issue17467

Issue 17467 - العدد Thursday - 2026/9/24 اخلميس كتب BOOKS 17 تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم يبدو العصر «التيودوري» واحدًا من أبرز عصور التاريخ اإلنجليزي حضورًا في الذاكرة، فـيـه تـبـلـورت الـقـومـيـة اإلنـجـلـيـزيـة، وتأسست الكنيسة اإلنجليزية، وعــاش شكسبير. وظل هـــــذا بـــمـــا امــــــتأل بــــه مــــن صــــراعــــات وتــــحــــوّالت سياسية مـادة ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته األشهر بقيت متمركزة حول الرجال، بينما تـراجـعـت الـنـسـاء إلــى أطـــراف الحكاية، حتى حني كن شريكات في صنع أحداثها. من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عـائـشـة خليل عـبـد الـكـريـم فــي كتابها «نـسـاء آل تــيــودور»، الـصـادر عـن دار «ديـــوان للنشر» بــالــقــاهــرة، مـعـتـبـرة أنـــه مــن املــؤســف أن تبقى أصـــوات نـسـاء آل تـيـودور غائبة فـي سـرديـات هــذا الـعـصـر، وهــو مـا دفعها لـطـرح مـا تصفه بــأنــه «ســــرد تـــاريـــخ شـعـبـي عـــن نــســاء الــــبالط اإلنجليزي في القرن السادس عشر». غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب مـــن مـــواقـــع الـــرجـــال والـسـلـطـة يــتــجــاوز مـجـرد اســـتـــعـــادة أســـمـــائـــهـــن؛ فــــاألصــــوات الــغــائــبــة ال تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قـرارات امللوك وحروبهم، لذلك ال تعزل املؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا فـي بـــؤرة الــعــرش، وإنـمـا تعيد قـــراءة السياق بوصفهن أمـهـات املـلـوك وزوجـاتـهـم وبناتهم ووريثات تاجهم. ومـن فصل إلـى آخـر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ الـساللـة، ودفعن كذلك أثمانًا قاسية لـشـروط السلطة، وهـكـذا يغيّر الكتاب مـــوضـــع الــــضــــوء داخــــــل املـــشـــهـــد؛ لــيــكــشــف أن الـتـاريـخ الـــذي حـمـل أسـمـاء املـلـوك لـم يصنعه امللوك وحدهم. حرب الوردتين تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يـربـطـهـا بـــــ«آل تــــيــــودور»، الـــذيـــن بـــدأ تعرفها عليهم مـن خالل الـدراسـة والكتب، ثـم تابعت حــــضــــورهــــم عـــبـــر الــــســــنــــوات فـــــي الــــســــرديــــات الـسـيـنـمـائـيـة وغــيــرهــا، إلـــى أن قــــررت اقــتــراح ســـرديـــة مــغــايــرة لــذلــك الـعـصـر بــاالبــتــعــاد عن «ســـرد األفــعــال البطولية لـلـرجـال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعالت في األحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر. لـلـوصـول إلــى مـا تسميه «وجـــه التاريخ الــــغــــائــــب»، تـــســـتـــعني عـــبـــد الـــكـــريـــم بـــســـجالت الــــبــــرملان والـــبـــيـــوت املــلــكــيــة ووثــــائــــق املـحـاكـم ومــــــــراسالت الـــســـفـــراء، إلــــى جـــانـــب الـكـتـيـبـات الــتــي انــتــشــرت مـــع دخــــول الـطـبـاعـة إنـجـلـتـرا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل املوسيقى والبورتريهات وما تكشفه من مالبـس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية. تحضر فــي بنية الـكـتـاب مـفـارقـة الفـتـة؛ فقد بـدأ حكم «آل تـيـودور» بتدبير امــرأة، هي مـارغـريـت بــوفــورت، وانتهى عصرهم بـامـرأة أخــــرى هـــي حـفـيـدتـهـا إلــيــزابــيــث األولـــــى، آخـر حكام األسرة. لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قـوي في التاج؛ إذ جـــاءت صلته بــالــدم املـلـكـي مــن نـاحـيـة أمـه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافيًا لضمان الـــــعـــــرش، غـــيـــر أن والـــــدتـــــه مــــارغــــريــــت دعــمــت تــنــصــيــبــه، مــســتــفــيــدة مــــن االســــتــــنــــزاف الــــذي خـلّــفـتـه «حــــرب الــــــوردتني» عـلـى مــــدار سـنـوات طويلة بني عائلتي يــورك والنكستر، لتحوّل احــــتــــمــــال تــنــصــيــبــه الـــضـــعـــيـــف إلــــــى مـــشـــروع سياسي طموح. ســعــت «بــــوفــــرت» إلــــى تـــزويـــج ابــنــهــا من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بني بـيـتَــي «النـكـسـتـر» و«يـــــورك» املــتــنــازعني، وهـكـذا تضع مؤلفة الكتاب املـــرأة التي أدارت مـــشـــروع صـــعـــود «هـــنـــري الـــســـابـــع» فـــي بـــؤرة الضوء، خاصة أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعية لم يكن نسبه كافيًا لتوفيرها له. أمـــا «إلــيــزابــيــث» مـــن بـيـت «يــــــورك»، فقد جـــســـدت فــــي شــخــصــهــا اتــــحــــاد الــــبــــيــــتَني، ثـم أصبحت أمًّا للورثة، وتنتقل املؤلفة من دورها الـسـيـاسـي إلـــى عالقــتــهــا بـأبـنـائـهـا وزوجــهــا، مستعينة بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض املؤرخني إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة. الوالدة والساللة يـــتـــوقـــف الـــكـــتـــاب عـــنـــد الـــصـــلـــة الــقــاســيــة بني الـــــوالدة واملــــوت واســتــمــرار الـــساللـــة؛ فلم يـكـن جـسـد املـلـكـة شــــأنًا خــــاصًا، إنــمــا تعلقت بـه شرعية الـعـرش ومستقبل اململكة، فكانت امللكة مطالبة بإنجاب عدد كبير من األطفال، ألن نسبة مرتفعة منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض. وتـــشـــيـــر املــــؤلــــفــــة إلــــــى أن نـــحـــو خُـــمـــس األطــفــال فــي ذلـــك الـعـصـر كــانــوا يـمـوتـون قبل بـــلـــوغ الــخــامــســة، وأن امـــــــرأة مـــن كـــل أربــــعني كانت تفقد حياتها أثناء الــوالدة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا واالعــتــراف والـتـوبـة والـتـنـاول؛ فـاملـرأة تدخل غرفة الـــوالدة وهــي تستعد الستقبال طفلها واحتمال موتها معًا. عـــاش مــن أبــنــاء إلـيـزابـيـث أربــعــة فقط، وبـــعـــد وفــــــاة ابـــنـــهـــا األمــــيــــر «آرثـــــــــر» حـمـلـت مــجــددًا، لكنها تـوفـيـت عـقـب والدة طفلتها األخــــيــــرة. وهـــكـــذا تـصـبـح الــــــوالدة جــــزءًا من هندسة السلطة؛ إذ يمكن ملوت طفل أو تعثر حــمــل أن يـطـلـق أزمــــــة تـــتـــجـــاوز الــقــصــر إلــى املجالني السياسي والديني. تتجسد هـــذه الـــعالقـــة بــصــورة أكــبــر في حــكــايــة «كـــاثـــريـــن األرجــــونــــيــــة»، ابـــنـــة املــلــكني إيـــزابـــيال وفــرديــنــانــد، الـلـذيـن وحّــــدا إسبانيا وأنـهـيـا الـحـكـم الـعـربـي لألنـــدلـــس. وقـــد تلقت كاثرين تعليمًا يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيال نموذجًا مللكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها. خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلـى ولي عهد إنجلترا األمـيـر «آرثــــر»، وكـــان ارتباطها بـآل تيودور ضمانًا ملنح األســرة الحديثة في الحكم شرعية إضافية واتـصـاال ببيت ملكي عـــريـــق، وبـــعـــد وفـــــاة «آرثـــــــر» تـــزوجـــت شقيقه «هـنـري الـثـامـن»، وعـاشـت معه نحو عشرين عامًا قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمـــات العصر الـتـي تخص الــساللــة كلها؛ إذ أراد هــنــري وريـــــثًا ذكـــــرًا، وصــــار فــقــد زوجــتــه كــاثــريــن لألبـــنـــاء تـــبـــاعًا حــجــة لـفـحـص صحة الـــزواج، ثـم ذريـعـة إلنهائه، ومـع رفـض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة اإلنجليزية عن سلطة البابوية. تـكـشـف حــكــايــة كـــاثـــريـــن كــيــف تـــجـــاوزت درامـــــا األســـــرة حــــدود الــقــصــر؛ فــتــحــوّل تـعـثّــر املــلــكــة فـــي إنـــجـــاب وريـــــث ذكــــر إلــــى أزمـــــة في شــرعــيــة الـــــــزواج، ثـــم إلــــى انــقــســام ديـــنـــي غـيّــر تـــاريـــخ إنــجــلــتــرا، كـــاشـــفًا أن أجـــســـاد الـنـسـاء وعالقـــاتـــهـــن الـــخـــاصـــة لـــم تــكــن مـنـفـصـلـة عن السياسة، بـل وقعت فـي قلب تـحـوّالت الحكم والدين والساللة. وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بــدهــائــهــا لـتـأسـيـس األســــــرة «الـــتـــيـــودوريـــة»، وســـاعـــدت ابـنـهـا هــنــري الــســابــع عـلـى اعـــتالء الــــعــــرش، فــقــد انــتــهــى عــصــرهــا مـــع سليلتها إلـــيـــزابـــيـــث األولـــــــى، حـفـيـدتـهـا الـــكـــبـــرى، الـتـي تصفها املؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بــولني، التي تـزوجـهـا املــلــك فــي خـضـم أزمــتــه مــع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتـــلـــقّـــت إلـــيـــزابـــيـــث تــعــلــيــمًا رفــــيــــعًا، فـــأجـــادت الالتـيـنـيـة واإليـطـالـيـة والفرنسية إلــى جانب اإلنجليزية. القاهرة: منى أبو النصر «تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة واإلعالم صدر حديثًا، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف املــؤرخ واألكاديمي الفرنسي فابريس داملـيـدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول املال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة واإلعالم، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور. الــكــتــاب دراســــة معمقة لــواقــع األثـــريـــاء، ويـسـعـى إلـــى الـكـشـف عــن مكانتهم الحقيقية فــي تـاريـخـنـا، واسـتـكـشـاف مـــدى تـأثـيـرهـم فــي تـطـورنـا، وفـــي تـحـوالت مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسـهـامـاتـهـم، واألخـــطـــاء الـتـي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع اإلخفاقات، ويوضح أن مشكلة األثرياء أصبحت أكثر حدة مع انزالق الخياالت نحو املبالغة والخلط ونظريات املؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع األثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعني باألنانية والطموح الجامح. إال أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرة شخصية؛ فبغض النظر عن املال ال يوجد اثنان متشابهان. يهدف الكتاب، حسب مقدمة املترجم، إلى «تقديم تأمل حول ماهية األثرياء حقًّا؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَد طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمرًا بالغ األهمية. غالبًا ما كانت السياسات املتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير اإلعانات االجتماعية ملساعدتهم. في املقابل، ال يوجد إجماع بشأن الثروات الضخمة، إال أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثـار إيجابية أو سلبية على االقـتـصـاد. وال يمكن التعامل معهم ككتلة واحـــدة دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلني أساسيني في النظام االقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليًّا في استراتيجيات الضرائب واالستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالة على حدة، أفضل الخيارات املتاحة، وفقًا ملجاالت العمل وأهميتها للمجتمع، وإال فإن التوترات بني الشعب ونخبه املختلفة لن تزداد إال حدَة». يُذكر أن املؤلف فابريس دامليدا من أبـرز املتخصصني املعاصرين في تاريخ وسائل اإلعالم، والدعاية السياسية، والتالعب بالصور، إلى جانب أبحاثه املعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية األوروبـيـة. يعمل أستاذًا للتاريخ املعاصر ). نــال عــدة أوسـمـة رفيعة مـن الدولة 2 فـي جامعة بـاريـس بانتيون آســا (بـاريـس الفرنسية تقديرًا إلسهاماته العلمية، منها وسام الفنون واآلداب (برتبة فارس) عام .2023 ، ووسام االستحقاق الوطني الفرنسي عام 2022 ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الــغــســق» لـلـروائـي فيليب كـلـوديـل، و«نـــوتـــردام الـنـيـل» لـلـروائـيـة سكوالستيك مـوكـاسـونـجـا، و«الـنـشـوة املاديــــة» لجوستاف مـــاري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تــاريــخ عـاملـي لـلـهـراء» مـن إشـــراف وتحرير جــان فـرانـسـوا مارميون. يعد من أبـرز الناشطني في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته املترجمة مـن األدب والفلسفة والـفـكـر الفرنسي بانتظام فـي عــدد مـن الــدوريــات واملجالت املصرية والعربية. القاهرة: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==