issue17473

حامل الكبش وحامل الطير وحاملة الزهور مجسمات أموية من قصر الحير الغربي ازدهـــــرت الــعــمــارة المـدنـيـة فــي الحقبة الأموية، وتميّّزت بحللها الزينية المتعدّّدة الأشـكـال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجـــر، وحــوت عــددا كبيرا من المجس ّّمات الــتــصــويــريــة الآدمــــيــــة، وصــــل أغـلـبـهـا على ّّـــمـــة، بـــــدت أشـــبـــه بـالـقـطـع شـــكـــل كـــتـــل مـــهـــش المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُُعرف بقصر الحير الـغـربـي. تحضر فـي هــذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّّل فــتًًــى يـحـمـل بين ذراعـــيـــه بـهـيـمـة مـــن دواب الـــبـــر، وقـــامـــة تــمــثــل صــبــيــة تــحــمــل بـيـدهـا اليمنى إناء صغيرا يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّّل شابا يضم بيده اليسرى طيراً. ظل قصر الحير الغربي مطمورا تحت الـــرمـــال إلـــى أن كـشـفـت عـنـه بـعـثـة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام . خرجت هذه الحملة بكم 1938 وعام 1936 هائل من القطع المنقوشة، نُُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خص ّّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامـي. يعود جــــزء مـــن هــــذه الــقــطــع إلــــى واجـــهـــة الـقـصـر الـخـارجـيـة، ويــعــود الــجــزء الآخـــر إلـــى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحد ّّه كذلك واجهة عـريـضـة. جـمـع فـريـق المــنــقّّــبين هـــذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جــــزء مــنــهــا بــجــهــد جــهــيــد. هـــكـــذا تـشـك ّّــلـت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تـشـكّّــلـت الـــواجـــهـــة الـــداخـــلـــيـــة، ورُُفـــعـــت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي. فـــي المــقــابــل، عـجـز فــريــق المــنــقــبين عن تحديد موقع ق مس من هذه القطع المنقوشة بــدقّّــة، وشــك ّّــل هـــذا المــوقــع المـجـهـول أســـاسا لسلسلة مـتـواصـلـة مــن الأبــحــاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تــعــود عــلــى الأرجـــــح إلــــى الــفــنــاء الــداخــلــي. ن ّن تتمي ّّز كل منها بحركة حية خاصة، ويتبي ّّــمــات أنّّـــهـــا ترتبط عـنـد دراســـــة هـــذه المــجــس بخيط جامع، يـتـراءى في حركتها الحية. تبرز في هـذا الميدان ثلاث قطع من الحجم ّّـــط، تـشـكّّــل كـمـا يــبــدو ثلاث عينات المـــتـــوس مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين. تحضر إحدى هذه العينات على شكل لـــوح مستطيل سـقـط الـقـسـم الأســـفـــل مـنـه، يزيّّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فــن الـنـحـت، ويـمـثّّــل فـتـى أمـــرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حــاملا بين ذراعيه بــهــيــمــة ســـقـــط رأســــهــــا للأســــــــف، ويـــوحـــي تـكـويـن هـــذه البهيمة وحجمها بـأنّّــهـا من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جــــلــــيّّــــة، قــــوامــــهــــا عــــيــــنــــان حـــافـــظـــتـــا عــلــى بنيتهما، وأنـــف صغير نــاتــئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه الـنـحـيـلـتين ابـتـسـامـة خـفـيّّــة. تكلّّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها ّّــم بـطـابـعـهـا الــحــي. خــصــل مــتــمــو ّّجــة تــتــس يرتدي هذا الفتى ثوبا من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسـفـل مـن الــلــوح، ومــا تبقّّى مـن الـصـورة المجس ّّمة يوحي بـأن هـذا الــرداء يلف كذلك الــــــســــــاقين. حــــركــــة هــــــذه الــــقــــامــــة واضــــحــــة، وتـــتـــمـــثّّـــل بــــــــــذراعين مــــرفــــوعــــتين تـــحـــملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع الـــيـــســـرى بـشـكـل كـــامـــل، وتــتــبــع مـفـاصـلـهـا الـتـشـريـح الـكلاسـيـكـي الـــذي يـحـاكـي المـثـال الـطـبـيـعـي الـــحـــي. يـظـهـر الـــســـاعـــد، وتـظـهـر الــيــد بـأصـابـعـهـا الــخــمــس، وفــــقا لـنـامـوس الجمالية الكلاسيكية المكرّّسة. يتجلّّى هـذا الأسـلـوب في عينة أخرى تمثّّل قامة أنثوية ترتدي ثوبا تعلوه ثنايا مـــحـــد ّّدة بـــدقّّـــة. فــقــدت هـــذه الــقــامــة ذراعــهــا الـيـسـرى وقـدمـهـا الـيـمـنـى، وحـافـظـت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنـثـوي صاف ونـــــضـــــر، مـــــع ثـــغـــر صـــغـــيـــر تــــرســــم شــفــتــاه ابتسامة رقيقة. تلتف ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكل كتلتين هلالي ّّتين يفصل بينهما شـــق فــي الـــوســـط، وفـــقا لتسريحة تقليدية تُُــعــرف بــ«الـتـسـريـحـة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا فــــي جــــنــــوب غـــــرب آســــيــــا الــــصــــغــــرى، وهـــي التسريحة التي ع ُُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديما براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم. يـسـتـقـر رأس هـــذه الـصـبـيـة الحسناء فـــــوق عـــنـــق عـــريـــضـــة، وتـــظـــهـــر فــــي مــــــوازاة اســـتـــدارة الـــذقـــن، اســـتـــدارة نـاتـئـة فــي أعلى الـعـنـق، تُُــعـرف فـي قـامـوس الـفـن اليوناني بــ«الـذقـن المـــزدوجـــة». تـرتـدي هــذه الصبية ثـــوبا تلف ثـنـايـاه قامتها، مـع زنـــار علوي يلتف حـول الخصر. ترتفع الـــذراع اليمنى نحو أعلى الـصـدر، وتحتضن إنــاء يستقر وســـط الـــيـــد، وتـظـهـر فـــي وســـط هـــذا الإنـــاء باقة من الـزهـور، تتكوّّن كـل منها من أربع بــــــتلات مـــتـــنـــاســـقـــة. يـــتـــبـــنّّـــى هـــــذا الــتــمــثــال الــنــســق الإغـــريـــقـــي الـــكلاســـيـــكـــي، ويـتـجـلّّــى فـي الأسـلـوب الـواقـعـي المعتمد فـي صياغة مختلف أعـضـاء الجسد الأنــثــوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلف هذا الجسد. ّّــم الـثـالـث، وهــو على نصل إلــى المـجـس شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّّل هــــــذه الـــقـــامـــة شـــــــابا يـــحـــضـــر فــــي وضــعــيــة المـــواجـــهـــة، مـعـتـمـرا قــبّّــعــة عــريــضــة قـم ّّــتـهـا مــدبّّــبــة، رافــــعا ذراعــيــه نـحـو وســـط صـــدره. يـرتـدي هـذا الـشـاب ثــوبا فضفاضا ينسدل عــنــد الـــركـــبـــتين، مـــع زنـــــار عـــريـــض مـعـقـود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عـن ســـروال فـضـفـاض، ويتبع زيا تقليديا يُُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّّعة زيا يُُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقـلـيـم فريجيا الـقـديـم فــي الــوســط الغربي مـن الأنــاضــول. ويش ّكّل الـثـوب والقلنسوة زيا جـــامـــعا شـــاع بـشـكـل واســــع فـــي الـعـالـم المتوس ّّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الـــشـــاب بـــيـــده الــيــســرى طـــيـــرا ســقــط رأســــه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة مـوازيـة، حـاضـنا أداة سقطت بشكل كلّّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجس ّّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجا اعتُُمد بشكل واســـع فــي الـفـن الـجـنـائـزي الـخـاص بمدينة تدمر الأثرية. فــــي الـــــخلاصـــــة، يــحــضــر كـــــل مــــن هـــذه المجس ّّمات في حركة خاصة، حاضنا خيرة مـن خـيـرات هـذه الأرض، وهـي هنا خـروف وطـــيـــر وبـــاقـــة مـــن الــــزهــــور، وتــمــثّّــل بـعـضا من نِِعم الأرض، وهـي الأرض التي جعلها فــــراشا للإنـــســـان، كـمـا تــقــول الآيــــة الكريمة )، فباتت «مهاداً، وموطأًً، وقرارا 22 (البقرة يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري. مجس ّّمات أمويّّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي محمود الزيباوي الثقافة CULTURE 18 Issue 17473 - العدد Wednesday - 2026/9/30 الأربعاء نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة لطالما كـان الأدب تأريخا لما تجاهله الــتــاريــخ، وصــــوتا لمــن تــواطــأ المـنـتـصـرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكــــــــــرة الـــــنـــــاس مـــــا لا تــــقــــولــــه الــــــروايــــــات الـــرســـمـــيـــة، ويـــمـــنـــح المـــنـــســـيين مــــكــــانا فـي الــحــكــايــة. وبـــإطلاقـــهـــا الـــجـــزء الــثــانــي من مـسـلـسـل «مـــائـــة عـــام مـــن الـــعـــزلـــة»، أعـــادت مـــنـــصـــة «نــــتــــفــــلــــيــــكــــس»، رائــــــعــــــة الأديــــــــب الــكــولــومــبــي غــابــريــيــل غـــارســـيـــا مــاركــيــز إلــى قلب نـقـاش سياسي وثقافي محتدم يـــتـــجـــاوز حــــــدود الــتــقــيــيــم الـــفـــنـــي لـلـعـمـل الـتـلـفـزيـونـي، لـيـمـس جــوهــر تـلـك الــعلاقــة المــلــتــبــســة بين الأدب والـــســـلـــطـــة وتـــاريـــخ أمـيـركـا اللاتـيـنـيـة. ويتعلق الأمـــر بصراع حــــول تـفـسـيـر الــنــص الــــروائــــي وامـــتلاكـــه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبـــالـــرســـائـــل الــســيــاســيــة الـــتـــي يـحـمـلـهـا، وهـــو نــقــاش تـتـداخـل فـيـه خلفية مـاركـيـز الـسـيـاسـيـة المــعــروفــة، وتـــاريـــخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه. ، لــــم تـكـن 1967 مـــنـــذ صــــدورهــــا عـــــام «مــــــائــــــة عــــــــام مــــــن الـــــعـــــزلـــــة» مـــــجـــــرد عــمــل أدبـــــي خـــالـــص، بـــل اسـتـقـبـلـت عــلــى نـطـاق واســــع كـتـشـريـح سـيـاسـي لـتـاريـخ أمـيـركـا اللاتينية. يرى النقاد أن الـروايـة، بكونها عـــــــــملا مــــــؤســــــسا لــــلــــواقــــعــــيــــة الــــســــحــــريــــة، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هـذه الـقـراءة أتت من حقيقة أن أحـــداثا مركزية في الـروايـة، )1902-1899( مــــثــــل حـــــــرب الألـــــــــف يـــــــوم ، هي أحداث 1928 ومذبحة عمال الموز عام تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاسـتـغلال الإمبريالي في كولومبيا. لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لـــــورا مــــــورا، المـــشـــرفـــة عــلــى الـــجـــزء الـثـانـي مـن المسلسل، بمثابة اعـتـراف بـهـذا البعد الـسـيـاسـي المـنـسـي أو المـهـم ّّــش. فـقـد أكــدت أن هــدفــهــا الأســــــاس كــــان «إعـــــــادة الـطـابـع الـسـيـاسـي إلـــى المسلسل الـــذي فـقـد بعضا مــنــه»، مــحــذرة مــن أن تصنيف «الـواقـعـيـة الــســحــريــة» قـــد دفـــع بـــالـــروايـــة نـحـو خـانـة الـــــخـــــيـــــال، م ُُــــبــــعــــدا إيـــــاهـــــا عـــــن جـــوهـــرهـــا الاجتماعي والسياسي بما يطرح سـؤالا حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الـــروايـــة فــي صــورهــا الـغـرائـبـيـة الــخلابــة، متجاهلا السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بــــصــــور جـــــديـــــدة مـــــن الـــعـــنـــف الـــســـيـــاســـي والفساد. يــقــع الـــجـــدل الأكـــثـــر حــســاســيــة حــول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظــاهــري. فـمـن نـاحـيـة، كـــان مـاركـيـز نفسه يـرفـض طـــوال حـيـاتـه تـحـويـل روايـــتـــه إلـى فيلم، ليس لأنــه احتقر السينما، بـل لأنه كــــــان يــــــرى أن قــــيــــود الــــزمــــن الــســيــنــمــائــي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبـدا بتقديم ســيــرة سـبـعـة أجــيــال وتـــاريـــخ قــــارة كاملة بــعــدالــة. وقـــد عـبـر عـــن رفــضــه الــقــاطــع في مــنــاســبــات عـــــدة، حــتــى أنــــه رفــــض عـــرضا بـمـلـيـون دولار مــن المـمـثـل أنـتـونـي كـويـن، قــــائلا إن كـويـن لــن يـكـون أبـــدا الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له. فــــي المـــقـــابـــل، يـــبـــرر نــجــلــه رودريــــغــــو غـــارســـيـــا بــــاركــــا قــــرارهــــمــــا، هــــو وشـقـيـقـه غـــــونـــــزالـــــو، بـــالمـــضـــي قـــــــدما فـــــي المــــشــــروع بـــأن والــدهــمــا كـــان قـــد قـــال لـهـمـا: «عـنـدمـا أمــــــــوت، افـــعـــلـــوا مــــا تــــــشــــــاءون»، وهـــــو مـا فس ّّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريـــــغـــــو أن المـــنـــصـــة الأمـــيـــركـــيـــة قــدمــت ظــروفا مثالية لم تكن متاحة في السابق: الـــتـــصـــويـــر بــالــلــغــة الإســـبـــانـــيـــة، والمــــواقــــع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومـدة كافية لتغطية الـروايـة. هـذا التبرير يثير ســــؤالا أخلاقــــيا حـــول حـقـوق الـورثـة مـقـابـل الإرادة الـصـريـحـة لـلـمـؤلـف، وهـو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل. مــــــا يــــجــــعــــل الــــــجــــــدل حــــــــول الــــــروايــــــة والمــــســــلــــســــل ســــيــــاســــيا بــــامــــتــــيــــاز هـــــو أن نسيجها الــســردي يفضح آلــيــات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الـــروايـــة «حـــرب الألـــف يـــوم» كـحـرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونـهـب الــثــروات تحت غـطـاء أيـديـولـوجـي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحـــد أبـــطـــال الــــروايــــة، لـيـسـت مــجــرد حـدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجا لسياسة الإنــــكــــار الـــرســـمـــي والـــتـــواطـــؤ بين الـــدولـــة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة. وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقــــدرتــــه عــلــى إخـــفـــاء قــمــعــه، بـــعـــدا عــالمــيا كـــدلـــيـــل عـــلـــى أن الأحــــــــداث الـــتـــي صـــورهـــا مــاركــيــز، بـوصـفـهـا «واقـــعـــيـــة» أكــثــر منها «سحرية»، لا تــزال تتكرر في غير بلد في المـنـطـقـة والــعــالــم. وهــــذا الـبـعـد يـجـعـل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحا لفهم الحاضر» في عــالــم «يـتـجـه نـحـو الــجــنــون والاسـتـعـمـار الـجـديـد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تـــعـــكـــس بـــشـــكـــل مـــقـــلـــق دورة الاســــتــــغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد. ولـعـلـه مــن المـثـيـر أن تـتـجـاوز معركة الاقـــتـــبـــاس كــونــهــا مــســألــة فــنــيــة، لتصبح صــــــــراعا عـــلـــى روايــــــــة الــــتــــاريــــخ وتـــمـــلّّـــكـــه. فالمسلسل، بوصفه منتجا عــالمــياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلــى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهـــذا مــا يفسر الانــتــقــادات الـقـاسـيـة التي وجـهـتـهـا الـكـاتـبـة الـكـولـومـبـيـة كـارولـيـنـا ســـانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يـؤذي الــــــــــروح» لأنــــــه يــــحــــول «ألــــــحــــــان» الـــــروايـــــة إلــــــــى «مــــوســــيــــقــــى خــــلــــفــــيــــة»، ويـــســـتـــبـــدل قـوتـهـا الــروحــيــة والــتــحــريــريــة بــقــوة المال والــتــكــنــولــوجــيــا. هــــذا الـــــرأي يــجــد جــــذورا فـــي حـقـيـقـة أن «نـتـفـلـيـكـس»، وهـــي شـركـة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صـــورة تـاريـخ أمـيـركـا اللاتـيـنـيـة، وهــو ما يـثـيـر أسـئـلـة حـــول «الاســتــعــمــار الـرقـمـي» ومـــــدى قـــــدرة أي مـنـتـج أجــنــبــي عــلــى فهم تعقيدات هذا التاريخ. ربــــمــــا أزيـــــلـــــت «لــــعــــنــــة» مــــاركــــيــــز عـن الاقـــتـــبـــاس بــحــكــم الـــــضـــــرورة الــتــاريــخــيــة والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صـــــورة مــتــحــركــة ومــــوضــــوع للاســـتـــهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغ الرمزية السياسية للنص، بـل أعـادهـا إلـى الـواجـهـة. فكما أن الــــروايــــة اســتــخــدمــت الــواقــعــيــة الـسـحـريـة لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صـوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كـان المسلسل وفـيا للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حـكـايـة قــــارة لـــم تـحـصـل أبــــدا عـلـى فـرصـة ثانية، تماما كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة». مشهد من المسلسل ندى حطيط لم يعد السؤال إذا كان المسلسل وفيا للرواية، بل هل نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا هي حكاية قارة لم تحصل أبدا على فرصة ثانية؟ دماء على جدران المدرسة هــــــــل تــــخــــيــــلــــت يـــــــــــــوما أن تــــذهــــب للامــــتــــحــــان خــــائــــفا مـــنـــه فـــتـــجـــد نـفـسـك متورطا في جريمة قتل؟ هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زيــــــن)، بــطــل روايـــــة «جــريــمــة الـثـانـويـة الـــعـــامـــة»، الــــصــــادرة عـــن دار«الـــــشـــــروق» بــــالــــقــــاهــــرة لـــلـــكـــاتـــب المـــــصـــــري الــــشــــاب تــــومــــاس جــــوزيــــف، حـــيـــث يـــذهـــب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة. تـــــــزداد الأزمـــــــة تـــعـــقـــيـــداً، حين يـجـد الـــفـــتـــى المــــراهــــق أن كــــل الــــظــــروف ضـــده والجميع تخلى عنه حتى أقـرب الناس إليه بــدأوا ينظرون إليه بشك وخـوف، فيقرر ألا يستسلم ويـــدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب مـــن الـحـقـيـقـة اكـتـشـف أن المـــدرســـة الـتـي كـــان يـظـن أنـــه يـعـرفـهـا مليئة بــالأســرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصـحـابـهـا أن يـدفـنـوهـا للأبـــد حـتـى لو كان الثمن حياة زميلهم. وخلف ستار الجريمة والغموض، تــقــدم الـــروايـــة مـحـاولـة تـشـريـح للنفس الإنـــــســـــانـــــيـــــة حين يـــعـــتـــريـــهـــا الــــخــــوف وتــــحــــاصــــرهــــا الــــشــــكــــوك ويــــصــــبــــح مــن الـصـعـب لـلـغـايـة تـحـديـد مـــن هـــو جـديـر بثقتك، بل من هو عـدوك ومـن صديقك، وهـــنـــا يـسـتـفـيـد المــــؤلــــف مــــن تـخـصـصـه الجامعي في دراسة علم النفس. لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة فـي التجارب الإبداعية الأولى للأدبـاء الشبان ومنها هيمنة الـحـوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها مـن لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فــضلا عن الاشتغال على ثيمة تقليدية فــي أدب الـجـريـمـة والسينما، على حد سواء. من أجواء الرواية نقرأ: «خرجت ُُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومــؤذيــة على مـواقـع التواصل الاجتماعي، لست شــكلا ضــالا كما قال عـنـي الـجـمـيـع، لـسـت ســفــاحا وشـيـطـانا حـــــيا يــمــشــي فــــي الـــــشـــــوارع يــبــحــث عـن الــفــتــيــات لـيـقـتـلـهـا، لــســت مـغـتـصـبا ولا مـتـحـرشاً، لست مـريـضا عقليا كما قال عني البعض. جلس ُت على الرصيف وملت للوراء حـتـى استلقيت عـلـى ظــهــري، لا نجوم كــــعــــادة مـــديـــنـــة الــــقــــاهــــرة، بـــالـــكـــاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيــتــي فـقـمـت بـسـرعـة وركـلـتـه بقدمي كـأنـه الـدنـيـا ومـــا فـيـهـا. رقـــص العمود ورقــــصــــت مــعــه أحــــزانــــي، تــمــايــل حتى خـفـت حـركـتـه كـأنـه شـعـر بــآلامــي وقــال لي: رفقا بك. شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شـديـدة، لو كنت في مـبـاراة لكنت قد ثقبت الش ِِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كــــالمــــعــــتــــاد فــــلــــم تـــحـــضـــنـــنـــي أمـــــــي ولــــم يؤمن بـي أبــي. رفـضـت عناقها وأنزلت ذراعـهـا. حـان دوري، فتحت لها ذراعـي عـن آخـرهـمـا، ارتـمـت كطفلة صغيرة لا كـجـدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟». القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky