اقتصاد 15 Issue 17485 - العدد Monday - 2026/10/12 الاثنين ECONOMY د. عبد الله الردادي اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك تبحث تداعيات صدمة الطاقة وأعباء التمويل الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر الاقتصاد العالمي يدخل صنّّاع السياسات المالية والنقدية أســــبــــوع الاجـــتـــمـــاعـــات الـــســـنـــويـــة لــصــنــدوق الـنـقـد الـــدولـــي والــبــنــك الـــدولـــي فـــي بـانـكـوك، الـيـوم (الاثــــنين)، وســط اقتصاد عالمي تمك ََّن حـتـى الآن مــن امــتــصــاص جــانــب مــن صدمة الــــحــــرب فــــي الــــشــــرق الأوســــــــط، لــكــنــه يـــواجـــه ضـغـوطا متزايدة مـن ارتـفـاع أسـعـار الطاقة، وصــعــوبــة احـــتـــواء الـتـضـخـم، وتـــراكـــم الـديـن العام، إلى جانب طفرة استثمارية في الذكاء الاصــطــنــاعــي تـعـيـد تـشـكـيـل تــوقــعــات النمو والأسواق. وتكتسب اجـتـمـاعـات هـــذا الــعــام أهمية استثنائية مع استمرار الحرب للشهر الثامن، وما خل ََّفته من اضطرابات في إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ورغم أن الاقتصاد العالمي أظـــهـــر مــــرونــــة فـــاقـــت المــــخــــاوف الأولــــيــــة، فــإن ارتــفــاع تكاليف الــوقــود والمـنـتـجـات المــكــررة، وتراجع المخزونات النفطية المتاحة، يثيران تساؤلات بشأن قدرة الأسواق على امتصاص صدمات جديدة. وكـــــــان صــــنــــدوق الـــنـــقـــد قــــد أشــــــــار، قـبـل الاجتماعات، إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه قوتين متعاكستين: صدمة سلبية ناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب الإمـدادات، وقـــوة داعـمـة للنشاط تـقـودهـا الاسـتـثـمـارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقالت المديرة الـعـامـة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، إن اســتــمــرار ارتـــفـــاع أســعــار الــطــاقــة، وتـراكـم الدين العام، والمخاطر المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، تمثل أبــرز مـصـادر القلق أمـام الاقتصاد العالمي. تقارير ترسم صورة الاقتصاد العالمي تــت ََّــجــه الأنـــظـــار إلــــى سـلـسـلـة الـتـقـاريـر التي يصدرها صندوق النقد الدولي خلال الاجتماعات، وفي مقدمتها «آفاق الاقتصاد العالمي» و«تقرير الاستقرار المالـي العالمي» أكتوبر (تشرين الأول)، ثـم «مـراقـب 13 فـي أكــتــوبــر. كـمـا يعقد 14 المالـــيـــة الــعــامــة» فــي أكــتــوبــر إحـــاطـــة خـاصـة 15 الـــصـــنـــدوق فـــي بمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وســــيــــكــــون تــــقــــريــــر «آفــــــــــاق الاقــــتــــصــــاد العالمي» الاختبار الأهم لتقديرات الصندوق بـشـأن قـــدرة الـنـشـاط الـعـالمـي على مواصلة الــنــمــو فـــي مــواجــهــة صـــدمــة الـــطـــاقـــة. وكـــان الـــصـــنـــدوق قـــد أبــقــى فـــي سـبـتـمـبـر (أيـــلـــول) تـوقـعـاتـه لـنـمـو الاقــتــصــاد الــعــالمــي فــي عـام فـي المائـــة، مشيرا إلـى أن 3 عند نحو 2026 الاقـتـصـاد أظـهـر قـــدرة على تحمل الصدمة أفـــضـــل مـــمـــا كـــــان مـــتـــوقـــعاً، رغـــــم اســـتـــمـــرار المخاطر. لـكـن اســتــقــرار الـتـوقـعـات الإجـمـالـيـة لا يعني تحس ُُّن الآفـــاق فـي مختلف المناطق. فــبــحــســب تـــقـــريـــر لـــوكـــالـــة «رويـــــتـــــرز» قـبـيـل الاجتماعات، قد يخف ِِّض الصندوق توقعاته لبعض الاقــتــصــادات، مــن بينها أوكـرانـيـا، ودول خليجية تأثرت بالضربات الإيرانية والانـــخـــفـــاض الـــحـــاد فـــي صــــــادرات الـطـاقـة. ويعكس ذلــك تـفـاوت أثــر الـحـرب تـبـعا لمدى تعرُُّض الاقتصادات لاضطرابات الإمـدادات والـــتـــجـــارة، واعــتــمــاد نـشـاطـهـا وإيـــراداتـــهـــا على صادرات الطاقة. وتــكــتــســب تـــوقـــعـــات الــتــضــخــم أهـمـيـة مـمـاثـلـة، فـــي ظـــل الـــتـــســـاؤلات بــشــأن مـــا إذا كانت زيـــادة تكاليف الطاقة ستظل صدمة مــؤقــتــة أم ستنتقل إلـــى الأجـــــور والأســـعـــار والخدمات، بما يفرض ضغوطا أطول على السياسة النقدية. ولا تـــقـــتـــصـــر المــــخــــاطــــر عــــلــــى ارتــــفــــاع الأسـعـار، بل تمتد إلـى تراجع قــدرة السوق على امتصاص صـدمـات جـديـدة. فبحسب «رويترز»، س ُُحب أكثر من مليار برميل من الـنـفـط، معظمها مــن المــخــزونــات التجارية فـبـرايـر 28 الــبــريــة، مـنـذ انــــدلاع الــحــرب فــي (شـبـاط)، بينما تتناقص الكميات المخزََّنة المتاحة فعليا للأسواق العالمية. ويزيد ذلك هـشـاشـة أســــواق الـطـاقـة أمـــام أي اضـطـراب إضافي في الإمـدادات، حتى مع اللجوء إلى السحب من الاحتياطات الاستراتيجية. وتعكس هذه التطورات تحديا يتجاوز حـــجـــم المـــــعـــــروض الـــنـــفـــطـــي، إذ إن تـــراجـــع المخزونات المتاحة قد يحد من قدرة السوق عـلـى مــواجــهــة اضــطــرابــات جـــديـــدة، ويـزيـد حـسـاسـيـتـهـا لأي تـصـعـيـد يـــهـــد ِِّد مــســارات الإمداد أو يطيل أمد تعطلها. الأسواق المالية تحت الاختبار وفي اليوم نفسه الذي يصدر فيه تقرير النمو، سيطرح الصندوق «تقرير الاستقرار المالي العالمي»، في وقت ارتفعت فيه عوائد السندات في عـدد من الاقتصادات المتقدمة والـــنـــاشـــئـــة، مـــدفـــوعـــة بــمــزيــج مـــن تـوقـعـات السياسة النقدية، وارتـفـاع أسـعـار الطاقة، والمـــــخـــــاوف مــــن مـــســـتـــويـــات الــــديــــن الـــعـــام، وارتفاع علاوة الأجل. ويكتسب التقرير أهمية أكبر لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يأتي في وقت أصبحت فيه الحكومات أكثر اعتمادا على أسـواق الدين لتمويل عجزها وإدارة أعباء قائمة بالفعل. ويـبـحـث الـتـقـريـر فــي المـخـاطـر الـتـي تـواجـه الـنـظـام المالـــي الـعـالمـي، بما فـي ذلــك تنظيم الـقـطـاع المـصـرفـي والـتـنـسـيـق بين الـجـهـات الـــرقـــابـــيـــة، كــمــا يــتــنــاول مــخــاطــر صـنـاديـق التحوط والاستقرار المالي وتطورات جديدة في الأصول المالية الرقمية. وسيكون السؤال بالنسبة إلى الأسواق لـيـس فـقـط مــا إذا كــانــت المــؤســســات المالــيــة قـادرة على تحمل الصدمات، وإنما إلى أي مدى تستطيع الحكومات والبنوك المركزية التدخل إذا تحو ََّلت صدمة الطاقة إلى أزمة أوسع في التمويل والسيولة. وتـــتـــجـــه الأنـــــظـــــار أيــــــضا إلـــــى اجــتــمــاع اللجنة الـدولـيـة لـلـشـؤون النقدية والمالــيــة، التي يرأسها وزيـر المالية السعودي محمد الجدعان، والمـقـرر عقد جلستها العامة في أكتوبر. وتُُعد اللجنة الهيئة الاستشارية 17 المعنية بالتوجهات الاستراتيجية لصندوق الـنـقـد الـــدولـــي، مــا يمنح اجتماعها أهمية في تنسيق المـواقـف بشأن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، ومخاطر التضخم والـديـن الـعـام، وأولـويـات دعـم الــدول الأكثر تعرضا للصدمات. الدين العام يضي ّّق هامش الحركة أكتوبر، يناقش «مراقب المالية 14 وفي العامة» الضغوط المتزايدة على الحكومات، بين ارتــفــاع تكاليف خـدمـة الـديـن والإنـفـاق على الطاقة والـدفـاع، والحاجة إلـى تمويل البنية التحتية والـتـحـول الـرقـمـي والـذكـاء الاصطناعي. ويــحــذ ّّر صــنــدوق الـنـقـد الــدولــي مــن أن 100 الـديـن الـعـام العالمي يتجه إلــى تـجـاوز فـي المائـــة مـن الناتج المحلي الإجـمـالـي قبل ، وهـو أعلى مستوى منذ الحرب 2030 عـام الـعـالمـيـة الـثـانـيـة، مــا يــزيــد مـخـاطـر ارتــفــاع تكاليف الاقتراض وإعادة تمويل الديون. وتـواجـه الاقـتـصـادات النامية ضغوطا أشـــــد، إذ تــتــجــاوز مـــدفـــوعـــات الـــفـــائـــدة، في فـــــي المائــــــــــة مـــــن الإيـــــــــــرادات 10 ، المـــــتـــــوســـــط الـحـكـومـيـة، وفـــقا لـــ«رويـــتـــرز»، مــا يـحـد من قدرتها على تمويل الخدمات والاستثمارات. وفي المقابل، لا يحظى إحياء مبادرة تعليق خـــدمـــة الـــديـــون لـــلـــدول الأشـــــد فـــقـــرا بـتـأيـيـد واسع داخل مجموعة العشرين. ويتمثل الـتـحـدي فــي تحقيق الــتــوازن بين خفض العجز ودعم النمو، إذ قد يؤدي التقشف السريع إلى إضعاف الطلب، بينما يـــزيـــد تــأجــيــل ضــبــط المالـــيـــة الــعــامــة تكلفة الاقـــتـــراض ويــقــلّّــص قــــدرة الـحـكـومـات على مواجهة الصدمات المستقبلية. الذكاء الاصطناعي وفي المقابل، يدخل الذكاء الاصطناعي اجــتــمــاعــات بــانــكــوك بـوصـفـه أحـــد الـعـوامـل التي ساعدت الاقتصاد العالمي على الحفاظ على زخمه رغم صدمة الطاقة. لكن صندوق النقد الــدولــي ينظر إلـيـه بـصـورة مـزدوجـة؛ فالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية تـدعـم الطلب والإنتاجية، لكنها ترفع أيضا الطلب على الطاقة وتزيد مـــخـــاطـــر تـــضـــخـــم تـــقـــيـــيـــمـــات الأصــــــــــول، إذا تجاوزت توقعات العوائد قدرة الاستثمارات على تحقيق أرباح فعلية. ولا تـــــــتـــــــوزع مـــــكـــــاســـــب هـــــــــذه الــــطــــفــــرة بالتساوي، إذ تستفيد الاقتصادات المتقدمة مـــن الاســـتـــثـــمـــارات الـــجـــديـــدة، بـيـنـمـا تــواجــه الــــــــدول الأقـــــــل دخلا صـــعـــوبـــة فــــي جـــذبـــهـــا، بسبب نقص البنية التحتية الرقمية ورأس المال والمـــهـــارات، إلـــى جـانـب ضـغـوط الطاقة والتمويل. وهكذا، يساعد الذكاء الاصطناعي على تعويض جزء من أثر صدمة الطاقة، لكنه قد يـتـحـول إلـــى مــصـدر جـديـد لـعـدم الاسـتـقـرار إذا تــجــاوز نـمـو الاســتــثــمــارات والتقييمات الأسس الاقتصادية التي تدعمها. الشرق الأوسط في صدارة النقاش تــحــضــر مــنــطــقــة الــــشــــرق الأوســـــــط بــقــوة فــــي اجـــتـــمـــاعـــات هـــــذا الــــعــــام، بــســبــب دورهـــــا فــــي صـــدمـــة الـــطـــاقـــة واضــــطــــرابــــات الـــتـــجـــارة ِِّــــص صـــــنـــــدوق الـــنـــقـــد فـي الــــعــــالمــــيــــة. ويــــخــــص أكــتــوبــر إحـــاطـــة لمـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســــط 15 وآسيا الوسطى، في وقت يواصل فيه تقييم التداعيات الاقتصادية للصراع. وقــد أشـــار الـصـنـدوق إلــى أن السعودية أظـهـرت قـــدرة على الصمود رغــم اضطرابات التجارة وصادرات النفط، مستفيدة من تنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية، وإعادة توجيه بعض مــســارات الـتـجـارة، إلــى جانب قـوة الأســس الاقتصادية الكلية والاسـتـهلاك الـخـاص. وتوفر هـذه الـقـراءة خلفية للنقاش بـــشـــأن قــــــدرة الاقــــتــــصــــادات الــخــلــيــجــيــة عـلـى امتصاص الصدمات، مع اخـتلاف أوضاعها المالـيـة والخارجية عن كثير من الاقتصادات المستوردة للطاقة. وعـلـى نـطـاق أوســـع، يـتـفـاوت أثــر الأزمــة على الاقـتـصـادات الناشئة والنامية بحسب اعـــتـــمـــادهـــا عـــلـــى اســــتــــيــــراد الــــطــــاقــــة، وحــجــم احتياطاتها المالـيـة والنقدية، وقدرتها على الاقـتـراض. فـالـدول المستوردة للطاقة تواجه ارتــــفــــاعا فـــي تـكـالـيـف الاســـتـــيـــراد، بـيـنـمـا قد تستفيد الـــدول المنتِِجة مـن زيـــادة الإيــــرادات، شريطة إدارة دورة الأسـعـار وتجنب انتقال الــضــغــوط إلــــى الـتـضـخـم المــحــلــي أو الإنــفـــاق غير المستدام. وتظل الــدول منخفضة الدخل أكثر عرضة للمخاطر عندما تجتمع تكاليف الطاقة المرتفعة مـع أعـبـاء الـديـن ومحدودية التمويل. أمـا البنك الـدولـي، فيركز على تداعيات الـبـيـئـة الـعـالمـيـة الــجــديــدة عـلـى الاقــتــصــادات الـــنـــامـــيـــة، بـــمـــا يـــشـــمـــل الـــنـــمـــو والاســـتـــثـــمـــار والـوظـائـف والتمويل والــقــدرة على مواجهة الــصــدمــات الــخــارجــيــة. ويــزيــد ارتـــفـــاع تكلفة الاقـتـراض صعوبة تمويل التنمية، في وقت تحتاج فيه هـذه الاقتصادات إلـى الاستثمار فـــــي الـــبـــنـــيـــة الـــتـــحـــتـــيـــة والــــطــــاقــــة والــتــعــلــيــم والتحول الرقمي. ومــــــن المـــنـــتـــظـــر أن تـــخـــتـــبـــر اجـــتـــمـــاعـــات بانكوك قدرة صندوق النقد والبنك الدوليََّين على التعامل مع الضغوط المتزامنة، في وقت لا تــزال فيه مـرونـة الاقتصاد العالمي موضع اختبار. وستوفر التقارير الجديدة تقديرات مـــحـــد ََّثـــة لـلـنـمـو والــتــضــخــم والمالــــيــــة الــعــامــة والاستقرار المالي، لكن التحدي الأوسع يتمث ََّل في الحفاظ على النمو والاستثمار والتمويل فـــي ظـــل اســتــمــرار الـــحـــرب، وارتـــفـــاع تكاليف الـــطـــاقـــة، وتــــراكــــم الــــديــــن، وتــــســــارع الــتــحــول التكنولوجي. ضباط شرطة تايلانديون يقومون بدورية أمنية خارج مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات قبيل انعقاد الاجتماعات السنوية في بانكوك (إ.ب.أ) الرياض: «الشرق الأوسط» تحضر منطقة الشرق الأوسط بقوة في اجتماعات هذا العام لدورها في صدمة الطاقة واضطرابات التجارة أين تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي؟ في تقرير نشرته بداية العام، سألت شركة «ماكنزي» هذا دولـــة عـن الـذكـاء 15 آلاف مـديـر تنفيذي فـي 10 الـعـام أكـثـر مـن الاصطناعي، فجاء الـجـواب على صــورة رقــمين يكاد أحدهما في المائـة من مؤسساتهم تستخدمه في 88 ينفي الآخـر، الأول في المائة منها لا ترى له 81 جزء من أعمالها على الأقل، والآخر أثرا يُُذكر في أرباحها. بذلك فإن التقنية موجودة في «الإيميل» والاجتماعات والتقارير، وفـي كـل مكان إلا فـي السطر الأخير من الميزانية. وقـــد يــبــدو هـــذا اكــتــشــافا جـــديـــداً؛ لـكـنـه فــي الـحـقـيـقـة أقـــدم عاما كتب روبـرت سولو، الحائز على 40 مما نظن. فقبل نحو «نوبل»، جملته التي صارت مـثلاًً: «إننا نرى عصر الحاسوب فـــي كـــل مــكــان إلا فـــي إحــــصــــاءات الإنــتــاجــيــة، فــــإذا كــانــت الآلـــة الـجـديـدة فـي كـل مكتب، فـلـمـاذا لا تظهر فـي الـحـسـابـات؟ ومن يدفع ثمن هذا التأخير؟». الـجـواب الأول من التاريخ، وهـو أن الفجوة ليست وهـماً؛ بل ظاهرة تتكرر مع كل تقنية كبرى، فالمحرك الكهربائي دخل المـصـانـع الأمـيـركـيـة فــي ثمانينيات الــقــرن الـتـاسـع عـشـر، ولـم عاما ً، 40 ترتفع إنتاجية الصناعة ارتفاعا يُُلح ََظ إلا بعد نحو ن المـــؤرخ الاقـتـصـادي بــول ديفيد، والسبب أن أصحاب كما بي َّن المصانع اشـتـروا المـحـرك الكهربائي ووضـعـوه فـي المـكـان الـذي كانت تقف فيه الآلة البخارية، وأبقوا المصنع كما هو بطوابقه وأعمدته وسيوره التي تنقل الحركة من محرك مركزي واحد، ولم تظهر الثمرة إلا حين ه ُُدم ذلك التصميم كله، وبُُني المصنع من جديد على طابق واحــد، لكل آلـة فيه محركها الصغير، ثم تكررت القصة مع الحاسوب الذي ملأ المكاتب في السبعينيات والثمانينيات، ولم يظهر في أرقـام الإنتاجية إلا في منتصف التسعينيات. المصنع الذي اشترى المحرك الكهربائي وأبقاه في مـكـان الآلـــة البخارية هـو صـــورة مـا يـحـدث الـيـوم فـي كثير من الشركات: تشتري التقنية، ولا تغي ِِّر طريقة العمل حولها. أمـــا الـــجـــواب الــثــانــي فـمـن الاقــتـــصــاد، ويـفـسـر لماذا يـطـول الانتظار، فالاقتصادي إريــك برينيولفسون يصف ما يسميه » باللغة الإنـجـلـيـزيـة. حين تستثمر الشركة J« منحنى حـــرف في تقنية جديدة فإنها مضطرة إلى استثمار آخر لا يراه أحد، في إعــادة تصميم العمل، وتـدريـب الـنـاس، وترتيب البيانات، وتغيير عــادات رسخت لعقود. وهــذا الاستثمار غير المرئي لا يُُسج ََّل في الدفاتر أصلا بوصفه استثماراً؛ بل يُُسج ََّل مصروفاً، فتبدو الإنتاجية في السنوات الأولى هابطة لا صاعدة، ثم تقفز حين يكتمل الـبـنـاء. ومـسـح «مـاكـنـزي» يقيس هــذا الـجـزء غير في المائة من القادة يقرون بأن مؤسساتهم 86 : المرئي بدقة لافتة غير جـاهـزة لتشغيل الــذكــاء الاصطناعي فـي عملها اليومي، شـــركـــات لا يــوجــد فـيـهـا مـــســـؤول رفــيــع عن 6 وواحــــــدة مـــن كـــل هذا الملف أصلاًً، وأقـل من ربع المؤسسات التي أعلنت طموحا لتحسين أدائها تنجح في جعل التحسن يدوم. اشترََوا المحرك، ولم يحركوا الآلة. وهـنـا يـأتـي الــســؤال الـثـالـث، وهـــو: مََــن يـدفـع ثمن الفجوة ما دامـت مفتوحة؟ فحين لا يظهر العائد على استثمار أُُنفقت عليه الملايين، لا تملك الإدارة إلا متغيرا واحدا تستطيع تحريكه بسرعة، وهو البشر، يُُرفع الهدف وتُُقص ََّر المهلة، ويُُسم ََّى العام عام الإنتاجية، وي ُُطلََب من الموظف أن يسد بساعاته فجوة رهان تقني لم يختره. ويــقــول الـتـقـريـر نفسه إن قـــادة المـؤسـسـات يعملون تحت ضــغــط مــتــصــاعــد لـتـحـقـيـق مــكــاســب إنــتــاجــيــة إضـــافـــيـــة، وإن المـؤسـسـات الـتـي تــمــارس هـــذا الـضـغـط عـلـى نـحـو أشـــد تسجل ُُّــل المـــزيـــد. الــــتــــزاما أقــــل مـــن مــوظــفــيــهــا، واســــتــــعــــدادا أقــــل لــتــحــم والسبب اقتصادي بحت: الضغط يستهلك ما يسميه التقرير «رأس المال الـتـنـظـيـمـي»، أي المــعــرفــة والــثــقــة والــــعلاقــــات الـتـي تراكمت فـي المؤسسة عبر الـسـنين، وهــذا بالضبط هـو المدخل غير المرئي الذي كان ينقص لكي تعمل التقنية. فالشركة التي تعصر موظفيها لتعويض تأخر العائد تستهلك البذرة التي كـان يفترض أن تزرعها، وفـي المقابل تشير بحوث «ماكنزي» السابقة إلى أن المؤسسات التي توازن بين الاستثمار في الناس والمطالبة بـالأداء أقرب بأربع مرات إلى البقاء في الصف الأول مالياً، عقدا كاملا ًً. إلا أن للطرف الآخر وجهات نظر يصعب إغفالها، فبعض الاقتصاديين يرون أن المفارقة أصلا وهم ناتج عن قياس قاصر؛ لأن الإحــصــاءات تلتقط الكميات ولا تلتقط الـجـودة والسرعة والخدمات التي صارت مجانية، فربما كان العائد موجودا ولا نراه. وآخـــرون يــرون أن الـتـاريـخ نفسه يدعو إلـى الصبر لا إلى عـقـود فليس غـريـبا أن 4 القلق، فـــإذا كـانـت الكهرباء احتاجت يـحـتـاج الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي بـضـع ســـنـــوات، كـمـا أن المـتـوسـط يخفي تباينا كبيراً، فقطاعات مثل البرمجيات والخدمات المالية تحقق عــائــدا مـلـمـوسا فــــعلاًً، والــشــركــات الـتـي أعــــادت تصميم عملها حــول الآلـــة الـجـديـدة تسبق غيرها بــوضــوح، فالمشكلة ليست في التقنية بل في م ََن اشتراها ولم يعرف ماذا يفعل بها. ولعل المفارقة الحقيقية ليست أن التقنية في كل مكان إلا في الأرباح؛ بل إن الشركات تملك اليوم أسرع آلة في تاريخها، وتشغ ِِّلها بأقدم أداة في تاريخها، وهي مزيد من الضغط على الإنــســان، فالعائد الــذي تنتظره لـم يتأخر لأنــه بعيد؛ بـل لأنه موجود في المكان الذي تُُنفِِق منه؛ لا في المكان الذي تُُنفِِق عليه.
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky