يتضمن برنامج المعرض أكثر من ندوة وجلسة 95 حوارية بمشاركة شخصية 280 فكرية وأدبية Issue 17481 - العدد Thursday - 2026/10/8 اخلميس كتب BOOKS 17 بعد سنوات من االنقسامات «معرض بيروت للكتاب» يعود موحدا وبلغات عدة عــشــرة أيــــام ثـقـافـيـة جــامــعــة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الــــــدولــــــي لــــلــــكــــتــــاب» فـــــي دورتــــــــــه الـــســـابـــعـــة والــــســــتني، الـــــذي يـنـظـمـه هــــذه الـــســـنـــة، كما جـــرت الـــعـــادة، «الـــنـــادي الـثـقـافـي الــعــربــي». لـكـن هـــذه املـــــرة، الـــنـــادي وبــعــد ســـنـــوات من االنـــقـــســـامـــات، يـــعـــود لــلــتــعــاون مـــع «نــقــابــة اتــــحــــاد الـــنـــاشـــريـــن الـــلـــبـــنـــانـــيني»، ويـنـضـم إليهما «املـعـهـد الـفـرنـسـي» ببرنامج وازن، وتشاركها «الجامعة األميركية» في بيروت، الــتــي كــانــت قـــد شــهــدت فـــي حـرمـهـا انـعـقـاد أول معرض لبناني في أبريل (نيسان) عام ، بــل كـــان أول مـعـرض عـربـي للكتاب، 1956 حقق نجاحات مشجعة. من يومها صارت املـنـاسـبـة ســنــويــة، وانـطـلـقـت فـي منطقتنا معارض الكتب. لهذا استحق لقب: «عميد معارض الكتب العربية». بـــعـــد خالفــــــــات وســـــجـــــاالت طــــــــوال، هـا هـي بـيـروت تنعم بمعرض مـوحـد للكتاب، يـجـتـمـع فــيــه املــخــتــلــفــون، عــلــى مــشــاربــهــم، بــمــبــادرة مـن وزيــــر الـثـقـافـة غــســان سالمـــة. هــــؤالء فـرقـتـهـم قـضـايـا كـثـيـرة لـكـن الـكـتـاب جــمــعــهــم تـــحـــت ســـقـــف «ســـيـــســـايـــد أريــــنــــا» عــلــى الـــواجـــهـــة الــبــحــريــة لــلــعــاصــمــة، وذلـــك مــن الـتـاسـع حـتـى الـثـامـن عـشـر مــن أكتوبر (تشرين األول) الحالي. ـــــــعـــــــرض أكــــثــــر يــــتــــضــــمــــن بــــــرنــــــامــــــج ا نــــــدوة وجـــلـــســـة حــــواريــــة بــمــشــاركــة 95 مــــن شــخــصــيــة فـــكـــريـــة وأدبـــــيـــــة، ويـحـتـفـي 280 بـشـخـصـيـات مــثــل كـــمـــال جـــنـــبالط، وأحــمــد قـــــعـــــبـــــور، وصــــبــــحــــي الــــــصــــــالــــــح، وغــــســــان تــــويــــنــــي، وشـــــوشـــــو، وآخــــــريــــــن. تـخـصـص مساحات للشباب، والرسم وفن الغرافيتي، واملوسيقى التي تعود إلـى رحـابـه. من بني أبـرز املشاركني العرب في املعرض: الروائي واسـيـنـي األعــــرج الـــذي يـوقـع «الـريـمـيـتـي... أناشيد الجمر والــنــار»، ورشـيـد الضعيف، ونجوى بركات توقّع «غيبة مي»، وتتحدث عــــن «كــــيــــف تـــكـــتـــب الــــــــروايــــــــة؟»، والــحــبــيــب الساملي يوقّع «أيتها القبرّة». بـــالـــتـــزامـــن مــــع انـــعـــقـــاد املــــعــــرض فـــإن عـشـرات املؤلفات ابـصـرت الـنـور، وستشهد األجنحة حفالت توقيع بالجملة، في أجواء احــتــفــالــيــة جـــامـــعـــة، حــيــث تــنــشــط كـــل دار، لتنظيم برنامجها الــخــاص، بـالـتـوازي مع البرنامج العام للمعرض. وتـشـهـد هـــذه الـــــدورة مـشـاركـة واسـعـة تتجاوز مائة وثالثة وستني دار نشرٍ، بينها ثالث وعشرون دارًا عربيةً. وهي املرة األولى منذ عدة سنوات التي يجتمع فيها الكتاب الفرنسي مع العربي في معرض واحد. الـــنـــاشـــرة رشـــــا األمــــيــــر صـــاحـــبـــة «دار الـــجـــديـــد» الـــتـــي ال تـــــزال تــجــد أن االشـــتـــراك في معرض بيروت مكلف نسبة إلـى املبيع املحتمل، وجـــدت الـحـل األنـسـب بـاالشـتـراك مع مكتبة صديقة هي «الحلبي»، للتخفيف من األعباء. وهي ليست الوحيدة التي لجأت إلى هذه الوسيلة. وتقول األمير إنها سعيدة بتأمني رعاة لهذا املعرض، وإن كل الجهات اتفقت أخيرًا واجــتــمــعــت فـــي مـــعـــرض واحــــــد. وتــضــيــف: «نحن منذ زمن بعيد ندعو ملعرض يتحاور فــيــه املــخــتــلــفــون، وتــتــمــثــل فــيــه إلــــى جـانـب العربية، كل اللغات، الفرنسية واإلنجليزية واإلســـبـــانـــيـــة والــــكــــرديــــة، ولــــغــــات أخــــــرى». بـــالـــنـــســـبـــة لـــصـــاحـــبـــة «دار الــــجــــديــــد» حني يكون البلد متعددًا يجب أن يكون معرض الكتاب على مثاله. «كنا ذات يوم قد دعونا كل األطــراف املنظمة ملعارض الكتب إلـى ما سميناه (املقرأ). وهو اجتماع طالبنا خالله بمعرض مختلف عن كل املعارض األخـرى، ألن بيروت لديها إمكانات كبرى وتعددية فـي الـلـغـات والـنـشـر والـطـبـاعـة والصحافة. هذا هو دور بيروت الفعلي، ألنها منفتحة على العالم وفيها حرية. ما يتحقق اآلن، هو جزء مما حلمنا به». وتختم: «جيد أن يكون هناك معرض واحـــــــد لـــــه صــــــدى وتــــأثــــيــــر، بــــــدل مـــعـــارض ضعيفة. وهناك نـدوات وأغــانٍ، وموسيقى. أمـــا املـشـهـد الـــعـــام فـهـو (كــوكــتــيــل) مـفـتـوح، يـلـتـقـي فــيــه الـــنـــاس. هــــذا شــــيء مـفـيـد بحد ذاتـــه، وربـمـا اشـتـرى الــــرواد بـهـذه املناسبة كتبًا يقرأونها أو ال، لسنا ندري». برنامج املعرض حافل، فيه املوسيقى، حيث تغني في حفل االفتتاح ريما خشيش، يرافقها على البيانو خوان رودريغيز. وفي اليوم التالي تُعقد ندوة عن «الرؤيوي كمال جنبالط» بمشاركة نخبة من الباحثني، إلى جانب ندوات عن «شغف» للموسيقار عابد عــازريــة بــحــوار مــع اإلعالمــــي زاهـــي وهـبـي، وعــن كـتـاب «رئـيـس الجمهورية اللبنانية: املـــوقـــع والـــــــدور»، و«عــــن الـكـتـابـة اإلبــداعــيــة وأدب الغد» مع الكاتب عبد الرحمن جاسم. ويــضــم الــيــوم كــذلــك لــقــاء بـالـفـرنـسـيـة حـول كتاب عن غزة. وضـــــــمـــــــن الــــــبــــــرنــــــامــــــج جـــــلـــــســـــة حـــــول «ثالثـــيـــة رشــيــد الـضـعـيـف األخـــيـــرة وإعــــادة تــشــكــيــل األســـــــطـــــــورة»، ونــــــــدوة عــــن «رؤيـــــة مـــوريـــس الـجـمـيـل وتــنــمــيــتــه»، وجــلــســة مع الـروائـي واسيني األعـــرج بعنوان «التاريخ والـــحـــكـــايـــة»، وأخــــــرى عـــن مــــذكــــرات مــــروان حــــمــــادة «لـــبـــنـــان عــســل ودم... رحـــلــتـــي فـي الـــصـــحـــافـــة والـــســـيـــاســـة». وثـــمـــة مــحــاضــرة للدكتور جـورج حـداد عنوانها «الطب يقرأ الـــفـــن: جــولــة طـبـيـب فـــي قـــاعـــات املــتــاحــف»، وحـوار مع الفنان عادل كرم. وتُطرح أسئلة عـــن الـــجـــوائـــز وأثـــرهـــا فـــي األدب بـمـشـاركـة واسيني األعرج وجالل برجس. وتُستحضر ذاكـــــرة بـــيـــروت عـبـر «مـقـهـى الـــهـــورس شـو» فــــي شــــــارع الــــحــــمــــراء، وجـــلـــســـة عــــن تـــاريـــخ «دار اآلداب» تـــتـــحـــدث فــيــهــا رنـــــا إدريـــــس سنة 70 بوصفها نــاشــرة، بمناسبة مـــرور على تأسيسها. وضمن البرنامج أمسيات شعرية عديدة. وميزة البرنامج أنه متنوع؛ يطول الطب واملوسيقى والسير والتاريخ والنشر، كما الرواية والسياسة واالقتصاد. والــــجــــديــــد هــــــذه الـــســـنـــة هــــو انـــضـــمـــام «املـــعـــهـــد الــثــقــافــي الـــفـــرنـــســـي» إلــــى مـعـرض الكتاب العربي واضـعًا إمكانات كبيرة، من أجــل إنـجـاح املناسبة. وتحل املكتبات بدل دور النشر الفرنسية الـتـي لـم تعد تحضر إلـــى بـــيـــروت، كـمـا كـــان الـــحـــال ســـابـــقًا. إنـمـا تحاول املكتبات أن تعرض أحدث اإلنتاجات وأهمها. وعمل «املعهد الفرنسي» على تنظيم بــــرنــــامــــج ثــــــري واســــتــــقــــدم أدبــــــــاء وفــــنــــانني ضمن برنامجه الـــذي كــان يحتفي فيه إما فـي معرض خـاص أو بما سـمـاه، منذ أربـع سنوات بعد تغيير الصيغة، «بيروت كتب»، حيث يحاول أن يجعل أنشطته موزعة في مناطق عــدة. وتذهب الكتب واألنشطة إلى القراء حيث هم، من خالل شبكة فروع املعهد الــفــرنــســي فـــي لـــبـــنـــان. وتــنــظــم هــــذه الـسـنـة لقاءات وورش عمل في جونية وديـر القمر وطرابلس وزحلة إضافة إلى بيروت. بيروت: سوسن األبطح زوار خالل دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان) خطاب اليمين المتطرف انتقل من منشورات حزبية إلى منتجات ثقافية واسعة االنتشار الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية حــقّــق كــتــاب «نــهــب الـــقـــرن» لـلـبـرملانـيـة األوروبــيــة ســارة كـنّــافـو، املنتمية إلــى حزب «ريــكــونــكــيــت» الـيـمـيـنـي املـــتـــطـــرف، نــجــاحًا استثنائيًا في السوق الفرنسية؛ إذ تجاوزت أسابيع، 3 ألف نسخة في ظرف 160 مبيعاته وفق أرقام نشرتها مصادر صحافية. غير أن نجاح كـنّــافـو، مهما بــدا الفـــتًا، ال ينبغي أن يُــقـرأ بوصفه حـالـة مـنـفـردة. فـــخالل األشهر األخـيـرة، غـزت واجـهـات املكتبات الفرنسية مـــجـــمـــوعـــة مــــن املــــؤلــــفــــات الـــســـيـــاســـيـــة الــتــي وقّـــعـــتـــهـــا شـــخـــصـــيـــات تــنــتــمــي إلـــــى الـــيـــمني املتطرف أو تتحرك في مداره اآليديولوجي، محققة أرقــــام مـبـيـعـات ال تُــسـتـهـان بـهـا في سوق الكتاب، التي تشهد تنافسًا محتدمًا. ولـــفـــهـــم داللــــــــة هــــــذه الـــــظـــــاهـــــرة، ال بـد مـــن اســتــحــضــار املـــســـار الــتــاريــخــي للكتاب الــســيــاســي الــيــمــيــنــي. فــقــد كــــان فـــي نـشـأتـه األولــى أقـرب إلـى املنشور السياسي املوجه إلـــى الـنـخـبـة، يُــكـتـب بلغة رصـيـنـة، ويُطبع في نسخ محدودة، ويهدف إلى إقناع قارئ مـثـقـف أو إلـــى تـبـريـر مــوقــف سـيـاسـي أمــام دائـــــرة ضـيـقـة مـــن املـــتـــلـــقني. لــكــن مـــع تـحـول املشهد الثقافي واإلعالمــــي، وازديـــاد تأثير وسائل االتصال الجماهيري، خضع الكتاب السياسي لتحوالت عميقة، جعلته ينتقل من كونه أداة إقناع نخبوية إلى كونه منتجًا ثقافيًا يُصمّم بعناية، ويُــسـوّق بمنهجية، ويُــوزّع عبر شبكات تجارية واسعة. ويرى بـاحـثـون أن هــذه الـتـحـوالت لـم تعد تنتمي إلـــى الـــزمـــن األدبـــــي الــطــويــل، بـــل إلـــى إيـقـاع صحافي سريع؛ فالكتاب السياسي أصبح «يُكتب ويُنشر ويُسوّق في أسابيع قليلة»، ثــم تـتـعـاقـب عـلـيـه الـعـنـاويـن الــجــديــدة، فال يبقى منه إال أثر عابر في الذاكرة الثقافية. فرانسوا أنييك، املسؤول في االتحاد املهني للناشرين والكتاب، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفًا إياه بأنه «كتاب ذو استهالك سريع، 6 غـــالـــبًا مـــا يـكـتـبـه آخــــــرون، ويـخـتـفـي بــعــد أشهر». وفــــي صـــــدارة هــــذه الـشـخـصـيـات الـتـي تسجل كتبها إقباال جماهيريًا يأتي جوردان بارديال، رئيس التجمع الوطني، الذي حقق ألــــف نـسـخـة مـجـتـمـعني. 320 كــتــابــاه نــحــو 200 فكتابه األول «مـــا أبـحـث عـنـه» تــجــاوز ألــف نسخة، فيما اقـتـرب كتابه الثاني «ما ألـف نسخة في 100 يريده الفرنسيون» من أسـابـيـع قليلة مــن صــــدوره. أمـــا فيليب دو فـيـلـيـيـه، مـــؤســـس حــــزب «الـــحـــركـــة مـــن أجــل فرنسا»، وأحد أبرز وجوه اليمني السيادي واملــحــافــظ فــي فـرنـسـا، فـقـد واصــــل ترسيخ حـــضـــوره فـــي ســــوق الــكــتــاب الــســيــاســي؛ إذ تـجـاوزت مبيعات كتابيه األخيرين «إبــادة ألـف نسخة 400 » الشعب» و«إبـــادة الــذاكــرة مجتمعني، وفق تقديرات «منصة إدستات» إلحـصـاءات النشر. وال يغيب إريــك زيمور، الزعيم الحالي لحزب «ريكونكيت» اليميني املتطرف، عن هـذه الـصـورة، فكتابه األخير ألف 70 «الــقــدّاس لـم ينته بـعـد» حـقّــق نحو نسخة. وعلى الرغم من أن نيكوال ساركوزي ال ينتمي رسـمـيًا إلـى الـيـمني املتطرف، فإن مـواقـفـه األخــيــرة قـاربـتـه مــن خـطـاب الـيـمني املــتــشّــدد. وكـتـابـه «يـومـيـات ســــجني»، الــذي ، حـــقـــق مــبــيــعــات 2025 صــــــدر فــــي خــــريــــف ألف نسخة. 140 تجاوزت ولـــعـــل أحــــد أســــــرار اإلقــــبــــال عــلــى هــذه الـــكـــتـــب يـــكـــمـــن فـــــي قــــدرتــــهــــا عـــلـــى تــحــويــل الـــحـــجّـــة الــســيــاســيــة إلـــــى حـــكـــايـــة إنــســانــيــة قـابـلـة لـــلـــتـــداول. فـالـعـنـاويـن نـفـسـهـا تـــؤدي وظـــيـــفـــة درامــــيــــة واضــــحــــة: «نـــهـــب الــــقــــرن»، «إبــادة الشعب»، «إبــادة الـذاكـرة»، «يوميات سجني». كلها عناوين ال تقدم فكرة بقدر ما تفتح مشهدًا صراعيًا، ففي هذه الكتب هناك ظالم وضحية، ومتهمون، ومحكمة، وشعب مهدد باالختفاء. وفي حالة سارة كنّافو، ال يُقدّم الكتاب برنامجًا اقتصاديًا تقنيًا، بل تحقيقًا قضائيًا في نهب الـدولـة للمواطن. فـالـراتـب، والــضــرائــب، والـتـقـاعـد، وأوروبــــا، تتحول جميعًا إلى عناصر في ملف اتهام. وتــــزداد فاعلية هـــذا األســلــوب حني تُترجم األرقـام املجردة إلى شخصية روائية، حيث نجد في فصول الكتاب شخصية «نيكوال»، املوظف املتوسط الـذي يُقال إنـه خسر أكثر من مليون يورو على امتداد مساره املهني. وهــــذه الـشـخـصـيـة الـوهـمـيـة تـمـنـح الـحـجّــة االقتصادية جسدًا ووجهًا وسيرة. لـــكـــن مــــا يــمــنــح هـــــذه الـــكـــتـــب وحــدتــهــا الثقافية ليست العناوين فـقـط، بـل املعجم الذي تبنيه، واملوضوعات التي تتكرر فيها عبر الحدود الوطنية. فإذا أمعنا النظر في قــامــوس هـــذه املــؤلــفــات، وجــدنــا أنـهـا تــدور حـــول مــفــردات قليلة، لكنها تتميز بكثافة عاطفية شديدة: الشعب، الخيانة، الذاكرة، الــــــحــــــدود، الـــــغـــــزو، الـــنـــهـــضـــة، االنــــحــــطــــاط، االستعادة. كلمة «الشعب» ال تُستعمل هنا باعتبارها مفهومًا اجتماعيًا متنوعًا، بل بـوصـفـهـا كـتـلـة أخالقـــيـــة مـتـجـانـسـة تُــقـابـل بـ«النخبة» أو «الطبقة الحاكمة». و«الذاكرة» ال تشير إلــى الـتـاريـخ فـقـط، بـل تتحول إلى سالح ضـد الـحـاضـر، كما فـي كـتـاب فيليب دو فيلييه «إبـــــادة الــــذاكــــرة»، الــــذي يـصـوّر فـرنـسـا بـوصـفـهـا أمـــة فــقــدت جـــذورهـــا. أمـا «الــــنــــهــــب» و«الــــخــــيــــانــــة» فـــتـــضـــفـــيـــان عـلـى الخالف السياسي طابعًا قضائيًا وأخالقيًا، بحيث يتحول الخصم من منافس فكري إلى متهم، ويتحول القارئ من متلق إلى شاهد أو ضحية. تتقاطع هــذه املــفــردات مـع موضوعات مـــتـــكـــررة تــجــعــل مــــن هـــــذه الـــكـــتـــب نـــصـــوصًا ثقافية أكـثـر منها بــرامــج سـيـاسـيـة. فـــأوالً، ثمة هــوس بالضرائب واإلنــفــاق الـعـام، كما فـــي كـــتـــاب كـــنّـــافـــو الـــــذي يـــحـــول الــــدولــــة إلــى جهاز جشع يستنزف جهد املـواطـن. ثانيًا، الـــهـــجـــرة والـــهـــويـــة والـــــحـــــدود، الـــتـــي تـظـهـر فـي كـتـاب رونـــو كـامـو «االســتــبــدال العظيم» وإريـــــــك زيــــمــــور «االنــــتــــحــــار الـــفـــرنـــســـي». ثـم الذاكرة الوطنية والخوف من محو التاريخ، وهـــو مــوضــوع يجمع دو فيلييه وبــــارديال فـــــي تـــصـــويـــرهـــمـــا لـــفـــرنـــســـا كــــأمــــة مــــهــــدّدة بالذوبان. وهناك أيضًا الهجوم على النخب واملــؤســســات. ثــم الـتـركـيـز عـلـى فــقــدان األمــن وانـــتـــشـــار الــجــريــمــة، الــلــذيــن يــتــحــوالن إلــى عالمــــات عـلـى فــقــدان الـسـيـطـرة والـــدفـــاع عن األســرة التقليدية والقيم املحافظة. وأخيرًا بناء صورة الزعيم بوصفه ضحية أو منقذًا، كما في «يوميات سجني» لساركوزي، أو في صـــورة بـــارديال الـشـاب الـــذي يستعد حسب كتاباته إلنقاذ األمة. بــهــذا املــعــنــى، ال تـعـمـل الـلـغـة فـــي هـذه الـكـتـب بوصفها وسـيـلـة نـقـل لألفــكــار فقط، بـل بوصفها جـهـازًا لتكوين جماعة ثقافية تـتـقـاسـم اإلحـــســـاس بـالـخـطـر والـــحـــنني إلـى مـــــاض مــتــخــيــل. فـــالـــقـــارئ ال يــشــتــري نــصًا ســــيــــاســــيًا فـــحـــســـب، بــــل يـــنـــخـــرط فــــي عــالــم رمـــــزي كـــامـــل: تـــاريـــخ وطـــنـــي مـــهـــدد، شعب مسلوب، نخبة خائنة، زعيم مضطهد، عودة موعودة إلى زمن يُقدّم باعتباره أكثر صفاء واستقرارًا. وال يـــــمـــــكـــــن فــــــهــــــم هـــــــــــذه املـــــبـــــيـــــعـــــات االستثنائية رغم أزمة قطاع النشر من دون الـنـظـر إلـــى البنية االقـتـصـاديـة واإلعالمــيــة الـتـي تحملها. فـعـدد كبير مــن هـــذه الكتب صدر عن دار فايار، التابعة ملجموعة يتحكم فيها رجــل األعــمــال فنسان بـولـوريـه، الـذي تثير توجهاته اإلعالمية والسياسية جدال واســــــعًا. وتــرتــبــط هــــذه املــنــظــومــة بـوسـائـل إعالم كـثـيـرة. هـنـا ال يـعـود الـكـتـاب منتجًا منفصال عن بقية الـسـوق، بل يصبح جزءًا مـــن سـلـسـلـة مـتـكـامـلـة: دار نــشــر، وتـــوزيـــع، وواجهات بيع، وبرامج تلفزيونية، وإذاعات، ومــقــاالت، ومقاطع على شبكات التواصل. وقـــد لـخّــصـت إذاعـــــة فـرنـسـا الــدولــيــة اآللـيـة بـالـقـول إن الـكـتـاب املـنـشـور لـــدى مجموعة كبرى يحظى بتوزيع أوسـع وترويج أكبر، ما يؤدي بالتالي إلى مبيعات أعلى. ويذهب مـــؤرخ اإلعالم ألكسيس لوفرييه إلــى أبعد من ذلـك، إذ يـرى أن نجاح هـذه النوعية من الكتب السياسية مدعوم باستخدام عالمات إعالمية معروفة بوصفها منصات لتطبيع أفكار اليمني املتطرف. باريس: أنيسة مخالدي النص الكامل على الموقع اإللكتروني النص الكامل على الموقع اإللكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==