: شعبية «جحيم العابرين» تح ٍّد سينمائي المخرجة السعودية قالت لـ هناء العمير تخوض تجربتها األولى في األفالم الروائية الطويلة على أســـوار مدينة أصيلة املغربية، وفـــي مــوقــع يـطـل عـلـى املـحـيـط األطـلـسـي، يقف قصر «الريسوني» شاهدًا على تحول استثنائي في تاريخ املكان. فالقصر الذي بالصراعات 20 ارتبط اسمه مطلع القرن الـ املــســلــحــة وعـــمـــلـــيـــات اخـــتـــطـــاف األجـــانـــب ومـــســـاومـــات الـــفـــديـــة، أصـــبـــح الـــيـــوم أحــد معاقل الثقافة والفنون في املدينة. من إرث الصراع إلى فضاء اإلبداع وبـعـد عـقـود مـن ارتـبـاطـه بالنزاعات والنفوذ السياسي، شهد القصر تحوًال ، حني تكفل األمـيـر السعودي 1998 عــام بـنـدر بــن سـلـطـان بــن عـبـد الـعـزيـز، الــذي كــان آنـــذاك يشغل منصب سفير اململكة العربية السعودية لدى الو يات املتحدة األمـيـركـيـة، بترميمه وتـأهـيـلـه، ليتحول إلــــــى «قــــصــــر الــــثــــقــــافــــة»، ويـــصـــبـــح أحـــد املـــكـــونـــات األســـاســـيـــة لـــ«مـــوســـم أصـيـلـة الثقافي». وحــــافــــظــــت عـــمـــلـــيـــة الــــتــــرمــــيــــم عــلــى الـــتـــكـــويـــن املـــعـــمـــاري الــتــقــلــيــدي لـلـقـصـر وخصائصه الفنية، وشملت إعادة تهيئة مــرافــقــه وتـحـويـلـه مـجـمـعًا ثــقــافــيًا يضم ورشــــــات لــلــفــنــون الـتـشـكـيـلـيـة والــنــحــت، وأماكن إلقامة الفنانني وضيوف املدينة، وقاعات للقاءات الثقافية. ويُــــــعــــــد قــــصــــر «الـــــريـــــســـــونـــــي» درّة املـعـالـم الـتـاريـخـيـة بـالـبـلـدة الـقـديـمـة في أصـيـلـة. ويـقـع عـلـى الـجـانـب الـغـربـي من املدينة العتيقة، بالقرب من بـرج سيدي ميمون. وترتبط قصته بشخصية أحمد الريسوني، أحد أكبر الشخصيات إثارة لــلــجــدل فـــي تـــاريـــخ املـــغـــرب خالل مطلع ؛ فقد جمع بني الزعامة القبلية 20 القرن الـ والنفوذ السياسي واملواجهة مع القوى األجنبية، ودخل في صراعات مع السلطة املركزية ومع اإلسبان. تـذكـر املــصــادر الـتـاريـخـيـة أن موقع مسكن ًا 17 القصر كـان يضم فـي الـقـرن الــــ للقائد الخضر غــيالن، وانتقلت ملكيته بني ورثته، قبل أن يستحوذ عليه أحمد الـريـسـونـي ويـعـيـد بــنــاءه وتــطــويــره في .1909 و 1906 ، بني عامي 20 مطلع القرن الـ وتجمع عمارته عناصر من الفن املغربي األنـدلـسـي، تـتـجـلـى فـي الــفــنــاء الـداخـلـي واألعـمـدة الرخامية والزليج والـزخـارف الـــجـــصـــيـــة والـــخـــشـــبـــيـــة، مـــــع اســـتـــخـــدام زخارف مستوحاة من العمارة األندلسية في إشبيلية. وبني الحقيقة واألســطــورة، تتوالى الــــــــروايــــــــات الـــــتـــــي تـــــربـــــط بـــــنـــــاء الـــقـــصـــر وتـــمـــويـــلـــه بـــــأمـــــوال فــــديــــة كــــــان يـحـصـل عـلـيـهـا أحــمــد الــريــســونــي مــقــابــل إطالق رهائن أجانب. وقد استلهم فيلم «الريح ، من بطولة 1975 واألســـد»، الـصـادر عـام شــــون كـــونـــري، «قــضــيــة بــيــرديــكــاريــس» ؛ إذ يجسّد فيه شـون كونري 1904 لعام شـــخـــصـــيـــة الــــزعــــيــــم الــــتــــاريــــخــــي أحـــمـــد الريسوني، ويستمد الفيلم وقائعه من اختطاف الريسوني شخصية أميركية - يونانية بارزة من غابة الرميالت بطنجة، واقتيادها إلى أصيلة؛ بغرض الحصول على الفدية التي مكّنته من بناء القصر. وفـــي حــديــث صــحــافــي، أكـــد الــراحــل محمد بن عيسى، مؤسس «موسم أصيلة الـــثـــقـــافـــي»، أن األمـــيـــر بـــنـــدر بـــن سـلـطـان أســـهـــم فـــي تــرمــيــم قــصــر «الـــريـــســـونـــي»، كما مـــوّل إنـشـاء مكتبة تحمل اسـمـه في املدينة. وافــــتُــــتــــحــــت «مـــكـــتـــبـــة األمـــــيـــــر بـــنـــدر بـــن ســلــطــان» رســـمـــيًا فـــي يـنـايـر (كــانــون ، بتمويل كامل مـن األمير 2006 ) الـثـانـي بندر بن سلطان بن عبد العزيز. وفـــي داخــــل الـقـصـبـة، وعــلــى مقربة مــــن بـــــرج الــــقــــمــــرة، يـــقـــع «مــــركــــز الــحــســن الثاني للملتقيات الدولية»؛ أحد املعالم التي تجسد التحول الثقافي في املدينة. ويـــضـــم «املـــــركـــــزُ» قــــاعــــات لالجـــتـــمـــاعـــات والندوات، ومساحات للمعارض الفنية، وتجهيزات للترجمة الفورية. ويكتسب موقعه د لـة تاريخية، إذ أُقيم في منطقة كانت تضم خالل الحكم البرتغالي مقر الحاكم، ولم يب َق من ذلك املجمع القديم سوى برج القمرة. وقـــد جـــاء إنــشــاء «املـــركـــز» بـدعـم من الـــســـلـــطـــان الــــراحــــل قــــابــــوس بــــن سـعـيـد، سلطان عُــمـان، بوصفه إسـهـامًا عُمانيًا في دعم البنية الثقافية ألصيلة. قلعة للتراث والثقافة وتحتفظ الـبـلـدة العتيقة فــي مدينة أصيلة، على الساحل األطلسي للمغرب، بـــــذاكـــــرة تـــمـــتـــد عـــبـــر قـــــــرون مـــــن الــــصــــراع والـتـجـارة والـتـحـو ت السياسية. وتقف أسوارها وأبراجها وبواباتها شاهدة على تــاريــخ املـديـنـة، مـنـذ ا حــــتالل البرتغالي ، مـرورًا باملقاومة املغربية، 15 في القرن الـــ وصو ًال إلى تجربة ثقافية مميزة بدأت عام ، وأعــــادت تقديم أصيلة إلــى العالم 1978 بوصفها مدينة للفنون والحوار الثقافي. 7 وعــــــــلــــــــى مــــــســــــاحــــــة تـــــــتـــــــجـــــــاوز هكتارات، تكشف خريطة املدينة القديمة عـــن نــســيــج عـــمـــرانـــي يــضــم مــجــمــوعــة من األبـــــراج والــحــصــون واملــســاجــد والـقـصـور الـــتـــاريـــخـــيـــة، الـــتـــي تـــقـــدم الـــيـــوم نـــمـــوذجًا لـــتـــحـــويـــل املـــعـــالـــم الـــتـــاريـــخـــيـــة فــــضــــاءات للحياة الثقافية. وخلف األسوار التي شيَدها ا حتالل الــبــرتــغــالــي لــتــحــصني املـــديـــنـــة عــســكــريًا، أصــبــحــت الـــســـاحـــات والـــقـــصـــور واملـــمـــرات فضاءات للمعارض والنقاشات والعروض الفنية، فيما ساعدت عمليات الترميم على حماية أجــزاء من النسيج العمراني. وإذا كـانـت التحصينات قـد شُــيّــدت فـي األصـل لحماية املـديـنـة مــن الـــخـــارج، فـــإن أصيلة املعاصرة اختارت أن تفتح أبوابها للعالم عبر الثقافة. بــعــد ســـنـــوات مـــن الــعــمــل فـــي األفالم القصيرة والــدرامــا التلفزيونية، تخوض املخرجة السعودية هناء العمير تجربتها األولــــى فــي إخــــراج فيلم روائــــي طـويـل من خالل فيلم «جـحـيـم الـعـابـريـن»، املقتبس عن رواية الكاتب السعودي أسامة املسلم. ويــــشــــارك الــفــيــلــم فـــي الـــــــدورة املــقــبــلــة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، قبل طرحه في صا ت السينما السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) املقبل. وتضع 19 هـــــذه الـــخـــطـــوة هـــنـــاء الــعــمــيــر أمــــــام تــحــد مختلف، يتمثل في تحويل روايــة حققت انـــتـــشـــارًا واســــــعًا بني الــــقــــراء إلــــى تـجـربـة سـيـنـمـائـيـة تـجـمـع الـتـشـويـ والـغـمـوض والرعب. وفي حديثها إلى «الشرق األوسـط»، تـــتـــوقـــف هـــنـــاء الــعــمــيــر عـــنـــد خـصـوصـيـة تــجــربــتــهــا الــــجــــديــــدة، واملـــســـؤولـــيـــة الــتــي يـــفـــرضـــهـــا جــــمــــهــــور الــــــــروايــــــــة، وأهـــمـــيـــة املـحـافـظـة عـلـى تـصـاعـد اإليـــقـــاع والـحـالـة الـــنـــفـــســـيـــة لــــلــــشــــخــــصــــيــــات، كــــاشــــفــــة عــن انـجـذابـهـا إلـــى الشخصيات املـركـبـة التي تحمل تـنـاقـضـات إنـسـانـيـة، وتـتـحـرك في املساحة الرمادية بني الخير والشر. ً تجربة انتظرتها طويال تــصــف هـــنـــاء الــعــمــيــر انــتــقــالــهــا إلــى الفيلم الـروائـي الطويل بأنها خطوة طال انـتـظـارهـا، وتـجـربـة تطلبت منها تركيزًا مـــكـــثـــفًا عـــلـــى الـــتـــفـــاصـــيـــل، خــــصــــوصًا مـع طـبـيـعـة الـحـكـايـة الــتــي تـــتالحـــ أحـداثـهـا خالل فترة زمنية قصيرة. وتقول: «الفيلم السينمائي الطويل تجربة كنت أنتظرها منذ زمن. والحقيقة أنها من أمتع التجارب فــي اإلخـــــراج، ألن الـفـيـلـم يتطلب التركيز بشكل مكثف فـي كـل تفصيلة. وفـي قصة (جحيم العابرين) تحديدًا، كل عنصر من عـنـاصـر الـعـمـل هــو بــطــل». وأردفـــــت: «ألن القصة مكثفة وأحداثها تدور في نحو يوم واحد، فإنها تتطلب استمرارية في الحالة النفسية لألبطال، وكذلك تتطلب تصاعدًا فـي اإليــقــاع، وهـــذا كــان أكـثـر مـا يشغلني: إيقاع العمل وتصاعده حتى النهاية». وســــبــــ لـــهـــنـــاء الـــعـــمـــيـــر أن خــاضــت تجربة التشوي والغموض فـي مسلسل «وســــــــــــاوس»، الـــــــذي عُـــــــرض عـــلـــى مـنـصـة ، وتـــنـــاول أســــرار 2020 «نـتـفـلـيـكـس» عــــام عـائـلـة ثـريـة تتكشف عـقـب وفـــاة كبيرها، وســــط شـــكـــوك تــحــيــط بــــعالقــــات أفـــرادهـــا وماضيهم. أمـا في تجربتها السينمائية الجديدة، فتنتقل إلى حكاية تدور أحداثها في أجواء أكثر قتامة، وعلى امتداد رحلة ليلية تتحول تدريجيًا إلـى كـابـوس تبدأ فصوله على طري منعزل، حيث تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شابًا تعطلت سـيـارتـه، فـتـقـرر مـسـاعـدتـه وإيـصـالـه إلـى أقـرب محطة، رغـم شعور غامض بالقل . لـكـن الـرحـلـة تـأخـذ منعطفات مخيفة مع تـوالـي األحـــداث الغريبة، لتصبح النجاة هاجس الشخصيات في مواجهة املجهول. تحدي جمهور الرواية يستند الفيلم إلى روايـة صـدرت عام ، وتحمل مالمح األسلوب الذي اشتهر 2021 به أسامة املسلم، من خالل املزج بني الرعب والغموض والفانتازيا، واستثمار املواقف املألوفة في بناء أحداث تتجه نحو عوالم مقلقة وغـيـر متوقعة. كما تـطـرح شعبية الــــروايــــة تـــحـــديًا إضــــافــــيًا أمـــــام املــخــرجــة، خــصــوصًا أن قــراءهــا يحملون تـصـورات مسبقة عن الشخصيات واألحـداث، بينما يـفــرض تــحــويــل الـنــص األدبـــــي إلــــى فيلم اختيارات بصرية ودرامية محددة. وعـــن حـجـم هـــذه املــســؤولــيــة، تجيب هناء العمير: «بالطبع، كــون الــروايــة لها جـــمـــهـــور واســـــــع، فـــهـــذا يـــضـــع مــســؤولــيــة كبيرة علي كوني مخرجة، فكل قارئ رسم صورة خاصة لعالم القصة ولألبطال، وقد تختلف عما هـو مـوجـود فـي الفيلم. فلو أعطيت قصة لعشرة مخرجني، سيختلف تناول كل مخرج عن اآلخر. كذلك من املهم جــــدًا لـلـفـيـلـم أن يــكــون مــمــتــعًا بــحــد ذاتــــه، وأن يستمتع بــه مــن قـــرأ الـــروايـــة ومـــن لم يـــقـــرأهـــا، وهـــنـــا يـكـمـن الـــتـــحـــدي. وأتـمـنـى أن أكــون قـد وفقت فـي هـــذا». كما يكتسب هـذا التحدي خصوصية مع تولي املسلم كـــتـــابـــة الـــســـيـــنـــاريـــو بــنــفــســه، فــــي تـجـربـة تـجـمـع صــاحــب الــنــص األدبـــــي واملـخـرجـة التي تتولى نقله إلى السينما، بما تحمله هــــــذه الـــعـــمـــلـــيـــة مـــــن اخـــــــــتالف بني حـــريـــة التخيل أثــنــاء الـــقـــراءة ومتطلبات الـسـرد السينمائي. شخصيات بين الخير والشر وعـــــــن الـــعـــنـــصـــر الــــــــذي جــــذبــــهــــا إلــــى «جــحــيــم الـــعـــابـــريـــن»، تــتــوقــف هـــنـــاء عند شـــخـــصـــيـــاتـــه املــــركــــبــــة ومـــــــا تـــحـــمـــلـــه مــن تناقضات إنسانية، مشيرة إلى أن طبيعة الشخصيات تمثل أحد أهم معاييرها في اخــتــيــار األعـــمـــال الــتــي تـتـولـى إخــراجــهــا. وتـوضـح: «مـا جذبني إلـى هـذا العمل هو شـخـصـيـاتـه. بـالـنـسـبـة لـــي، دائــــمًا مفتاح أي عـــمـــل هــــو شـــخـــصـــيـــاتـــه. كـــلـــمـــا كــانــت الـشـخـصـيـات مختلفة عــن املــعــتــاد، كانت مـغـريـة بالنسبة لــي بـاعـتـبـاري مـخـرجـة. وأهــــــم شـــــيء بــالــنــســبــة لــــي هــــو أن تــكــون الشخصية ثالثية األبعاد، وتحمل درجات مـتـفـاوتـة مـــن الـــرمـــادي (أي أنــهــا تمثل الــخــيــر املــطــلــ و الــشــر املـــطـــلـــ )، وإنــمــا شـخـصـيـة طـبـيـعـيـة بــهــا جـــوانـــب مظلمة وجـــــوانـــــب خـــــيّـــــرة، وتـــحـــمـــل تــنــاقــضــاتــهــا الخاصة». يشار إلى أن «جحيم العابرين» يأتي ضمن شـراكـة أعلنت عنها استوديوهات مع الكاتب أسامة املسلم قبل نحو MBC عـــــــامني، لــتــحــويــل عـــــدد مــــن روايـــــاتـــــه إلـــى أعــمــال سينمائية ودرامـــيـــة. وقـــد صُـــورت جــمــيــع مـــشـــاهـــد الــفــيــلــم فــــي الـــســـعـــوديـــة، ويـشـارك في بطولته أضــواء بــدر، وباسل الــصــلــي، ومـحـمـد عــلــي، وشـــجـــاع نـشـاط، وعـــزيـــز غـــربـــاوي. وتـــولـــى سـفـيـان الـفـانـي إدارة التصوير، فيما يحمل العمل توقيع املنتج محفوظ الـزهـرانـي، وتنفيذ شركة ، وتتولى شركة قنوات Aflam Production توزيعه. يوميات الشرق «بالنسبة لي دائما مفتاح أي عمل هو شخصياته فكلما كانت الشخصيات مختلفة عن المعتاد كانت مغرية لي بصفتي مخرجة» ASHARQ DAILY 22 Issue 17487 - العدد Wednesday - 2026/10/14 األربعاء الم ينة المغربية العتيقة تعي توظيف معالمها التاريخية الحتضان الفنون والتراث والحوار قصر «الريسوني» في أصيلة... من ذاكرة الصراع إلىرحاب الثقافة الدمام: إيمان الخطاف أصيلة (المغرب): ميرزا الخويلدي المخرجة هناء العمير خالل كواليس تصوير الفيلم (الشرق األوسط) نوفمبر (الشرق األوسط) 19 مشهد من الفيلم الذي يبدأ عرضه في القصبة البلدة القديمة (الشرق األوسط) ركن من داخل قصر «الريسوني» في مدينة أصيلة المغربية (الشرق األوسط) ارتبط اسم القصر بالصراعات واختطاف األجانب طلبا للفدية (الشرق األوسط)
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==