـتـفـاح؛ لتدمير مـا تـدّّعـيـه تـل أبـيـب مـن أنـفـاق ومـخـازن أسلحة لـ«حزب الله»؛ ليحقق ذلـك خطوات على طريق العقيدة الأمــنــيــة الـــجـــديـــدة لإســـرائـــيـــل؛ الـــتـــي أعـلـنـهـا نـتـنـيـاهـو مـــؤخـــراً، وتدعو إلى الانتقال المباشر من سياسة احتواء التهديدات إلى مواجهتها، قبل أن تتحول خطرا مباشراً. وتدعو هذه العقيدة إلـى تنفيذ عمليات استباقية إذا رأت تل أبيب أن الأمـن القومي الإسرائيلي يتطلب ذلك (...). خطورة ما يحدث خلف «الخط الأصفر»، هو ما يحمله من تمهيد لضم إسرائيل هـذا الجزء المحتل، بوصفه منطقة «دفـاع متقدم». والأمر الأشد خطورة أنه كلما طال أمد الاحتلال، صارت استعادة الأرض أشد صعوبة. وإذا أخذنا في الحسبان تسارع الأحـــداث، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستقع، بـل: متى موعدها؟ والأرجح أنها ستحمل تدميرا شديداً، وكل الاحتمالات ِِــف عـن أن واشـنـطـن منعت تـل أبـيـب مـن بدء مفتوحة. ولـئـن كُُــش أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فـسلاح الجو 10 الضربات يـوم الإسـرائـيـلـي يُُــجـري مــنــاورات تدريبية حتى الــحــدود الإيـرانـيـة، تزامنت آخرتُُها مع انعقاد اجتماع نتنياهو مع بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي، وبعدها كشف الرئيس الأميركي، دونالد تــرمــب، عــن أن بلاده لا تـتـفـاوض حــالــيا مــع إيـــــران، وأضــــاف أن «هناك شيئا ما سيحدث بطريقة أو بأخرى قريباً». ستشمل الـحـرب الآتـيـة إيــــران ومــحــورََهــا، ويـرجـح لبنانيا تكون الطريق مسهلة للعودة بعدها إلى «الاتفاق الإطـاري»، ا أل ّا الذي قبلت به إسرائيل مكرهة، في حين أدى التردد والسياسات الرمادية إلى فرملة البدء الجدي في تنفيذه، وفق معادلة لا فكاك منها؛ هي: «الأرض مقابل السلاح». هنا المعيار الجدي لانتشال لبنان يتجاوز قــرارات حصر الــسلاح، إلى تفكيك الجيش البنى العسكرية والأمـنـيـةََ، كما تفكيك السلطة بنى «الـدويـلـة» المالية والاقـــتـــصـــاديـــة والـــتـــربـــويـــة؛ لإنـــهـــاء الـــوضـــع الـــشـــاذ الــــذي قـــو ّّض الدولة؛ ولإنهاء الذرائع الإسرائيلية. كـــــان وزيــــــر الـــخـــارجـــيـــة الأمــــيــــركــــي، مــــاركــــو روبــــيــــو، شـديــد الـوضـوح مـع الرئيس نـــواف سلام عندما لفته إلــى أن «الاتـفـاق الإطـــــاري» رســـم ثلاثـــيـــة: نـــزع الـــــسلاح، ومـــن ثــم انـتـشـار الجيش وتمكينه، ثـم الانـسـحـاب الإسرائيلي إلــى خــارج الــحــدود. ونـزع السلاح يشمل كل لبنان. بهذا الـسـيـاق؛ فــإن التعامل الرسمي مـع شحنة المتفجرات التي ص ُُودرت في ضهر البيدر، وقد مضى على ضبطها أكثر من أسابيع، كشف عن فجوة عميقة بين التعهدات والتنفيذ، فأثار 3 ذلـك الأسئلة بشأن امتناع السلطة عـن وضـع قـوة الشرعية في وجه الخارجين عليها. «نزع السلاح وتفكيك البنى التحتية المرتبطة به» طريق لا بديل عنها للخلاص من إسرائيل التي تحتل الأرض، وإيران التي تعمل بكل ثقلها للإبقاء على ذراعها المسلحة. هذه حقيقة بسيطة كاشفة لا تحتاج إلى التدليل أو البرهنة؛ فقد كشفت مدينة تعز الصامدة حقيقة الميليشيا الحوثية الإرهابية التي تتاجر بمأساة الفلسطينيين كذبا وزوراً، بينما تذيق اليمنيين القتل والتجويع؛ فمن يمنع شركاءه في الوطن الغذاء والدواء، ويهدد مصادر مياههم وحياة مرضاهم، يفضح بسلوكه الإجرامي زيف شعاراته. لقد حوّّل الحوثيون فلسطين إلى غطاء لجرائمهم، وغزة إلـــــى ذريــــعــــة لــتــوســيــع نـــفـــوذهـــم وتـــبـــريـــر سلاحــــهــــم، لـكـن الارتزاق بدماء الفلسطينيين لن يغسل الجرائم بحق أهل اليمن أبداً، ولا ينبغي أن يكون ذريعة للصمت عنها. تسقط هـذه الدعاية أمــام واقــع تعز المحاصرة، حيث ََّــل مـقـومـات الــحــيــاة. وقـــد حــــذ ّّرت الأمـــم المـتـحـدة في تـتـعـط أكتوبر (تشرين الأول) من اقتراب النظام الصحي من 20 الانـهـيـار، ومــن تهديد نقص الـوقـود لإمــــدادات الأكسجين الـطـبـي، مطالبة الـحـوثـيين بفتح ممر آمــن للإغــاثــة. ومع ذلــك، لـم تستدع الـكـارثـة ردّّة فعل تتناسب مـع فداحتها. ومرد ذلك إلى عطل بنيوي في ذهنية الجماهير المسيّّسة، له جذور في ثقافتنا السياسية العربية، يتمثل فيما يمكن وصـفـه بــ«ذهـنـيـة الاصــطــفــاف»؛ حيث يُُستدعى الضمير حين يـــكـــون المـــعـــتـــدي عــــــدوا خـــــارجـــــياً، ويُُـــســـتـــعـــاض عـنـه بالصمت، وربما التبرير، حين ترتكب الجريمة ميليشيا أو تنظيم يرفع شعارات مؤدلجة تداعب مشاعر الحشود. والحال أن استهداف تعز يتجاوز الانتقام من مدينة عــصــيــة عــلــى الـــخـــضـــوع؛ فــهــو يــســتــهــدف ركـــيـــزة ثـقـافـيـة ورمـــزيـــة فــي تـكـويـن الـيـمـن الـسـيـاسـي، حـتـى تــكــاد تكون العاصمة الهويّّاتية لليمن الـحـديـث. كانت تعز عاصمة الدولة الرسولية، ثم اتخذها الإمام أحمد مقرا للحكم بعد . ويكشف 1962 ، حتى قيام الجمهورية عـام 1948 أحــداث انتقال مركز الحكم إليها قيمتها في موازنة مراكز النفوذ اليمنية. وعبر اتصالها بـعـدن، ترسخت مكانتها مركزا للتجارة والتعليم والعمل السياسي الحديث، وبرز أحمد محمد نعمان أحــد أهــم رمـــوز الـحـركـة الـوطـنـيـة؛ ثـم حمل أبناؤها على عاتقهم فكرة الدولة ومشروع الجمهورية، قبل أن تكشف تصفية عبد الرقيب عبد الوهاب، في أعقاب ، حـــدود قبول مـراكـز القوة 1968 صــراع الجمهوريين عـام التقليدية بمشاركة النخبة المقبلة من هذه المدينة. وفـــي عـهـد عـلـي عـبـد الـلـه صــالــح، ظـلـت تـعـز تتأرجح بين مركزيتها في الإدارة والاقتصاد، وضعف وزنها داخل مراكز القرار السياسي والعسكري. وبعد الوحدة، انطلقت ، قبل أن تصبح أحد 1992 منها احتجاجات المعيشة عام ، ضمن موجة ما س ُُمّّي 2011 أبـرز مراكز احتجاجات عـام «الربيع العربي». ومنحت الجغرافيا، التي كثيرا ما تُُغفل عند تفسير التاريخ وتحولاته، تعز قوة إضافية؛ إذ تصل مرتفعاتها الـــداخـــل الـيـمـنـي بـسـاحـل الـبـحـر الأحـــمـــر، وتـمـتـد طرقها جنوبا نحو عــدن، وغــربا نحو المخا، لتشكّّل ظهيرا بريا لـبـاب المــنــدب. ومــن منظور الجغرافيا السياسية، يمكن وصفها بـ«المدينة العقدة»، لقدرتها على وصل الجبهات أو فصلها والتأثير في موازين القوى؛ فتثبيت السيطرة على الـسـاحـل يرتبط بـتـأمين المـرتـفـعـات والــطــرق المـؤديـة إلـيـه، كما أن التقدم نحو الجنوب يصطدم بهذه العقدة الجغرافية والعسكرية. تضع هــذه المعطيات تعز فـي مـوقـع حـاسـم بموازين الـــحـــرب الـيـمـنـيـة، ويـمـنـح اســتــمــرار حــصــارهــا الميليشيا مكاسب تتجاوز تطويق المدينة؛ إذ يُُلزم القوات التابعة للشرعية تخصيص مواردها للدفاع عن المنافذ وحماية المـــواقـــع، ويــحــد مــن قـدرتـهـا عـلـى المـــبـــادرة. وهــكــذا يـوظ ّّــف الـــحـــوثـــيـــون الـــضـــغـــط عـــلـــى تـــعـــز لــتــخــفــيــف الـــضـــغـــط عـن مواقعهم في جبهات أخـرى، ويحوّّلون الحصار إلى أداة لإدارة الحرب، بثمن إنساني باهظ يدفعه سكان المدينة، وتـمـتـد تـداعـيـاتـه إلـــى مـحـافـظـة يــزيــد عـــدد سـكـانـهـا على أربعة ملايين نسمة. وتمثل تعز اختبارا لقدرة اليمنيين على توحيد القرار العسكري والسياسي؛ فالقوى المناهضة للميليشيا تملك مــوارد بشرية وعسكرية واسعة، لكن أثرها يظل مرهونا بقدرتها على تجاوز التشتت وتحويل هذه الموارد إلى فعل منظم. ومن شأن فك الحصار وتأمين اتصال المدينة بعدن والساحل أن يوس ّّعا خـيـارات الشرعية، ويـحـدّّا مـن قـدرة الحوثيين على عـزل الجبهات واستنزافها تـبـاعاً. وبهذا يـصـبـح فـــك حــصــار تـعـز مـــــدخلا لـكـسـر قـبـضـة الميليشيا واستعادة الدولة؛ إذ يصعب تصور استقرار يمني مستدام مع بقاء هذه العقدة الوطنية تحت الحصار والابتزاز. حــصــار تـعـز جـريـمـة بـحـق الـيـمـن والـيـمـنـيين؛ فكيف وقـــد أضـــافـــت إلـيـهـا المـيـلـيـشـيـا اســـتـــهـــداف بلاد الــحــرمين والعدوان عليها، واستفزاز أكثر من مليار ونصف مليار مـسـلـم يـتـوجـهـون إلـــى مـكـة المـكـرمـة -شـرفـهـا الــلــه- خمس مـــــرات فـــي صلاتــــهــــم، مــمــا كــشــف كـــــذب ادعــــــاء الــحــوثــيين نــــصــــرة غــــــزة، وفــــضــــح، عـــلــى مــــــرأى ومــســـمـــع مــــن الـــعــالـــم، ابتزازََها ومحاولتها فرض النفوذ بالقوة. دماء اليمنيين لا تـمـحـوهـا «الـــصـــرخـــة»، وجـــرائـــم المـيـلـيـشـيـا لا تغسلها الشعارات، ولو رفعت اسم فلسطين ألف مرة. دماء اليمنيين لا تمحوها «الصرخة» وجرائم الميليشيا لا تغسلها الشعارات ما يحدث خلف «الخط الأصفر» تمهيد لضم إسرائيل هذا الجزء المحتل بوصفه منطقة «دفاع متقدم» حنا صالح يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 من يحاصر تعز لا ينصر غزة! امتحان لا مهرب منه لبنان... الفنون المحرك الأساسي للاقتصاد قبل أن يصحو لبنان على كابوس الأزمة الاقتصادية الخانقة عام كانت ليالي الصيف ترسم 2019 لوحة عنوانها الفن والعالمية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky