هل أضحى الحوثيون بمثابة «امليثانتروب»؛ أي أعداء البشر، كما تخبرنا امليثولوجيا اإلغريقية القديمة؟ املــــؤكــــد أن االتــــهــــامــــات كـــانـــت تالحـــقـــهـــم مـنـذ زمـــن بـعـيـد، غـيـر أن تـــطـــورات االعــــتــــداءات األخــيــرة عــلــى املــــطــــارات املـــدنـــيـــة الـــســـعـــوديـــة، تـنـقـل املـشـهـد إلــى مستوى آخــر مـن الــصــراع، يعمق كـذلـك القول بأنهم صـاروا أعـداء للعالم، وليس اململكة العربية السعودية فحسب. مـــا حــــدث قــبــل أيــــام قـلـيـلـة مــاضــيــة مـــن إطالق الـصـواريـخ على مـطـارات اململكة، نقل الـصـدام إلى تـهـديـد عــاملــي جــديــد، ذلـــك أن ميليشيات الـحـوثـي املارقة، لم تعد مهددًا في البحر وناحية باب املندب فقط، بل ارتفع مستوى تهديدها من حـال املالحـة البحرية إلى املالحة الجوية. فـــي الـــحـــالـــة األولــــــى كـــانـــت الـــتـــهـــديـــدات غــالــبًا موصولة بحركة النقل والتجارة العاملية، غير أن ضحايا مطار امللك خالد، الذين توزعت جنسياتهم، أمــــر يـفـيـد بــــأن الــخــســائــر فـــي األرواح عــاملــيــة، وأن شـــرايني االنـتـقـال والـتـواصـل بني دول العالم باتت مهددة، ما يعني أن الكارثة أممية، وليست إقليمية أو مــحــلــيــة، بــعــد أن تــــجــــاوزت الـــتـــداعـــيـــات الـــدولـــة املــســتــهــدفــة، وبـــاتـــت تـــطـــال ثــقــة شـــركـــات الــطــيــران وحركة املسافرين، والتأثير السلبي على استقرار أحد أهم قطاعات النقل العاملية. لــــم يـعـد هـــنـــاك مــــن شــــك فــــي أن ســــرديــــة الــشــر الحوثية، املستهدفة للمنشآت النفطية السعودية، إنـمـا تسعى لتعميق أزمـــة الـطـاقـة العاملية، ونحن عـلـى مـــشـــارف الــشــتــاء؛ بـمـا يـصـيـب أســـــواق النفط والغاز في قارات األرض الست في القلب. هــــل نـــحـــن أمــــــام مــــا يــمــكــن تـــوصـــيـــفـــه بـحـسـب القانون الدولي بأنه جرائم حرب؟ بحسب القواعد املتعلقة بحماية املدنيني في أزمـــنـــة الــســلــم، يـبـقـى اســتــهــداف املـــطـــارات املـدنـيـة، واملــنــشــآت الـنـفـطـيـة، عـطـفًا عـلـى تـعـريـض املـدنـيني للخطر، ومع تكرار الهجمات ولو بصيغ مختلفة؛ جـــرائـــم حـــرب يـعـاقـب عـلـيـهـا، وتـــقـــود إلـــى املحكمة الجنائية الدولية حكمًا. لـــكـــن املـــشـــهـــد ولـــفـــداحـــتـــه يــقــتــضــي فــــي واقــــع الحال ما هو أكثر بكثير من مجرد التوصيف، بل التحركات السريعة، وقبل أن يتالشى دخان الغدر الحوثي. حــســنًا فـعـلـت الـــدوائـــر الــدولــيــة الــكــبــرى، بـــدءًا بــتــصــريــحــات الـــرئـــيـــس األمـــيـــركـــي دونــــالــــد تــرمــب الخاصة بعدم قبول مثل هذه االعتداءات، واعتبار وزيــــــر خـــارجـــيـــتـــه مــــــارك روبــــيــــو األمــــــر اســتــخــفــافًا صـــارخًا بـــأرواح املـدنـيني، وصـــوال إلـى إدانـــة األمني العام لألمم املتحدة أنطونيو غوتيريش للهجمات ومـطـالـبـتـه بوقفها فــــورًا، والـعـديـد مــن التعليقات املشابهة. ال تكفي الكلمات في مواجهة الصواريخ، ولهذا يبدو واضـحًا أن مجلس األمن الدولي، واملنوط به حالة السلم العاملي، مدعو لالنعقاد وبشكل طارئ ملـنـاقـشـة حــــروب الــحــوثــي ضـــد الــبــشــريــة، واتــخــاذ إجراءات عقابية صارمة، على الجانبني، العسكري من ناحية، واملادي من خالل العقوبات الصارمة من ناحية أخرى. فــي هـــذا الـسـيـاق يـخـطـر لـنـا الــتــســاؤل وبـنـوع خاص عن املوقف األميركي من الحوثي، وهل سيتم االكتفاء بالعبارات املنددة فحسب، أم سيأخذ الرد شكال من أشكال الردع العسكري؟ بالرجوع إلى اللقاء السري الذي جرت وقائعه فــي كــامــب ديـفـيـد فــي الــثــانــي مــن أكــتــوبــر (تـشـريـن األول) الــجــاري، وبـقـيـادة نـائـب الـرئـيـس األميركي جي دي فانس، بدا واضحًا أن الرئيس ترمب يراجع أوراقــــــه، ال فـيـمـا يـخـص إيـــــران واملـــواجـــهـــة الـقـادمـة ال ريــب فيها فـقـط، بـل مـا رشــح يشير إلــى أن فكرة املـواجـهـة مــع الـحـوثـي، ومـــن جــديــد، بـاتـت تناقش بقوة في الكواليس من غير خجل أو وجل. اآلن ومع الوحشية الحوثية تجاه املدنيني من جميع الجنسيات، وعلى األراضي السعودية، يبقى التساؤل عن الدور األميركي أمرًا واجب الوجود، ال سيما في ظل الـعالقـات االستراتيجية األميركية - السعودية، التي تمتد ألكثر من ثمانية عقود ونيف، كانت فيها اململكة صديقًا بل وحليفًا آيديولوجيًا ألمــيــركــا فـــي أكــثــر مـــن مــوقــع ومـــوضـــع عـــاملـــي، مـرة فـي وجـه شـهـوات قلب االتـحـاد السوفياتي، وقطع أحالمـه في الوصول للمياه الدافئة وطاقة الخليج الــعــربــي، ومــــرة ثـانـيـة بـمـواجـهـة تـــيـــارات الـتـطـرف الدوغمائي، ودعم نهج االعتدال والوسطية. مــا حـــدث مــؤخــرًا يـلـفـت االنــتــبــاه إلـــى الـحـاجـة املاســـة لتعزيز األمـــن الــدولــي بكل أدواتــــه، بـــدءًا من تبادل املعلومات االستخبارية، وصـوال إلى تعزيز الدفاعات الجوية للمملكة، وهي مهمة كل أصدقاء وحلفاء اململكة. األمـــــر اآلخـــــر الـــــذي لــنــا تــــصــــوره، يـــــدور حــول الـــحـــوثـــي بــاعــتــبــاره وكـــيـــل حــــرب لـــطـــهـــران؛ وعـلـيـه فـإذا كان بتلك األدوات التقليدية قـادرًا على «إدارة الـــتـــوحـــش» بــهــذا املـــنـــســـوب، فـكـيـف إليـــــران نفسها ولــــوكالئــــهــــا أن يـــفـــعـــلـــوا بــاملــنــطــقــة والــــعــــالــــم حـــال امتالكهم سالحًا نوويًا؟ تـــكـــلـــم الـــفـــيـــلـــســـوف والـــســـيـــاســـي 1770 عـــــــام البريطاني الشهير أدمــونــد بـيـرك، قــــائالً: «الـشـيء يفعل األخيار ا الوحيد الالزم النتصار الشر هو أّل شيئ ًا». الـعـبـارة عينها كـررهـا الفيلسوف البريطاني فــــي خـــطـــاب لـه 1867 جـــــون ســــتــــيــــوارت مـــيـــل عـــــام بجامعة سانت أندروز. مـــواجـــهـــة الـــحـــوثـــي واجــــبــــة الـــــوجـــــود قـــبـــل أن ينتصر الشر ويفوز األشرار. Issue 17487 - العدد Wednesday - 2026/10/14 األربعاء بعد تفكيك سيكولوجية االستهالك الـعـاطــفــي وتـشـخـيـص مـعـضـلـة التحليل االستعراضي، يصبح االنتقال من مرحلة الــنــقــد والــتــشــخــيــص إلــــى مــرحــلــة الــبــنــاء االســـتـــراتـــيـــجـــي ضــــــرورة حـتـمـيـة لــتــأمني الـفـضـاء الــعــام. فالتحديات الـكـبـرى التي تـــواجـــه املـجـتـمـعـات املــعــاصــرة ال تتطلب فـــقـــط كـــشـــف زيــــــف الــــخــــطــــاب الـــشـــعـــبـــوي أو الــــــرد عـــلـــى الـــفـــقـــاعـــات اإلعالمـــــيـــــة، بـل تــســتــدعــي إرســــــاء مــنــظــومــة مــتــكــامــلــة ملا يـمـكـن اصــــطالحــــه بـــ«املـــنـــاعـــة املــعــرفــيــة». وهي مناعة ال تتحقق بالصدفة وال تُبنى بـالـشـعـارات العاطفية، بـل تُستنبت عبر وعي مؤسسي وتعليمي يضع العقالنية في صدارة األولويات الوطنية. تبدأ عملية بناء هذه املناعة من تعزيز آلـيـات إنـتـاج املـعـرفـة وتــداولــهــا، وتطوير املناهج واملنصات الثقافية ملواكبة عصر تتسارع فيه تدفقات املعلومات املضللة، وتتعدد مصادر التأثير العابر للحدود. إن بـــنـــاء عـــقـــل نـــقـــدي قــــــادر عـــلـــى تـفـكـيـك الرسائل املوجهة، والتمييز بني البيانات املوثقة والـسـرديـات املصنوعة، هو حجر األســــاس فــي تـحـصني الـنـاشـئـة والـشـبـاب ضــــــد مـــــــحـــــــاوالت االخـــــتـــــطـــــاف املــــعــــرفــــي. واملـــجـــتـــمـــع الـــــــذي يــســتــثــمــر فــــي مــــهــــارات التفكير الـنـقـدي والـتـحـلـيـل املنهجي هو وحــــــده الــــقــــادر عـــلـــى تـــحـــويـــل أفــــــــراده مـن مستهلكني سلبيني للمحتوى إلى حراس واعني الستقرار وطنهم. وال يـــــقـــــل عــــــــن ذلــــــــــك أهـــــمـــــيـــــة دور املـــؤســـســـات الــوطــنــيــة واإلعالم املـــســـؤول فـــي تــرســيــخ قـــواعـــد الـــدقـــة املــعــلــومــاتــيــة. فـــالـــفـــضـــاء الـــرقـــمـــي املـــفـــتـــوح يـــعـــج الـــيـــوم بـخـوارزمـيـات موجهة تهدف إلـى تأجيج االستقطاب وصناعة املـعـارك اإلعالمـيـة، مـــــا يــــفــــرض عـــلـــى املــــؤســــســــات الـــرســـمـــيـــة واألكاديمية انتهاج استراتيجيات اتصال تـتـسـم بــاالســتــبــاقــيــة والــشــفــافــيــة. وحني تبادر املؤسسات بتقديم املعلومة الدقيقة واملعالجة املوضوعية قبل أن تمأل الفراغ اإلشـــاعـــات والــــتــــأويالت املــتــحــيــزة، فإنها تقطع الطريق على حروب الوعي وتجفف منابع التضليل من جذورها. إن الشفافية الواعية ليست تنازال عن هيبة القرار، بل هـي الـركـيـزة األقـــوى لبناء الثقة العميقة بني الدولة ومجتمعها. تتحمل النخبة األكاديمية والبحثية املسؤولية الكبرى التي يُفترض أن تمثل صمام األمان الفكري. فهذه النخبة مطالبة بالخروج من أبراجها العاجية واالشتباك املباشر مع القضايا العامة بلغة رصينة ومفهومة تسد الهوة بني البحث العلمي الـدقـيـق والــخــطــاب الـجـمـاهـيـري الــواســع. وحني تـــغـــيـــب األصــــــــــوات الـــرصـــيـــنـــة عـن الــــســــاحــــة الــــعــــامــــة، يُـــفـــســـح املـــــجـــــال أمـــــام األصـــوات السطحية ملــلء الـفـراغ وتوجيه بوصلة الرأي العام نحو وجهات مضللة. من هنا، فـإن حضور الباحث املتمكن في وســـائـــل اإلعالم واملــنــصــات الــعــامــة ليس تـــــــرفًا أكـــــاديـــــمـــــيًا، بــــل هــــو واجـــــــب وطــنــي وأخالقـــــــي لــحــمــايــة الـــوعـــي الــجــمــعــي من االستقطاب. في املحصّلة، إن صالبة الدول ومنعة املجتمعات فــي الـعـصـر الـرقـمـي ال تقاس فقط بحجم قـدراتـهـا املاديـــة والعسكرية، بـــــل بـــــدرجـــــة مـــنـــاعـــة وعـــيـــهـــا الـــــعـــــام ضـد الـــــتالعـــــب الــــفــــكــــري. إن حـــمـــايـــة الـــفـــضـــاء الـــعـــام مـــن الــتــلـــوث الــعــاطــفــي والـتـضـلـيـل املنظم تكفل تحويل الـرأي العام من طاقة منفعلة تتقاذفها األهــواء إلى قوة إسناد واعــــيــــة تـــســـتـــوعـــب تـــعـــقـــيـــدات الـــتـــحـــوالت الكبرى. وحني تتضافر جهود املؤسسات والتعليم والنخب لبناء هذه املناعة، فإن املجتمع ال يحصن حــاضــره فـحـسـب، بل يصنع مستقبله بعقالنية وثبات. مـــن يــتــأمــل تـــاريـــخ الـــدولـــة الــســعــوديــة، ويتتبع مـواقـفَــهـا فـي مـواجـهـة األزمــــات والـخـصـومـات، يـدرك أن مـن سمات سياستها طــول النفس، والــقــدرة على التمييز بني األهـــــداف الـثـابـتـة والــوســائــل املـتـغـيـرة. فالسعوديون ال يقيسون نجاح سياساتهم بسرعة الـوصـول إلــى النتائج، وإنـمـا بقدرتهم على تحقيق األهداف واملحافظة على مكتسباتها. وفـــــي الـــخـــطـــاب املـــلـــكـــي الـــســـنـــوي أمــــــام مـجـلـس الشورى هـذا العام، الـذي ألقاه ولـي العهد نيابة عن خـادم الحرمني الشريفني، وردت إشـارة الفتة إلى ما يشهده العالم مـن «تـحـوالت متوالية»، وهــي إشــارة تستدعي الـتـأمـل فـي طبيعة مرحلة يصعب التنبؤ بمآالت كثير من أحداثها؛ وهنا تتأكد أهمية التمييز بني وضـــــوح الـــغـــايـــات وصـــعـــوبـــة الــتــنــبــؤ بــمــســارات تــحــقــيــقــهــا، فــالــصــبــر فــــي الـــســـيـــاســـة لـــيـــس انـــتـــظـــارًا سلبيًا، وإنما عمل متواصل، وحسن تقدير للفرص، واستعداد التخاذ القرار املناسب في وقته. ومـــــع اضــــطــــرابــــات املــنــطــقــة املـــســـتـــمـــرة، واجــهــت اململكة العربية السعودية منذ عهد امللك عبد العزيز تــحــديــات وخــصــومــات مــتــعــددة اخـتـلـفـت شـعـاراتُــهـا ودوافــعُــهــا وأدواتُـــهـــا؛ فـمـن حــركــات الـتـمـرد، إلـــى املـد القومي والصراعات اآليديولوجية، مرورًا بسياسات بـــعـــض األنــــظــــمــــة اإلقـــلـــيـــمـــيـــة، ومـــــوجـــــات اإلرهـــــــــاب، وصـــوال إلــى التحديات املرتبطة بـاملـشـروع اإليـرانـي وامليليشيات املسلحة املتحالفة مـعـه. ولــم تكن تلك املواجهات متماثلة في طبيعتها أو أهدافها، لكنَها اخـتـبـرت قـــدرة الــدولــة الـسـعـوديـة على حماية أمنها واستقالل قرارها. وإذا كانت تلك املـواجـهـات تختلف فـي ظروفها وأسبابها، فإن مآالتها تستحق التأمل. فقد انحسر املـــشـــروع الــنــاصــري، وسـقـط نـظـامـا صـــدام والـقـذافـي وغيرهما، واندحر اإلرهـاب وتراجعت حركات رفعت يـومًا شعارات تغيير املنطقة، بينما واصلت الدولة الــســعــوديــة بـــنـــاء مـؤسـسـاتـهـا وتــطــويــر اقـتـصـادهـا وتـعـزيـز حـضـورهـا الـــدولـــي. وهـنـا ملمح مـهـم لفهم الفارق بني املشاريع التي تربط مستقبلها بشعارات اللحظة، والدول التي تنظر إلى مصالحها في سياق تـاريـخـي أطـــول، ولـعـل املــشــروع اإليــرانــي يـقـدم مثاال معاصرًا لهذه املقارنة. ،2014 فبعد سيطرة الحوثيني على صنعاء عام شــــاع فــي الـخـطـاب الـسـيـاسـي اإليـــرانـــي الــحــديــث عن سقوط أربــع عـواصـم عربية فـي دائـــرة نفوذ طهران: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وكـان ذلـك تعبيرًا عن مرحلة بدا فيها املشروع اإليراني في ذروة تمدده، مستفيدًا من ضعف مؤسسات بعض الدول، لكن أين أصبحت تلك العواصم بعد اثني عشر عامًا؟ فــي دمــشــق، أدى ســقــوط نــظــام بــشــار األســــد في إلى فقدان إيران أحد أهم 2024 ) ديسمبر (كانون األول حلفائها، وانقطاع حلقة رئيسية في امتداد نفوذها. وفـي بـيـروت، تعرض «حــزب الله» لخسائر عسكرية وسياسية، وتغيَرت مـوازيـن الـقـوى. أمـا بـغـداد، فما زالــت تتداخل فيها املصالح الوطنية مـع نفوذ قوى إقليمية متعددة، وها هي صنعاء تستعد للتحرر من التسلط الحوثي. غير أن الــســؤال األهـــم ال يتعلق بما بقي إليــران مـن نـفـوذ فحسب، وإنـمـا بما كسبته مـن مشروعها اإلقليمي، وما خسرته في سبيله. فقد امتلكت طهران أوراقًا للتأثير خـارج حـدودهـا، لكنها واجهت أيضًا عــقــوبــات وضـــغـــوطًا اقـــتـــصـــاديـــة، وخــســائــر أصــابــت حلفاءها، وصوال إلى الحرب األميركية - اإلسرائيلية، وما حملته من أعباء عسكرية واقتصادية وتداعيات طالت املنطقة بأسرها. وفي املقابل، كان املشروع السعودي يمضي في مـسـار مـخـتـلـف؛ دولـــة تستثمر مـــواردهـــا فــي تنويع االقتصاد، وتطوير البنى التحتية، وتوسيع فرص االسـتـثـمـار والـعـمـل، وتـعـزيـز مكانتها الـدولـيـة. ولم تــكــن بــمــنــأى عـــن تـكـالـيـف االضـــطـــرابـــات اإلقـلـيـمـيـة، لكنها جعلت التنمية محورًا رئيسيًا في حساباتها االستراتيجية. وهنا يبرز سؤال: ما الذي يبقى للدولة وشعبها مــــن ثـــمـــار خـــيـــاراتـــهـــا الـــســـيـــاســـيـــة بـــعـــد ســــنــــوات مـن الـــصـــراع؟ فـــامـــتالك الــنــفــوذ خــــارج الـــحـــدود ال يعني بالضرورة القدرة على تحويله إلى أمن وازدهـار في الـداخـل، كما أن نجاح املـشـروعـات التنموية يتطلب بيئة إقليمية مستقرة تحمي مكتسباتها. ولـــيـــس مــعــنــى ذلـــــك أن الــــســــعــــوديني يـتـجـنـبـون املــواجــهــة مهما بلغت الــتــهــديــدات، أو أن انشغالهم بالتنمية يجعلهم أقل استعدادًا للدفاع عن بالدهـم، ألنــهــم ال يـبـحـثـون عـــن الـــحـــروب؛ لـكـنـهـم يـــدركـــون أن املحافظة على األمـــن واالســتــقــرار لـه تكاليفه املاديـــة والبشرية، وأن االعتداءات على أراضيهم ومنشآتهم تستوجب التعامل معها بما يحفظ أمنها وسيادتها. كـمـا علمتهم تـجـاربـهـم أن الـصـبـر االسـتـراتـيـجـي ال يتعارض مع الحزم، وأن القدرة على الرد ال تقتضي بــالــضــرورة التعجل فــي اسـتـخـدام كــل أدوات الـقـوة. فليست الحكمة فــي تجنب املـواجـهـة دائــــمًا، وال في خـوضـهـا عـنـد كـــل اســـتـــفـــزاز، وإنـــمـــا فـــي مـعـرفـة متى تــكــون ضـــروريـــة، وكــيــف تُـــــدار، ومـــا الــــذي ينبغي أن يتحقق بعدها. ولـــم يـكـن قـــرار تـدخـل تـحـالـف دعـــم الـشـرعـيـة في م نقيضًا لهذا النهج، فسرعة اتخاذ 2015 اليمن عام القرار عند قيام التهديد ال تعني استعجال النتائج، كـــمـــا أن طـــــول أمـــــد املـــواجـــهـــة ال يُـــعـــفـــي مــــن مــراجــعــة الوسائل وتقدير تكاليفها. فالحزم في حماية األمن شيء، وبناء االستقرار السياسي املستدام شيء آخر، وإن كان أحدهما متصال باآلخر. ومن هذه الزاوية يمكن قـراءة مستقبل صنعاء؛ فــاســتــعــادة الـعـاصـمـة مـــن سـيـطـرة الــحــوثــيني تمثل هـدفًا للحكومة اليمنية املعترف بها دولــيًا، وتتصل باملصلحة السعودية في قيام دولـة يمنية مستقرة، تمتلك مؤسساتها قرارها، وال تكون أراضيها منطلقًا لتهديد جيرانها أو املمرات املائية االستراتيجية. ويـسـتـتـبـع ذلــــك جـــهـــود إلعـــــادة بــنــاء مـؤسـسـات الـدولـة، وتحقيق املصالحة الوطنية، ومعالجة آثار الــحــرب. ومــن هنا فـــإن الـتـريـث فـي اخـتـيـار الوسائل ال ينبغي أن يُفهم تـراجـعًا عـن الـغـايـات، واملـهـم بعد الحسم العسكري كيف يُضمن استدامة االستقرار؟ وفي ظل املواجهة مع الحوثيني، تأتي توجيهات خــادم الـحـرمني الشريفني باالستجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، والـبـدء بـإجـراءات تصحيح أوضـاع اليمنيني املوجودين على األراضي السعودية بطرق غير نظامية. لــــقــــد تــــغــــيَــــر الـــــخـــــصـــــوم، وتــــبــــدلــــت شـــعـــاراتـــهـــم وتحالفاتهم، كما تغيَرت أدوات املواجهة وظروفها. لــكــن الــتــجــربــة الـــســـعـــوديـــة ظــلــت تـــقـــدم نــــمــــوذجًا في الجمع بني وضــوح األهـــداف، واملـرونـة فـي الوسائل، واملحافظة على املبادئ. وهي معادلة تزداد أهميتها فـي منطقة تتسارع أحـداثـهـا، وتتغير فيها موازين القوى، ويصعب التنبؤ بمآالت صراعاتها. بــقــي أن أشــيــر إلــــى أنــنــا أمــــام مــنــطــقني: منطق الثورة وامليليشيات، وآثاره وتداعياته ماثلة للعيان؛ أمـــا مـنـطـق الـــدولـــة فـلـخّــصـه ولـــي الـعـهـد فـــي مقابلة بقوله: القوات املسلحة السعودية 2017 متلفزة عـام بإمكانها اجـتـثـاث ميليشيات الـحـوثـيني خالل أيـام قــلــيــلــة، ولــكــنــنــا لـــن نـــقـــوم بـــذلـــك حـــفـــاظًا عــلــى أرواح املـــدنـــيني فـــي الــيــمــن وتــجــنــبًا لـلـخـسـائـر فـــي صـفـوف القوات السعودية. السعوديون ليسوا في عجلة من أمرهم، لكنهم لـيـسـوا فــي غفلة عـمّــا يـجـري حـولـهـم. يـعـرفـون متى يصبرون، ومتى يحسمون، ويـدركـون أن الدفاع عن الـوطـن ال يتعارض مـع بناء مستقبله، وأن الـــدول ال تُــقــاس بـمـا تـخـوضـه مــن حــــروب، وإنَــمــا بـمـا تحافظ عـلـيـه مـــن أمــــن، ومــــا تـحـقـقـه لـشـعـوبـهـا مـــن اســتــقـرار وازدهار. أما اإليقاع، فكعادته، ليس إيقاع العناوين. السعوديون يدركون أن الدفاع عن الوطن ال يتعارض مع بناء مستقبله... وأن الدول ال ُتُقاس بما تخوضه من حروب صالبة الدول في العصر الرقمي ال قاس فقط بقدرا ها المادية والعسكرية بل بدرجة مناعة وعيها العام ضد التالعب الفكري عبد هللا فيصل آل ربح بندر بن عبد الرحمن بن معمر إميل أمين OPINION الرأي 14 السعودية ليست في عجلة من أمرها مناعة الوعي وحماية الفضاء العام الحوثيون... سردية أعداء العالم مواجهة الحوثي واجبة الوجود قبل أن ينتصر الشر ويفوز األشرار
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==