issue17493

فـــي قـلـب الـعـاصـمـة الـبـريـطـانـيـة، لـنـدن، وحــتــى قــبــل أن تـتـسـاقـط الأوراق الـخـريـفـيـة بـــالـــكـــامـــل لـــتـــفـــرش دروب حـــديـــقـــة ريــجــنــت بـــســـجـــادهـــا الــــذهــــبــــي، تــنــتــصــب الــخــيــمــتــان الــعــملاقــتــان الــلــتــان تـخـتـصـران نـبـض سـوق الـفـن الـعـالمـي وذاكـــرتـــه، حـيـث تلتئم نسختا هـذا العام من معرََضي «فريز لندن» و«فريز مـــــاســـــتـــــرز» لــــتــــؤكــــدا مـــــجـــــددا أن الـــعـــاصـــمـــة الـبـريـطـانـيـة لـيـسـت مــجــرد ســـوق تـــــداول، بل مختبر نـقـدي حـي يتلمس تـحـولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هــــذا الـــعـــام لـيـسـتـا مـــجـــرد مــســاحــات لـعـرض الـسـلـع الـبـصـريـة الــفــارهــة، بــل تـحـولـت تحت أقـــــدام الــــــزوار والـــقـــيّّـــمين إلـــى ســاحــة اشـتـبـاك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية المــوروثــة مـع أصـــوات الهامش والجسد والمادة، مانحة النقاد فرصة نـادرة لــتــشــريــح أيــــن يــتــجــه الـــفـــن المـــعـــاصـــر، وكـيـف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين. إذا تجولنا أولا في أروقـة «فريز لندن»، غاليري من مختلف 172 سنرى كيف انشغل أصـــقـــاع الأرض بـتـفـكـيـك الــحــاضــر وتـشـريـح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مــــثلاًً، يــقــدم الـفـنـان الــبــرازيــلــي دالـــتـــون بــاولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاســـتـــعـــمـــاريـــة بين الــــقــــرنين الــــســــادس عـشـر والــتــاســع عــشــر، مـسـتـخـدما ضــربــات فـرشـاة رقــيــقــة وســـطـــوحا حـلـيـبـيـة تـمـنـح شـخـوصـه طابعا طيفيا يرفض النسيان. وإلــــى جــــوار هـــذه الــصــرامــة الـتـاريـخـيـة، تقتحم الـفـنـانـة الأمـيـركـيـة لـوسـي دود، عبر غـالـيـري «ســبــروث مــاغــرز»، فـضـاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والــتــآكــل والـتـشـكـل، لاغــيــة الـــحـــدود الفاصلة بين الـــلـــوحـــة كـــكـــائـــن جـــمـــالـــي مــســتــقــل وبين الــطــبــيــعــة فــــي صـــيـــرورتـــهـــا الـــحـــيـــة، وهـــــو مـا يـعـيـدنـا بـرهـافـة تشكيلية إلـــى «فـــن الأرض» ، ولا يـــقـــل عــنــهــا حــــضــــورا الــفــنــان Land art الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكدا أن الملمس المادي للعمل الفني هـو جــزء لا يتجزأ مـن حمولته السياسية والنفسية. وعــلــى الـضـفـة المـقـابـلـة لـلـحـديـقـة، حيث يعيد «فـريـز مـاسـتـرز» كتابة الـتـاريـخ الفني بعيون واعـيـة نـقـدياً، تتجلى بـوضـوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فـيـكـتـوريـا مــيــرو» قــد شـكـل الــعلامــة الـفـارقـة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية ألــــيــــس نـــيـــل وهــــــي تـــعـــيـــد تـــعـــريـــف الـــحـــداثـــة الـجـنـدريـة والإنـسـانـيـة النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية. وفـــــــي الاتــــــجــــــاه نــــفــــســــه، يـــــبـــــرز حـــضـــور غــالــيــري «لـــوفـــت آرت» مــســلــطا الـــضـــوء على ريـــــادة الــحــداثــة فـــي شــمــال أفـريـقـيـا والــشــرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الــحــرفــي الأمـــازيـــغـــي. ولا يـغـفـل المـــعـــرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات )8th Street Club The( نــادي الـشـارع الثامن وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكن وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري فـي نـيـويـورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظ ََللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مــثــل غـــالـــيـــري «بـــيـــري كـــامـــبـــل» وتــكــشــف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة. لغة الأرقام الفنية أم ّّـــــا عــلــى صـعـيـد لــغــة أرقــــــام المـبـيـعـات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الـــوزن تجسد صـــدارة القطع المـتـحـفـيـة عـــالمـــياً؛ إذ بـيـعـت لــوحــة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بــروغــيــل الأكـــبـــر لــــدى غــالــيــري «هــــــاوزر أنــد مليون دولار، تليها 6.5 ويرث» بمبلغ ناهز لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان 1.5 بــ ألـــف دولار 600 المفاهيمي جـــورج كــونــدو بـــــ بـــالـــتـــســـاوي مــــع عـــمـــل بـــــرونـــــزي لأنـــطـــونـــي غـورمـلـي، بينما بيعت لـوحـة للفنانة كــارا ألف دولار. 400 ووكر بـ جغرافيا الفن العربي ولــــــم يـــكـــن الـــــوجـــــود الــــعــــربــــي فـــــي هـــذا الـحـدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هـــامـــشـــيـــة، بــــل امــــــتــــــدادا لــــقــــوة حــــواريــــة تـــفـــرض حـــضـــورهـــا الـــجـــمـــالـــي والمـــفـــهـــومـــي بـــثـــبـــات؛ حــيــث وضـــعـــت الــــصــــالات الـعـربـيـة بصمتها التأسيسية مــن خلال مـشـاركـات نوعية شقت قـنـوات جـديـدة لـلـرؤيـة. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعــــد ورايـــــــان تـــابـــت، بـيـنـمـا نــجــحــت صـالـة أثـــر (جــــدة/ الـــريـــاض) فــي لـفـت الأنـــظـــار إلـى الـتـحـولات المـعـاصـرة فـي المشهد السعودي عـبـر مــقــاربــات فـنـيـة ومـفـاهـيـمـيـة لـلـفـنـانين مــثــل أحـــمـــد مـــاطـــر ورامــــــي فــــــاروق ومـحـمـد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة. وعلى صعيد «فـريـز مـاسـتـرز»، فرض غـالـيـري «لــــوري شبيبي» (دبــــي) حـضـوره عــبــر عــــرض أعـــمـــال الــفــنــانــة الـفـلـسـطـيـنـيـة الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثـارهـا الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والــذاكــرة والــنــزوح بشاعرية مكثفة. وســـجـــل غـــالـــيـــري «المـــــرســـــى» حـــضـــورا لافـــتـــأ عــبــر الاحـــتـــفـــاء بـــالأعـــمـــال الإيــقــاعــيــة والـــتـــجـــريـــديـــة الـــفـــريـــدة لــلــفــنــان الــتــونــســيالفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسرا بصريا يمزج بين الـذاكـرة الأفريقيةالــعــربــيــة والــتــقــاطــعــات الـخـطـيـة المــعــاصــرة لـتـؤكـد أن الـجـغـرافـيـا الـعـربـيـة أضـحـت أحـد المحركات الأساسية لإعــادة تشكيل المشهد البصري المعاصر. تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المـصـريـة ديـنـا شـحـاتـة مــن عتبة غنائية، تـسـتـعـيـر عــنــوانــهــا مـــن أغــنــيــة لــلــمــطــرب الـشـعـبـي الـراحـل حسن الأسـمـر، المفضل لـدى بطلها «طـارق الــعــايــق»، الـــذي يـبـدو كـأنـه خـــرج مــن عـالـم الأغنية نفسها، مـحـملا بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق. مـــن هــــذه الـعـتـبـة يـمـتـد الــطــابــع الـشـعـبـي عبر ســطــح الـــعـــالـــم الـــــروائـــــي، المــعــبـــأ بــــأصــــوات الــبــاعــة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولا إلـى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكـــرة السينما المـصـريـة فـي تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة. ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بــابــنــة جــيــرانــه «مـــيـــرفـــت» تـتـسـع أســئــلــة الـخـديـعـة لـتـطـال تـــصـــو ّّرات الـبـطـل عـــن نـفـسـه، وعـــن الـنـجـاح والمكسب والـخـسـارة، وعــن حــدود إنسانيته داخـل المدينة التي ينتمي إليها. يستعيد طـارق حكايته مع ميرفت بوصفها خــســارتــه الـــكـــبـــرى، كــــأن حــيــاتــه انـقـسـمـت إلــــى ما قـبـل هـــذه الــعلاقــة ومـــا بـعـدهـا، غـيـر أن الـخـسـارة الـعـاطـفـيـة تــأتــي ضــمــن سـلـسـلـة مـــن الإخـــفـــاقـــات؛ فـــالـــرجـــل الــــــذي لــــم يــنــجــح فــــي الاحـــتـــفـــاظ بــوهــج قصته مــع حبيبته، لــم ينجح كـذلـك فــي تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابـــــس المـسـتـعـمـلـة فـــي ســــوق «الـــبـــالـــة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحم ّّله مسؤولية الهزيمة. وهـــكـــذا تــتــجــاوز مـــفـــردة «انــخــدعــنــا» دلالـتـهـا الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة الـــتـــي تــضــعــهــا ديـــنـــا شـــحـــاتـــة داخــــــل بـــنـــاء ســــردي يـسـتـعـيـر مـنـطـقـه مـــن لـعـبـة «الـــدومـــيـــنـــو»، لـتـتـوزع الــروايــة عبر أربــع جـــولات، تتخللها فـواصـل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولا إلى «قفلتها» الأخيرة. لتصبح لعبة الـدومـيـنـو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والـــخـــســـارة، بـيـنـمـا تــظــل كـــل قـطـعـة مـــرهـــونـــة بما يسبقها وما يليها. مـن خلال هــذا الـتـرتـيـب، تسحبنا الــروايــة من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صـــوت ســــردي ثــالــث هــو صـــوت المــديــنــة، لتكتسب «بورسعيد» حضورا سرديا مستقلا ًً، بوصفها ذاتا تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها. حدود الراوي العليم تــبــلــغ هــــذه الـــنـــديـــة ذروتــــهــــا فـــي تـــحـــدي المــديــنــة لمـعـرفـة الــــراوي العليم نـفـسـه، ووصــفــه بـأنـه «الــــراوي نـاقـص المـعـرفـة»، لتشمل لعبة الــروايــة تـحـدي سلطة السار ِِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد .1859 بورسعيد مع حفر قناة السويس عام في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكــرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتـبـط اسمها فـي الـوجـدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضا تاريخا من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلـى مواجهة الـعـدوان الثلاثي ،1967 ، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1956 عام وصولا إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها. ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الــــروايــــات الــكــبــرى عـــن المــجــد والانـــتـــصـــار، بــمــا فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والـــحـــيـــوات الـصـغـيـرة الــتــي تـــــوارت خـلـف الـتـحـولات الـسـيـاسـيـة والاقــتــصــاديــة، وتستعيد المـديـنـة تـاريـخ ميلادها بوصفه جـرحا جـسـديّّاً، تتجاور فيه صورة الـشـريـط الـسـاحـلـي الـــذي شقته الـــفـــؤوس مــع أجـسـاد الـعـمـال الــذيــن احتضنتهم الـــرمـــال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة. تـتـبـدى أنـسـنـة المــديــنــة فـــي نـديـتـهـا لـلـبـطـل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طـارق، عشر ســنــوات لــم تـكـف الأيــــادي عــن الـحـفـر، تمنيت لــو يتم مسحها من ذاكـرتـي»، لتمنح خساراته الفردية عمقا أبــعــد فـــي ذاكـــــرة المـــكـــان، فـكـمـا يـتـمـنـى طــــارق نـسـيـان سـنـوات عمله فـي التهريب وتـجـارة الملابـــس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت. وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاًً. قـسـوة أن تـــرى دون فـعـل؟ ومـــا رأتـــه عـيـنـاي في ولادتي، ما كان يجب أن يُُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد. ومــــن هــنــا تــتــجــاوز الـــــــوازاة بين الــبــطــل «طــــارق الـــعـــايـــق» ومــديــنــة «بـــورســـعـــيـــد» مـــجـــرد الــتــشــابــه في الــخــســارة؛ فبينما يـــرى طـــارق أن خـديـعـتـه بـــدأت مع مـيلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حــيــث تـتـشـكـل مــصــائــر الأفـــــــراد فـــي امــــتــــداد الـــشـــروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها. على وقع المعرض تحولت أقدام الزوار والقيّّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة الثقافة CULTURE 18 Issue 17493 - العدد Tuesday - 2026/10/20 الثلاثاء شهد مشاركة عربية فرضت حضورها الجمالي بأعمال متنوعة مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي لندن: فيء ناصر القاهرة: منى أبو النصر من مهرجان فريز في قلب العاصمة البريطانية لندن (الشرق الأوسط) عبد الله الغذامي التاريخ إذ يسكننا ونسكنه التاريخ سيرة من مضوا حسب مفهومه التقليدي، غير أن هناك تاريخا بمعنى الذاكرة الثقافية والذاكرة الوجدانية، والذي يبقى حيا هو معنى الذاكرة من حيث إنها تمهر في التمرد على الوقائع والوثائق وتنفر منها، لذلك تُُعنى بترجمة الأحـداث ترجمة فيها ترميز وتشفير، لذا تختار من الوقائع ما يتسق مع رغباتها أو مع تخوفاتها. فسير الخصوم لا بد أن تكون سلبية حسب سلبية الخصم، مقابل تاريخ الــذات الـذي يتم تجميله وتطريته لأنـه مرجعية وجدانية متجاوزة للوثائقي، ومـــن ثــم فـهـو حـصـانـة روحــيــة ورمـــزيـــة. وكــذلــك فمعنى الــــذات يـشـك ِِّــل مرجعية تسندها الذاكرة بفعل التذكير بها كلما اقتضتها الضرورات الوجدانية. والمثل يقول «كل فتاة بأبيها معجبة»، وتكبر هذه الفتاة لتكون ذاكرة، أي شعباً؛ حيث يتسع معها ويتسامى فيها معنى الأبوة أو الأمومة، فالأبوة هي القوة العملية، أمــا الأمــومــة فهي المحبة ورحـــم المعنى الــروحــانــي. وتـاريـخـنـا سيكون أمـجـادا وروحانيات حسب تقلب الزمن معنا، ففي الأزمات تحضر الأبوية، وفي الرخاء تلين الـروح مع قصص المحبة وقصائد المتعة، فـ«عبلة» مـثلا فتاة حرة شفيفة فيها معاني الحب والوفاء للمحبة، و«عنترة» فارس مغوار انتصر على ظروفه ورفع رايته بجهده وعلو مطامحه، وما بين «عبلة الرمزية و«عنترة» النموذج تحضر وظيفة الذاكرة التي لا تقبل الفرز ولا التوثيق لتنتمي إلى الرمزين معا في تبادل متصل وتصديق مطلق بالرمزيتين، بينما سيظهر العدو في صيغة الوحش الغدار، وتتجاور الصور في تشابك يلين حين تتقارب المصالح أو حين التحالف ضد عدو مشترك، وما تلبث الذاكرة أن تستعيد وظيفتها في تفعيل الفروق والتباينات، فمثلا تتكاره فرنسا مع ألمانيا بخلفية عميقة لكنها تترك حيزا لتصالحات ظرفية وإن ظلت قابلة للانقلاب على ذاتها. وعلامـــة ذلــك مـا نـــراه على عملة الــيــورو الـتـي تـوافـق عليها المتخاصمون قديماً، لكن حين بحثوا عن رمـوز يضعونها على اليورو حضرت الذواكر لكي تقضي على الفكرة؛ فكل رمز لإحدى الدول يثير ذاكرة دولة أخرى ويفتح مخازن العداء المطبوع في ذاكرة الأشياء والرمزيات، لذا قرر الأوروبيون أن تُُطبع ورقات اليورو من دون صور معينة لشخصيات أو أماكن، ولجأوا إلى صور طيور أو رسومات لا تتصل بتاريخ المكان ولا بأمجاد أي دولة من دول الاتحاد التي هي منطقة وعـرة وغير مأمونة المصير لما تحيل إليه من ذاكـرة الثقافات الأوروبية التي هي منظومة آلام وضغائن مهيأة للانفجار في أي لحظة، ولو حضر الواقع لجاءت معه الوقائع، فكل شيء فيه يناقض كل ما يأمله الاتحاد الأوروبــي من حيث هو مشروع ضد الذاكرة، ولن يتمكن في النهاية من قتل الذاكرة تلك لأنها تستطيع أن تغيب بقدر ما تستطيع أن تحضر. ومـثـل ذلـــك حين يََــلــوح الصليب المـعـقـوف فــي شــعــارات بـعـض التنظيمات اليمينية في أوروبــا فيبعث زمن النازية فيوتِِّر الذواكر وتقوم حـروب الذاكرة. وتظل الرغبات ماسة لقتل الذاكرة، وهـذا تصرف يعني ممارسة القتل المتعمد للذاكرة أو في الأقل تسكين براميل البارود وتأجيل الانفجار. ولكن ذلك مسعى عصي على النسيان، ومهما جرى كتمانه فهو يظل على جانب الطريق يسير في ظل السائرين ولا يحتاج إلا للمسة زر الذاكرة لكي ينفجر. التاريخ إذن سكن للمعنى المعتق لدرجة أنه معنى ينازع كل المعاني ويغلبها في معظم الحالات، لذا يصعب التحرر من سلطة التاريخ علينا، وحتمية التاريخ تفوق حتمية الجغرافيا، فالجغرافيا مكان مؤط ََّر بحدود، لكن التاريخ يترحل مع البشر كأنما هو أجسادهم، وهل ينفك أحد من جسده؟! هـذا يفسر أخطر عُُقد الـعلاقـات العامة، أمـما ومجتمعات وأفـــراداً، والقول الـذي يقول «مـن عرفك صغيرا احتقرك كبيراً» هو من دلالات سلطوية التاريخ على المعاني وعجزِِنا عن التحرر منها. ونرى ذلك في معاجم اللغة، حيث يكتنز المعجم سلاســل دلالات يسردها كـل معجم مـع كـل مـفـردة مـن مفرداته التي هي سلسلة أنـسـاب الكلمات كما أنـسـاب الــــسلالات الـبـشـريـة. كـذلـك هـي حــال مـواد الذاكرة، فهي كالمعجم إذ يحتوي الكلمات مصحوبة بحمولات المعاني، وذواكرنا معاجم وحــاويــات هائلة فيها الـتـآلـفـات والـتـنـاقـضـات مـع جـاهـزيـة لكل أنــواع التوظيف والاستدعاء متى ما اقتضى المقام وقودا يتسق مع الظرف المحفز. النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky