issue17470

زلـــــــــــــزال قـــــــــوي ضـــــــــرب المـــــشـــــهـــــد الأدبـــــــــي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُُثيرت حول روايـــــة «كــــان ذلـــك أو المـــــوت» لـلـكـاتـب الـكـنـدي - الــهــايــيــتــي تـيـلـيـسـون أوريــــلــــيــــان، واتــهــامــه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها لـيـطـرح ســــؤالا وجــــــودياً: كـيـف نثبت أن نـــصا أدبــــيا مــن صـنـع إنـــســـان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟ الــروايــة التي فتحت بــاب الـجـدل صــادرة عـــن دار «غـــراســـيـــه»، حـــــازت جـــائـــزة مـكـتـبـات ّّـــحـــت للقائمة الأولــــى لجائزتي «فـــنـــاك»، ورُُش «غونكور» و«رونودو». غير أن حسابا مجهولا عـــلـــى مــنــصــة «إكـــــــــس»، يــحــمــل اســـــم «افـــضـــح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كليا تقريبا بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستندا إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كـشـف الـنـصـوص المـــولّّـــدة آلــــياً. وفـــي سـاعـات قليلة، تحولت الشبهة إلــى زلـــزال فـي موسم أدبــي كـان أوريـلـيـان أحـد نجومه الصاعدين، ألف نسخة 35 فيما تجاوزت مبيعات الرواية في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعا وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبـداع والكتابة، ولا يرى سببا يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه ،2017 بـــدأ بالتحضير فــي هـــذه الـــروايـــة مـنـذ مــعــلــناً، بــالــتــعــاون مـــع نـــاشـــريـــه، إعـــــداد ملف يــوثّّــق مــراحــل ولادة المــخــطــوط. ودافـــعـــت دار «غــراســيــه» عــن كـاتـبـهـا، ووصــفــت الاتـهـامـات بـأنـهـا «أخــبــار كـــاذبـــة»، مشككة فــي صلاحـيـة أدوات الكشف التي قـد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة. على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لـومـونـد» و«فــرانــس إنـفـو»، أظــــهــــرت نـــتـــائـــج مـــتـــنـــاقـــضـــة. فــبــيــنــمــا أشــــار في 95 برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّّدة بالذكاء الاصــطــنــاعــي، خـلـصـت أدوات أخــــرى إلــــى أن المـقـاطـع نفسها كُُتبت على الأرجـــح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكما نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب. وتـضـع هــذه التناقضات لـجـان الجوائز الـــكـــبـــرى أمـــــام مـــــأزق غــيــر مـــســـبـــوق. فــقــد أقـــر فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بــأن الأكـاديـمـيـة لا تملك الـوسـائـل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمـــة للتحقق مـــن اســتــعــمــال الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي فـــي نص أدبـــــي، داعـــــيا إلــــى الـــحـــذر وعــــدم الــتــعــامــل مع نـتـائـج الـكـاشـفـات بوصفها أدلـــة قـاطـعـة. أمـا الـكـاتـب والـعـضـو فــي لجنة «غــونــكــور» بيير أســــــولين، فــأكــد أن الـقـضـيـة ســتُُــنــاقــش حـتـما داخل الأكاديمية. غـيـر أن الـــســـؤال لا يـتـعـلـق فـقـط بـإمـكـان اكـتـشـاف اسـتـعـمـال الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، بل أيضا بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد روايـــة مرشحة بـنـاء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل ت ُُعامل الاستعانة بـــالآلـــة فـــي الــبــحــث أو الــتــرجــمــة أو تصحيح الـلـغـة معاملة اسـتـخـدام الــذكــاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحو ّّل الـجـوائـز الأدبـيـة إلــى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالبا بإثبات بـراءتـه بــدلا من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل. ولـــيـــســـت قـــضـــيـــة أوريــــلــــيــــان الأولــــــــى مـن نوعها. فقد وُُج ّّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قــصــة قــصــيــرة فـــي مــســابــقــة تــابــعــة لمـؤسـسـة الكومنولث، قبل أن تبرّّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفـي الـولايـات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نـيـبـولا»، وصـــولا إلــى منع اسـتـخـدام الـذكـاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة. وتـشـيـر هـــذه الــســوابــق إلـــى أن الـجـوائـز الأدبية قد تتجه مستقبلا إلى فرض إقـرارات رسمية على المــؤلــفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع الـــتـــي طـــالـــهـــا ذلـــــك الاســــتــــخــــدام. وقـــــد تـطـلـب لـــجـــان الــتــحــكــيــم، عــنــد وجـــــود شــبــهــة جــديــة، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات ت العمل، والمـــراسلات مع ا الشخصية، وســجلّا المـــحـــرر. غـيـر أن هـــذه الإجــــــراءات قــد تصطدم بسرّّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيدا عـن أعين المؤسسات. أمـــا دور الــنــشــر، فـهـي مـرشـحـة بــدورهــا لتغيير قـواعـد التعامل مـع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المـــــحـــــدودة وتـــولـــيـــد الـــنـــص نـــفـــســـه. ومـــــن بين الـــدور الـتـي اتـخـذت خـطـوات فـي هــذا الاتـجـاه «بنغوين رانـــدوم هـــاوس» و«هــاربــر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفـي المقابل، لـم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغـم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً. وقــــد تــظــهــر عــلــى الأغـــلـــفـــة فـــي المـسـتـقـبـل علامـــات مـن قبيل «كـتـابـة بـشـريـة» أو «إبـــداع إنـــســـانـــي»، عـلـى غــــرار الـــشـــهـــادات الــتــي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كـــلـــهـــا. فـــهـــل ســـتـــقـــوم عـــلـــى تـــصـــريـــح المـــؤلـــف وحــــده؟ أم عـلـى فـحـص تـقـنـي؟ أم عـلـى سجل رقـمـي يـرافـق الــروايــة منذ مسودتها الأولـــى؟ إن الاتـجـاه الأكثر واقعية لا يبدو قائما على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مـسـار الـكـتـابـة: مـن فعل مـــاذا، ومتى، وبــأي أداة، وفــي أي نسخة؟ وهــذا مـا يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة الـنـص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟». غـــيـــر أن أخــــطــــر مـــــا فـــــي الاعــــتــــمــــاد عـلـى كـــاشـــفـــات الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي هـــو احــتــمــال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «الـــعـــنـــصـــريـــة الأدبــــيــــة الــــخــــوارزمــــيــــة». فــهــذه الـــبـــرامـــج لا تـــقـــرأ الأدب كــمــا يـــقـــرؤه الــنــاقــد، ولا تـفـهـم الــتــجــربــة الــتــاريــخــيــة أو الـثـقـافـيـة الـتـي أنتجت الـنـص، بـل تبحث عـن مـؤشـرات إحـــصـــائـــيـــة مـــثـــل انــــتــــظــــام الــــجــــمــــل، وتــــوقّّــــع المــفــردات، وتـكـرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامــات على تدخل الآلــة، مع أنها قـد تـكـون نتيجة طبيعية لتكوين الـكـاتـب أو للغة التي يكتب بها. وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشـخـاص غير نـاطـقين أصلا بالإنجليزية أن كاشفات عـدة صنّّفت نسبة كبيرة منها على أنـهـا مــولّّــدة بـالـذكـاء الاصـطـنـاعـي، رغـــم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلـك بكون الـكـاتـب الـــذي تعلم اللغة لاحـــقا يميل أحـيـانا إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتـــراكـــيـــب أقـــــل انـــــحـــــرافا عــــن الــــقــــاعــــدة؛ وهـــي عـنـاصـر قـــد تـفـسـرهـا الـــخـــوارزمـــيـــة بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثــرا للتعلم أو لاخــتــيــار أســلــوبــي. وتـكـتـسـب هـــذه الملاحــظــة أهـــمـــيـــة خــــاصــــة فــــي حـــالـــتـــي جـــامـــيـــر نــــازيــــر، الــذي يكتب بالإنجليزية وهـو مـن ترينيداد، وتــيــلــيــســون أوريــــلــــيــــان، المــــولــــود فـــي هـايـتـي والذي يكتب بالفرنسية. وتـكـتـسـي هــــذه المــســألــة حـسـاسـيـة أكـبـر فـي الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الــروائــيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فـــهـــل يــمــكــن أن يُُـــعـــاقـــب الـــكـــاتـــب لأنـــــه يـكـتـب فـرنـسـيـة مــعــيــاريــة؟ أو لأن أســلــوبــه لا يشبه الأساليب المكر ّّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهـــل تصبح الـلـغـة الأدبــيــة المـقـبـولـة هــي تلك الــتــي تــبــدو «أكـــثـــر بــشــريــة» فـــي نـظـر بـرنـامـج ص ُُم ّّم غالبا على عينات محدودة ومتحيزة؟ يـــدافـــع أوريـــلـــيـــان عـــن أســلــوبــه بـاعـتـبـاره امـــتـــدادا لـتـقـالـيـد ســرديــة هـايـتـيـة وكـاريـبـيـة، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتــــهــــا. وقــــد تُُـــقـــرأ هــــذه الـــخـــصـــائـــص، خـــارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلا على تدخل آلـــة تعيد الـصـيـاغـة أو تـكـرر الأنـــمـــاط. هـنـا لا يعود الخطر تقنيا فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلـى حــارس صامت، ّّــل الــنــصــوص الـــتـــي تــقــتــرب مـــن نــمــوذج يــفــض لغوي واحـد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي. الثقافة CULTURE 17 Issue 17470 - العدد Sunday - 2026/9/27 الأحد الحكي بعين الصورة البصرية ربما كان من القاسي جدا على أي امـرأة أن تُُفاجأ بقناة إخبارية عاما في 35 أميركية وهي تنوه عن صورة الت ُُقطت لها دون أن تدري قبل أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد. تحمل البطلة، وهـى صحافية، اسـما لافـتا «نــجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقـفـة فـي مطبخها الصغير وســط بـاريـس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حـوار خاص مع جندي سابق شـارك في تحت عنوان «أســرار جديدة من حرب 1991 حـرب الخليج الثانية عـام عـاصـفـة الــصــحــراء»، حـــــــيـــــــنـــــــئـــــــذ وجـــــــــــــدت نـفـسـهـا أمـــــام الــعــالــم بـــــــــــعـــــــــــد كـــــــــــــــــل هـــــــــــذه السنوات وهي حافية بــــــــاكــــــــيــــــــة بــــــــملابــــــــس الــــبــــيــــت فــــــي طــــرقــــات الـــــبـــــلـــــدة الـــــحـــــدوديـــــة الـــــــــــــصـــــــــــــحـــــــــــــراويـــــــــــــة «رفحاء». عــــــــــــــلــــــــــــــى هــــــــــــــذه الـــخـــلـــفـــيـــة الـــصـــادمـــة يــــــــســــــــعــــــــى الـــــــــؤلـــــــــف لـــــــلـــــــغـــــــوص عـــــمـــــيـــــقا فــــــــــــــــــــــي دهــــــــــــالــــــــــــيــــــــــــز الــــنــــفــــس الإنـــســـانـــيـــة بــــــــتــــــــعــــــــقــــــــيــــــــداتــــــــهــــــــا وإشــــكــــالــــيــــاتــــهــــا مــن خلال نـمـوذج البطلة الـــــحـــــســـــنـــــاء نـــــــــجلاء، مقتفيا تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة. بدا شريف سعيد في هذا النص متأثرا بخلفيته مخرجا وثائقيا يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماما شديدا بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات. من أجواء الرواية نقرأ: «اسـتـطـاعـت الـــعلامـــات الموسيقية المـتـصـاعـدة مــن فـــوق الرصيف وســـط رذاذ المـطـر أن تختطفها مــن ذكــريــات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمـام تحديدا نحو ذاك المساء الـذي استحالت فيه مطلقة، فـي هــذا الـيـوم كـانـت عـقـارب الـسـاعـة تشير إلــى انـتـصـاف ليل القاهرة حين دردشت معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء. مــنــذئــذ حـــرصـــت نـــــجلاء عــلــى ألا تـجـهـر بــاســمــه لأحــــد فــــوق هــذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيرا ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامــة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمـامـه مثل دلـو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانـة منها ولم يبادلها شيئا من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده. فض الرسالة الإلكترونية ولأيـام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بـوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن ي ُُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حاليا في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية». القاهرة: «الشرق الأوسط» الجوائز الأدبية قد تتحول إلى محاكم مفتوحة للكت ّّاب رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي باريس: أنيسة مخالدي ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها عـلـى الــرغــم مــن أن الأكــاديــمــيــة الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد ) من غير الخوض موسعا 1886 ــ 1817( داد في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فـإن عنوان أكــتــوبــر 25 المــــعــــرض الــــــذي يــســتــمــر حـــتـــى (تشرين الأول) كان مـدخلا غير موفق لذلك المـسـعـى. «ريـتـشـارد داد: مـا وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المـصـحـة الـعـقـلـيـة الــتــي شــهــدت عـودتـه إلــــى الـــرســـم بـحـمـاسـة اسـتـثـنـائـيـة سـتـكـون بـالـنـسـبـة للآخـــريـــن مـنـاسـبـة لـلـتـنـقـيـب في تفاصيل حياته التي يُُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبيا بين الفنون والجنون. فـــي الــخــامــســة والـــعـــشـــريـــن مـــن عــمــره، كُُــلِّّــف بـالـسـفـر مــع الـسـيـر تــومــاس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروهـا. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعـراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه م ُُضطهد من قِِبل الشياطين، وأنه يتلقى 28 رسائل من الإلــه المصري أوزوريـــس. في ، طعن والده حتى الموت 1843 ) أغسطس (آب في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقدا أنه الشيطان متنكراً. حين اعـــتُُـــقـــل بـــعـــد فـــــــراره إلـــــى فــرنــســا ومحاولته قتل أحـد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريـــتـــشـــارد داد» بــقــولــهــا: «الــــرجــــل الـلـطـيـف والــــــودود ظـــاهـــريا والـــــذي كـــان قـبـل عـــام أو نحوه نجما صـاعـدا فـي الأكاديمية الملكية بــلــنــدن. الــيــوم يُُــعــرف داد، إن عُُــــرف أصلاًً، بقتله والـــده وهــو يعاني مـن نـوبـة ذهانية حـــــــادة أُُدخــــــــل عـــلـــى أثــــرهــــا إلـــــى مـسـتـشـفـى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُُغلق عليه فعلياً، فإنه يُُصنف بين الأموات». نزهات المجنون في عالم شكسبير في السنوات الأولى من حياته طالبا في مــدارس الأكاديمية الملكية وعضوا مؤسسا لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاح تقليدي لفنان بريطاني مــوهــوب. كــان داد فـي أوائـــل أربعينات الـقـرن التاسع عشر قد بـــدأ يـرسـخ مـكـانـتـه رســــاما لمـشـاهـد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شـرق البحر الأبـيـض المتوسط، الــتــي ظــلــت مــصــدر إلـــهـــام لـــه طــــوال حـيـاتـه. 1843 بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي عاش نزيلا ما بين مستشفيي بيثليم 1886 و وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائـــيـــة الـتـي لا تعكس حـالـتـه المـرضـيـة لما تــمــيــزت بـــه تــلــك الـــلـــوحـــات مـــن دقــــة بـصـريـة ووضــوح في الـرؤيـة والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات الـعـقـلـيـة الــفــيــكــتــوري، فــــإن داد اســتــطــاع أن يستلهم مـن ذاكـرتـه وخياله وشغفه الـدائـم بـــــالأدب والأســـاطـــيـــر لــيُُــبــدع عـــوالـــم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئا أن تعد تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالة وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عددا من الفنانين والكتّّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها. فـــي هـــذا المـــعـــرض الــــذي يـضـم أكــثــر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لـو أنـه كـان يتخيله. كـان المــرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظرا لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلــهــام فـريـد مــن نــوعــه؛ ذلـــك لأنـــه فـتـح أمـامـه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته. سردية المصحة في تقديمها للمعرض الـذي يُُقام بعد غــيــاب أعـــمـــال الــفــنــان عـــن الـــعـــرض خـمـسين سنة، توضح القيّّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سـرديـة مـا قبل المصحة وما ّّـــط الأمـــــــور. فــأســلــوبــه كــــان قد بــعــدهــا تُُـــبـــس تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي». فاروق يوسف من أعمال داد ريتشارد داد الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان جامير نازير قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تمي ّّز المنتجات المصنوعة النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky