تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طــارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافــدهــا الإنـسـانـيـة والـثـقـافـيـة، فـقـد و ُُلـــد في عاما يمََّم 25 القاهرة لأب سوداني، وفي سن شطر الغرب، وتحديدا النمسا التي يقيم بها عاما ً. 42 منذ ، صــــدرت روايـــتـــه الأولــــى 1992 فـــي عــــام «مـــدن بلا نـخـيـل» ثــم تــعــددت مـؤلـفـاتـه، ومـن المـتـجـهـة إلـــى فـيـيـنـا»، 797 أبـــرزهـــا «الــرحــلــة و«أط ُُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يــــقــــف خــــلــــف إشـــــــــــارة حــــــــمــــــــراء»، و«بــــيــــت الــــنــــخــــيــــل»... هـــنـــا حــــــوار مـــعـــه حـــــول روايـــتـــه الجديدة وعالمه الأدبي. * في روايتك الجديدة «رأيـت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والـده فــعلاًً... ألم تكن قاسيا في تجسيد السلطة الأبوية؟ - فكرة قتل الأب أدبيا وفلسفيا ترمز في مضمونها إلـــى فــكــرة تــمــرّّد نــابــع مــن سلطة الأب أو جــــبــــروتــــه، وهـــــي أيــــــضا تــعــبــيــر عـن ع ِِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر. ن له مـن يـقـرأ العمل بلا اجــتــزاء، سـيـتـبي ّن أن الــعلاقــة بين الابـــن بلال والأب تتبع مبدأ (وبـــالـــوالـــديـــن إحــــســــاناً)؛ علاقـــــة فـــي م ُُــنـتـهـى ّّــر الــلــطــف والــــــلين والمـــحـــبّّـــة مـــن الابــــــن، يُُــحــض للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الـــذكـــريـــات المـبـهـجـة، ويــتــذكــر دوما المـعـامـلـة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير. فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هــــو عــــن الـــتـــصـــرف لا جـــحـــود فـــيـــهـــا، بــــل هـو يتمّنّى أن يـأتـي أبـــوه إلـــى هـــذا الــبــرزخ الــذي يستعيد فيه كل شخص عافيته وشبابه. * بـــدا لبعض الــقــراء أنـــك تـنـحـاز لمـوقـف الابــن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟ - الـــجـــحـــود هــــو إنــــكــــار المــــعــــروف وعــــدم الاعـتـراف بالفضل، والعكس فـي الـروايـة هو الموجود. الابـــن يـبـوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبـيـه، بلال لا يتمّنّى أن يكون أبــوه في هــذا الـوضـع المُُــحــزن، يعترف بضعف طاقته كــابــن. لــم يََــظـهـر مـنـه خلال الـــروايـــة بالكامل أي لفظ يدل على جحوده بأبيه، بل إنّّه حين يــحــكــي نــتــعــاطــف مـــعـــه بـــالـــقـــدر نــفــســه الــــذي نتعاطف فيه مع الأب. * هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟ - لا تـوجـد سلطة أبـويـة فـي الــروايــة ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض م ُُره ِِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأن الأدوار تبدّّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته. حين أصـبـح بلال فـي الـبـرزخ مـع الموتى - الأحـــيـــاء، ورأى بنفسه هـنـاك بـهـاء الحياة ونـعـيـمـهـا وأدرك أن كــــل مـــريـــض قـــد بــــرأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان. م ََـــــــن ســــيــــتــــجــــاوز هـــــــذه الـــنـــقـــطـــة المـــهـــمـــة ِِــل بـفـكـرة الـنـص؛ ويــتــســرّّع فــي الـــقـــراءة سـيـخ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى. * لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفـق تعبيرك... هل يمثل لك هـذا الكاتب السوداني الشهير نـــوعا مــن «الـسـلـطـة الأبـــويـــة» الـتـي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟ - الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوما كـل ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضا أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصـــل، فـانـتـقـادي يتعلّّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبيا أو قديسا لن يأتي مـن بـعـده مـن يمكن أن يـكـون جـديـرا بالتفرّّد والإبداع الجديد والمم ّيّز. فكرتي بوضوح التي عبََّرت عنها مرارا أن الطيّّب صالح سيبقى دوما مصدر إلهام لكثير من الأدباء في كل مكان، وهذا أمر جيّّد وطبيعي لكاتب فريد من طراز الطيّّب صالح، أم ّّـــا مـسـألـة كـونـه سـقـف الـــروايـــة الـسـودانـيـة؛ فهذا شــأن ضــار تََسبّّب فيه الناقد المتساهل أولا ثم القارئ المتسرّّع ثانيا بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم». هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب الــســودانــي بـرُُم ّّــتـه ويـغـلـق الــبــاب مــن الـبـدايـة بـــفـــرضـــيّّـــة: «لا أدب ســـــودانـــــيا بـــعـــد الــطــيّّــب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟ * هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب الـــســـودانـــي فـــي شــخــص الــطــيــب صـــالـــح، عــلــى نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟ - سـبـق أن أكـــدت كـذلـك عـلـى أنـــه يـكـاد لا يخلو أي نقد عن كاتب سوداني من الوقوف عـنـد نـاصـيـة الـطـيّّــب صـالـح والـــبـــدء منها أو ْْـــحـــاف في الانـــتـــهـــاء بــهــا، وهــــذا يــــدل عــلــى إج براعة وتم ُّيُز الكتابات السودانيّّة التي تسبََح ِِــك ََــة الـطـيّّــب فــي عــالــم آخـــر بـعـيـد تــمــاما عــن س صالح. معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب الـــســـودانـــي الــجــديــد ويــــراوغــــون بـاسـتـيـعـاب كتابات الطيّّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعي ّّة لكل أدب سوداني ب ََعده. * أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟ - الــهــويّّــة تـتـبـدّّل كــل لـحـظـة باستيعاب المزيد من اللّّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تـمـحـو قــديــما لتنسخ جـــديـــداً، هــي حاملة متغيّّرات على أصــل ثـابـت لا يتغيّّر. الهويّّة كائن حـي يعيش ويـتـزوّّد ويـتلاقـح ويتجدّّد ليضيف ويُُثبت وجوده الأصلي وجذره الذي لا يفنى. هـويـتـي مـكـونـة مــن عـنـاصـر مــتــعــد ّّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلـى جذر هوّّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد. مـــيلادي فـي الـقـاهـرة ونـشـأتـي منحاني نِِــعـما كثيرة. وجــود الأب الـسـودانـي منحني بــلــدا كـــــاملا يـمـتـزج بــهــو ّّيــتــي. فـيـيـنـا درََســــت فيها وتـخـرّّجـت وعملت بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربـعين سنة وتزوجت من أهلها. أضـاف كـل ذلـك لي ولهوُُيتي التي أعتز بها. إنها نِِعمة كبيرة أن يكون للإنـسـان كل هذه الروافد الثقافيّّة والإنسانيّّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّّزه فيشقى! * كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شـمـال وادي النيل وجـنـوبـه، إلــى جـانـب الـحـيـاة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟ - بــعــد ربــــع قــــرن مـــن الـــحـــيـــاة فـــي مصر 42( انتقلت إلى النمسا وأقم ُت فيها حتى الآن سنة)، حملت معي كـل هـذا الخزين الحياتي بح ُُلوه وم ُُرّّه. معرفتي العميقة بـالـحـيـاة فــي النمسا سـواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّّة لـلـحـيـاة قـبـل الـكـتـابـة. كـتـبـت عــن الـنـمـسـا من خلال مــعــرفــتــي الـــوطـــيـــدة بــالــلــغــة الألمانــــيّّــــة ََـــق وبـــــالـــــعـــــادات والـــتـــقـــالـــيـــد وتــــحــــديــــدا الـــن ََّـــس الاجــتــمــاعــي الـــوســـط أوروبـــــــي، هــــذه المـعـرفـة مكّّنتني مـن الكتابة مـن كثب مـن الـداخـل عن الداخل. كـــتـــبـــت بـــتـــفـــاصـــيـــل دقـــيـــقـــة عـــــن أبـــطـــال وبـطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هـنـاك وعــن انتقالهم إلــى فيينا. ظـهـرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت الـنـخـيـل»، أيـــضا فــي قـصـة علاقـــة مستحيلة، المتجهة 797 لكنها نجت ونجحت في «الرحلة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كل مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً». كذلك، كتبت عن غرائبي ّّة تحقق الأمنيات حين تــأتــي بـالـخـطـر والـــرعـــب فـــي «لــهــو الإلـــه ََــــف ّّــــرت الـــصـــغـــيـــر»، فــــي كـــــل هـــــذه الـــــروايـــــات ض أفـريـقـيـا بـــأوروبـــا مــن خلال خـبـرة شخصيّّة وتـــجـــربـــة فـــنـــيّّـــة ضـــــروريّّـــــة لــكــتــابــة الــــروايــــة، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأث ُُّره بالبيئة عندما يكتب. * أصـــداء الـعلاقـة بين الـشـرق والــغــرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟ - تسلّّلت العلاقة في نصوصي ببساطة «فـــي» الــشــرق والـــغـــرب، ولـيـس «بين» الـشـرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّّة: عشت في وسط البلاد، حيث درََست بجامعة فيينا العريقة ثم درّّست فيها. كـــمـــا عــــشــــت فـــــي شـــمـــالـــهـــا، فـــــي مــديــنــة كريمس وأقم ُت في بيتنا في الريف في أقصى الـــشـــمـــال، وكـــذلـــك أقـــمـــت فـــي جــنــوبــهــا. وبـمـا أنهم يعدّّونني كاتبا نمساويّّا نشطا بينهم، مــنــحــونــي وســــــام الـــجـــمـــهـــوريّّـــة الــنــمــســاويّّــة وعيّّنوني سفيرا ثـقـافـيّّاً.(الـنـص كـــاملا على الموقع الإلكتروني) ومنحوني منحة «إلياس كانت ّّي» الكبرى وجعلوني أمثّّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّّموا لي الكثير غير ذلـك.* تحاضر فـــي ثلاث جــامــعــات غـربـيـة فـــي مــجــال شـديـد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟ - يـظـن أغـلـب الـنـاس أن الاقـتـصـاد مــادّّة جافّّة لا علاقــة لها بـــالأدب، في حين يــرون أن م ِِهنا أخرى أكثر قربا من الأدب أو أكثر جدارة أو قـدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن الـعـلـوم الاقـتـصـاديـة مـن أقـــرب الـعـلـوم إلى الأدب، فهي قمّّة التعامل العقلاني مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ الـــقـــرارات بـعـد تحليل دقــيــق مــن أجـــل إيـجـاد حــلــول لمــشــكلاتــنــا الاقـــتـــصـــاديـــة. والاقــتــصــاد يتضم ّّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحـــتـــكـــار وتــســلــيــح وفـــســـاد وأزمـــــــات بـيـئـيّّــة وديــكــتــاتــوريّّــات ومــصــالــح عــالمــيّّــة شـــريـــرة... وغـــيـــرهـــا، كـــــل هـــــذا يـــدخـــل بــيــســر مــــن بـــو ّّابـــة الاقتصاد إلى ميدان الأدب. الإلــــهــــام عــبــر الاقـــتـــصـــاد يــتــســلّّــل أيـــضا بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلـى روحي كـــإنـــســـان يـــحـــاول أن يــفــهــم الـــعـــالـــم ويـكـتـبـه. دراســتــي للاقـتـصـاد فــي جـامـعـة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّّة مــوازيــة للعلوم الاجـتـمـاعـيـة مــن أجـــل دراســـة تـــعـــايـــش الـــبـــشـــر وعلاقـــــاتـــــهـــــم الاجـــتـــمـــاعـــيـــة والتغيّّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تـحـكـم الــحــيــاة المـجـتـمـعـيـة ودراســـــة المـعـايـيـر والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّّعات التي تشك ّّل سلوكهم. تخص ّّصت فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقــــتــــصــــاد» وكـــتـــبـــت أطــــروحــــتــــي عــــن «نــقــل الأخلاق»، أظن أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب. الثقافة CULTURE 17 Issue 17491 - العدد Sunday - 2026/10/18 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي )5 ( ابن خلدون... وذكراه بهذه المقالة أختم حديثي عـن ابن خلدون، الذي نبدأ حديثنا عنه ولا ندرك متى نختمه. لأن ابن خلدون عالم رحب حافل يكشف لك في كل خطوة تخطوها عن فكرة تشغلك أو عن سـؤال تبحث له عن إجابة فلا تتوقف فيه وتكتفي. وقـــد اجـتـهـدت فــي هـــذا الـحـديـث أن أذك ّّر القارئ العزيز والمؤسسات الثقافية الـعـربـيـة بـــأن الـــذكـــرى المــئــويــة الـسـابـعـة لمــــيلاد ابـــن خـــلـــدون عـلـى الأبــــــواب لأنـهـا تحل بعد ست سنوات، فعلينا أن نتهيأ للاحـــتـــفـــال بــهــا مـــن الآن ونــســتــعــد؛ لأن الاحــتــفــال بــمــيلاد ابـــن خــلــدون لا يكون بـتـنـظـيـم نــــدوة أو كــتــابــة مــقــالــة، وإنــمــا يكون احتفالا قوميا نشارك فيه جميعاً، لأن ابــــــن خــــلــــدون لا يــنــتــمــي إلــــــى قـطـر واحــــد مـــن أقـــطـــارنـــا، وإنـــمـــا يـنـتـمـي إلـى الجميع. ولهذا نحتاج في الاحتفال به إلى استعداد خاص، وتنظيم، وتنسيق يــــــــؤدي بـــــه كـــــل طـــــــرف دوره لــتــتــكــامــل الــصــورة الـتـي نـريـد أن نـصـل إلـيـهـا من إحياء الذكرى، صورة ابن خلدون المفكر الــعــربــي الــعــبــقــري بـجـوانـبـهـا المــعــروفــة وجوانبها التي يجب أن نعرفها. ونــحــن نــعــرف كــتــابــه الــــذي أصـبـح مشهورا متداولا بعد أن ط ُُبع في أواسط الــــقــــرن الـــتـــاســـع عـــشـــر فــــي مـــصـــر، وهـــو كـتـاب «الـعـبـر»، ويـقـع فـي سبعة أجـــزاء. كما نعرف سيرته الذاتية التي ألحقها بهذا الكتاب، ثم أضاف إليها ما جد في السنوات الأخيرة من حياته وفصلها من كتاب «العبر»، فأصبحت كتابا مستقلا سماه «التعريف بابن خـلـدون ورحلته غربا وشرقاً»، وقد ط ُُبع هذا الكتاب الذي لم يكتب مثله أحد في العصور الماضية، مــع مـقـدمـة وتـعـلـيـقـات وهـــوامـــش بلغت بها صفحاته نحو خمسمائة صفحة. هــذا نـعـرفـه، أمــا الـــذي لا نعرفه من أعـــمـــالـــه فــهــو مـــا يــحــدثــنــا عــنــه صـديـقـه الشاعر الأندلسي المبدع لسان الدين بن الخطيب في كتابه «الإحـاطـة في أخبار غرناطة»، فيقول إنه، ابن خلدون «شرح الــبــردة شـــرحا بـديـعا ولـخـص كثيرا من كــتــب ابــــن رشـــــد، وعـــلـــق لـلـسـلـطـان أيـــام نــظــره فـــي الـعـقـلـيـات تـقـيـيـدا مــفــيــدا في المـــنـــطـــق، ولـــخـــص مــحــصــل الإمــــــام فخر الدين الــرازي، وألّّــف كتابا في الحساب، وشرع في شرح الرجز الصادر عني - أي مـن ابــن الخطيب - بـشـيء لا غـايـة فوقه في الكمال». ولسان الدين بن الخطيب واحد من نوابغ الشعراء الأندلسيين، وهو صاحب الموشح الشهير الذي يقول مطلعه: «جادك الغيث إذا الغيث همى ًيا زمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس» والـــقـــائـــمـــة الـــتـــي يــقــدمــهــا لـــنـــا ابـــن الخطيب عن مؤلفات صديقه لا تعرّّفنا بــــمــــا كـــتـــبـــه ابـــــــن خـــــلـــــدون فــــحــــســــب، بــل تعرّّفنا أيــضا بما قــرأه ودرســـه ليتمكن مــــن أن يــــؤلــــف فــــيــــه، تـــعـــرّّفـــنـــا بـثـقـافـتـه الـواسـعـة الغنية الـتـي لـم يتحدث عنها المــــؤرخــــون الـــعـــرب وحــــدهــــم، بـــل تـحـدث عنها المـسـتـشـرقـون الأوروبـــيـــون أيـــضاً، ووقفوا أمامها مبهورين لما وجـدوه في مؤلفاته من أعمال سبقت عصره بقرون، وبلغت ما لم يبلغوه هم إلا في القرنين الأخيرين. وهـذا ما أشـرت إليه من قبل، ومـــا حـدثـنـا عـنـه محمد عـبـد الـلـه عنان فـــي كــتــابــه عـــن ابــــن خـــلـــدون ويـــقـــدم فيه فقرات مما قاله هـؤلاء المستشرقون في تقييمهم لإنجازات المفكر العربي. المستشرق الهولندي دي بوير يرى أن ابـن خـلـدون حــاول أن يؤسس نظاما ُُــل بـذهـن أرسـطـو، فلسفيا جـديـدا لـم يـج هذا النظام يتمثل في التاريخ الإنساني الذي نسجت خيوطه الحياة الاجتماعية بكل مـا فيها مـن نـشـاط عملي وفـكـري، ومــهــمــة الـــتـــاريـــخ المــكــتــوب هـــي أن يــبين ّّــلـون كــيــف يـعـمـل الـــنـــاس، وكـــيـــف يـحـص أقـواتـهـم، ولماذا يقاتل بعضهم بعضاً، وكـــيـــف تـــتـــقـــدم الــــحــــضــــارة مــــن الـــبـــدايـــة الخشنة إلـى الترف الناعم وتـزدهـر، ثم تضمحل وتموت! أمـــا لــودفــيــج جـمـبـلـوفـتـش، فيقول إن ابـن خـلـدون يرتفع إلـى ذروة البحث الاجـتـمـاعـي حينما يـعـرض ملاحـظـاتـه عـــن تــفــاعــل الــجــمــاعــات الــبــشــريــة داخـــل المجتمع، وكيف أن هـذه الجماعات هي ثــمــرة الـــوســـط، وفـــي أقـــــوال ابـــن خـلـدون مــا يـــدل عـلـى أنـــه عـــرف «قـــانـــون التشبه بالوسط»، قبل أن يعرفه داروين بخمسة قرون. والــــكــــاتــــب الألمانــــــــي فـــــون فـسـنـدنـك يـــدرس نـظـريـات ابـــن خــلــدون فــي نشوء الــدول وانحلالها، ويـرى فيه ذهـنا وافر الابتكار ومثلا أعلى في التفكير العربي. ويـــقـــول نـاتـانـيـل شـمـيـث، الأســتــاذ بـــجـــامـــعـــة كـــــورنـــــل الأمــــيــــركــــيــــة، إن ابـــن خلدون هو الذي اكتشف ميدان التاريخ الحقيقي وطبيعته، وهــو مـؤسـس علم الاجتماع. وهنا أكتفي بما قدمته في السطور السابقة وأردت أن أشـيـر ولــو مـن بعيد إلـــى هـــذا الــتــراث العظيم الـــذي يـجـب أن نـكـتـشـفـه نــحــن مـــن جـــديـــد، وأن نعطيه حقه فنتعامل معه لا بوصفه تراثا قديما نحفظه فـي الـخـزائـن، بـل بوصفه ثقافة حية تنتمي كما رأيـنـا إلــى هــذا العصر الــذي نعيش فيه، فنحن إذن في حاجة إلى أن ننظر في هذه الثقافة من جديد، وأن نــقــرأهــا وقــــد أصـبـحـنـا مستعدين لــــلــــقــــراءة الــــجــــديــــدة بـــمـــا حـــصـــلـــنـــاه مـن ثقافة عصرنا، ونحن واثـقـون مـن أنها ستكشف لنا ما لم تكشفه من قبل، فهي ليست كما يظن البعض مجرد أخبار أو تـواريـخ طوتها الأيـــام، وإنما هي حياة متواصلة قـــادرة على أن تفتح كنوزها لمـــن يـــقـــرأهـــا، ولمــــن يـعـيـد قـــراءتـــهـــا وقــد أعد للقراءة الجديدة عدتها ليطرح مع ابــن خـلـدون الأسـئـلـة، ويبحث معه عن الإجابات. وابـــــــن خــــلــــدون فــــي تـــاريـــخـــه يــبــدأ بــالـــطــبـــع مــــن الـــخـــبـــر، لــكــنــه يـــقـــف أمــــام الـخـبـر أو الــحــادثــة يــســأل عــن أصـولـهـا وفــصــولــهــا لـيـفـهـمـهـا عــلــى حـقـيـقـتـهـا، وهـو إذ يقوم بهذا التحقيق ينتقل من مـــجـــال إلـــــى مــــجــــال، مــــن الـــســـيـــاســـة إلـــى الاجتماع، ومـن الاجتماع إلـى التاريخ، ومـن التاريخ إلـى الفلسفة. مـن القبيلة إلى الأمة، ومن الأمة إلى الإنسانية. من الحاضر إلى الماضــي، ومن الماضـي إلى المـسـتـقـبـل. مـــن الــقــص إلـــى الـــــرأي، ومـن الرأي إلى القانون. لهذا يظل ابن خلدون حاضرا لأن الـقـوانين التي استخلصها من المؤلفات التي قرأها، ومن التجارب الـتــي عـاشـهـا لا تــــزال فـاعـلـة مــؤثــرة في حياتنا الراهنة. مــــا نـــشـــهـــده الآن فــــي بلادنـــــــــا، فـي المشرق والمغرب، وفي الشمال والجنوب يــــذكــــرنــــا بـــعـــضـــه بـــمـــا كــــــان يــــحــــدث فـي الأنـــدلـــس والمـــغـــرب. ومـــن هـنـا أصبحت حـاجـتـنـا مـلـحـة إلــــى إحـــيـــاء ذكـــــرى ابــن خلدون وقــراءة أعماله من جديد، ليس فقط لأنها ثقافة قومية رفيعة نعتز به، ولـكـن أيـــضا لأن هــذه الأعــمــال أصبحت دروسا حاضرة يجب علينا أن نلتمس فيها الحكمة ونعرف الصواب. يختم الكاتب بهذا المقال سلسلة مقالات تناول فيها ابن خلدون من زوايا معرفية وفلسفية متعددة بين السودان ومصر والنمسا تفاعلت هويته وأكسبته خصوصية لافتة طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني طارق الطيب القاهرة: رشا أحمد الجميلات يواجهن غزاة البحر مـديـنـة مـصـريـة قـديـمـة تـحـتـشـد بــالــجــمــيلات الـقـويـات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فـــجـــأة فـــي قــلــب مــشــهــد كـــابـــوســـي يـــبـــدو فــيــه كـــل مـــا شـيـدتـه أياديهن من أسباب للخلود مهد ََّدا بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية. يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والـــذي يخالف النقوش المــوجــودة على نقوش معبد هابو، حـيـث خــلّّــد الــنــســاخ كـلـمـات رمـسـيـس الــثــالــث «وصـــلـــوا إلـى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلنا نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض. يــولــد الـطـفـل مــيــري بـعـيـنين مـغـلـقـتين وحــــواس خـامـدة فلا يـــــدرك الــحــيــاة إلا حين تـفـتـح أمــــه جـفـنـيـه بــقــطــرتين من زيـت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجـنـوده، ولا يملك في يـده سـوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان. من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بـسلاسـة وقـــدرة على التخييل لجعل الــقــارئ يــرى تفاصيل الأزمــنــة الـبـعـيـدة بـأنـهـارهـا ومـعـابـدهـا وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد. ومن أجواء الرواية نقرأ: «كـــــان كـــل شــــيء يـــبـــدو مــثــالــيا فـــي مــديــنــة (ثـــونـــيـــوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عـدة طـوابـق، مزينة بـجـداريـات مـن حياة الــفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك. فـجـأة دو ّّى صــوت الـبـوق مـن أحــد أبـــراج المـراقـبـة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيرا إلـى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُُرى ألوانها ولا تمّيّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفنا تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو... صاح قائد الجند: - إنهم أبناء البحر! ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخــضــر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها عـــلـــى شــــق الـــبـــحـــر بـــســـرعـــة بـــالـــغـــة، إضــــافــــة إلـــــى مـجـاديـفـهـا وأشرعتها القوية.(النص كاملا على الموقع الإلكتروني) داخـــل كــل سفينة مـجـمـوعـة مــن رمـــاة الأســهــم والــرمــاح حـتـى الـسـفـن الـبـيـضـاويـة الــتــي احــتــوت غــالــبا عـلـى الـنـسـاء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قـادرة على اصطياد السفن التجارية أيــضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فض ََّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهـــم يُُــغــرقـون سفنهم الـتـجـاريـة أمـــام أعينهم لاستعمالها مــتــاريــس حــربــيــة، دون أن يـسـتـطـيـعـوا الاعــــتــــراض. الأمــــان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky