عــــاما مــن الــدعــايــات الحماسية 15 بـعـد لـــلـــكـــتـــاب الإلــــكــــتــــرونــــي بــــأنــــه ســيــقــضــي عـلـى الـورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد الــــعــــودة إلـــيـــهـــا، كـــل الــنــتــائــج تـثـبـت الـعـكـس. يــتــبين بــــالأرقــــام، أن الــكــتــاب الـــورقـــي يحافظ على مكانته في الـصـدارة، ويربح المعركة في أمـيـركـا وأوروبــــا والـعـالـم الـعـربـي أيـــضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الــذي فرمل حيويتها الأولـــى؟ وهـل المستقبل سـيـكـون مـخـتـلـفاً؟ هـــذا مــا سـنـحـاول الإجـابـة عليه. أعوام من الجمود 10 تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد حيث 2011 قراء الكتب الرقمية ابتداء من عام ازدادت نـسـبـة قــــراءة الـكـتـب الإلـكـتـرونـيـة بين سـنـوات 3 نقطة مـئـويـة خلال 11 الأمــيــركــيين 2011 في المائة عام 17 فقط، أي أنها قفزت من . لكن للغرابة فإن 2014 فـي المائـــة عــام 28 إلــى هــذه النسبة لـم تشهد بعد ذلــك تــزايــدا يذكر، لا فــي أمـيـركـا عـقـر دار التكنولوجيا والــذكــاء الاصــطــنــاعــي، ولا فـــي دول أوروبــــيــــة، رصـــدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مد الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، ًًبنسبة محددة لا تتزحزح. أميركا تقرأ ورقيا في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، فـــي أبـــريـــل (نــيــســان) مـــن الـــعـــام الــحــالــي، تـبين أن الـكـتـب الــورقــيــة لا تــــزال هـــي المـفـضـلـة لـدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قـرأوا كتابا إلكترونيا واحـدا على الأقل خلال السنة الماضـــيـــة، فيما وصـــل عـــدد الــذيــن قــــرأوا كـتـابا في 10 في المائـــة، أي بانخفاض 64 ورقــيا إلـى عاماً، بينما لجأ 14 المائة فقط عن النسبة قبل في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل 26 العام الماضي. الــــدراســــة تــثــبــت أن الــكــتــب الـــورقـــيـــة هي الـصـيـغـة الــوحــيــدة الــتــي يـسـتـخـدمـهـا أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملا لها ولم يحل مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبـــيـــة عــديــدة، حـيـث أن نسبة قـــراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولـى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملا لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بـديلا عنه، خصوصا في ما يتعلق بكتب الـروايـات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر. لماذا العودة إلى التقليدي؟ قــــد يـــكـــون ســـبـــب بـــقـــاء الــــقــــراء مــخــلــصين لـــعـــاداتـــهـــم الـــورقـــيـــة مـــتـــأتـــيا مــــن الـــحـــاجـــة إلــى الابــتــعــاد عــن إجــهــاد الــشــاشــات الــــذي يرهقهم طـــــوال الــــيــــوم، وقــــد أصـــبـــح اســـتـــخـــدام الـهـاتـف يستغرق يـومـنـا ونـحـتـاج إلـــى اسـتـراحـة منه. هـنـاك أيـــضا الـــدراســـات الـتـي تـحـذر باستمرار مـن الـقـراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دورا إيجابيا في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد فـي الـنـهـايـة، فـي كـل صيغة، ســـواء الـورقـيـة أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافرا أو مسترخيا في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها. ونـحـن هنا لا نتحدث عـن صــور «بــي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بـالـعـربـيـة وفـــي شـتـى الــلــغــات، بـحـيـث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتـبـقـى فـــي مـنـطـقـة مـــن الـــــظلال الـكـثـيـفـة. إنـمـا الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب الـتـي تـبـاع وتشترى فـي ســوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها. بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة الـنـشـر، الـنـتـائـج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هــي الـشـكـل الأقــــوى للنشر الاســتــهلاكــي، وقـد مليار جنيه إسترليني من 2.1 بلغت إيراداتها مليار جنيه إسترليني، بـزيـادة 2.6 إجـمـالـي فـي المائـــة عـن الـعـام الماضـــي. وحققت 2 قـدرهـا الصيغ الرقمية إيـــرادات لم تصل إلـى أكثر من مــلــيــون جـنـيـه إســتــرلــيــنــي، بـيـنـمـا بلغت 558 مليون جنيه. ما 255 إيـرادات الكتب الصوتية يعطي الورق تقدما كبيرا على كل ما عداه. العرب غياب للتوثيق الدقيق أمــــا الــــعــــرب، ورغـــــم غـــيـــاب الإحــــصــــاءات الــشــامــلــة والمــــوثــــوقــــة، فــــإن تـــقـــاريـــر مــعــارض الكتب والـنـاشـريـن، تتحدث عـن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثــرت على سـوق الكتب لا يـوازيـه ارتـفـاع في بـيـع الــكــتــاب الإلــكــتــرونــي، لأســـبـــاب تـتـجـاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنيا خاصة في الــبــدايــات، فـي الـوقـت الـــذي كـانـت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عـز انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مــنــاســبا لـلـنـشـر الإلــكــتــرونــي والــــقــــراءة على الـشـاشـات تـأخـر، عـن باقي الـلـغـات، ولا تـزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كـــمـــا أن ضـــعـــف الـــبـــنـــيـــة الـــتـــحـــتـــيـــة لــحــمــايــة حـــقـــوق المـلـكـيـة الــفــكــريــة الــرقــمــيــة لـــم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في مليار دولار، 13.4 العالم العربي يقدر بنحو 791 أمـا النشر الإلكتروني فلا يشغل سـوى مليون دولار من هـذا المبلغ، ما يـدل على أنه لا يزال ضعيفا جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم. أوروبا لا تشذ عن القاعدة أوروبـــــا لا تـشـذ عـــن غــيــرهــا، فـفـي فرنسا وإسـبـانـيـا لا تـــزال الكتب الـورقـيـة فـي المقدمة، وفـــي ألمانـــيـــا الـــقـــراءة بـخـيـر، حـيـث إن أكـثـر من نـــصـــف الألمان يـــشـــتـــرون الـــكـــتـــب الـــورقـــيـــة ولا يـسـتـعـيـرونـهـا فـــقـــط. والأمــــــر نــفــســه مـــن حيث الإقــبــال على النشر الــورقــي فـي الهند وكـوريـا الجنوبية. وتسجل الـصين اخــتلافا بينا في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجـــابـــات مـــن يـتـم طـــرح الـــســـؤال عـلـيـهـم، وعـــدد الـكـتـب المـبـاعـة بصيغها المـخـتـلـفـة. وغـــالـــبا ما يــكــون الـــقـــراء أنـفـسـهـم هــم الــذيــن يــلــجــأون إلـى الوسيلتين مــعاً، مـع ملاحـظـة أن الشباب أميل قليلا إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً. مشاكل رقمية غير مشجعة الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي بـاهـظا بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقـتا أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئا على أصحابها فــي المـــنـــازل الـصـغـيـرة. لكنه فــي المـقـابـل يبقى عمليا بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجا أو جهازا للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته. ّّــح الرغبة ومــن الـعـوائـق، التي لا تــزال تـرج فــــي الـــحـــصـــول عـــلـــى الـــكـــتـــب ورقــــــــياً، أنـــهـــا بـعـد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تــدفــع ثـمـن كــتــاب إلــكــتــرونــي وتـشـعـر أنـــه لـديـك على سبيل الإعـــارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عددا مــحــددا للإعـــــارات المـسـمـوح بـهـا والمــــدة الزمنية المتاحة، وهـنـاك قيود أخــرى بــدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحد من حريتهم، بل ملكيتهم. مـــن هـــنـــا، لا غــــرابــــة، لــيــس بــالــبــقــاء على الـكـتـاب الــورقــي للشعور بــالأمــان فـقـط، ولكن هناك أيضا عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه. الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل وقــــد قُُــــــد ّّر نــمــو ســــوق الــكــتــب المـسـتـعـمـلـة مليار دولار عام 25.32 عـالمـيا بـأنـه ارتـفـع مـن ، بسبب 2025 مليار دولار عام 27.13 إلى 2024 تـراجـع أسـعـار هــذه الـكـتـب، وتـوسـع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدل على نمو جمهورها. إن مـــيـــل «المــــســــتــــجــــد» يـــشـــجـــع أصـــحـــاب المكتبات على إخــراج قديمهم وعرضه للبيع، كـمـا شــــراء المـكـتـبـات الشخصية الــتــي تعرض بعد رحـيـل أصـحـابـهـا. فـهـذه الـكـنـوز، بحسب مـا أخـبـرنـي صـاحـب أحــد المكتبات فـي لبنان، تتيح كتبا بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هـذه المقتنيات لدى أصــحــاب المـكـتـبـات بـــات شــائــعاً، إذ ثـمـة رهــان على أن الكتب الـورقـيـة ستكون غــدا أغـلـى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور. دراسة: سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر مليار دولار، 13.4 بنحو أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى مليون دولار 791 الثقافة CULTURE 17 Issue 17463 - العدد Sunday - 2026/9/20 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي حتى في أميركا عقر دار التكنولوجيا «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر تطور قراءات الكتب (ويكيبيديا) بيروت: سوسن الأبطح «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان صـــدر لــلــروائــي والــنــاقــد الـــســـوري نبيل سليمان كـتـاب جـديـد بـعـنـوان «أرواحــهــم في المـــفـــكـــرة»، وقــــد افـتـتـحـه بــالاقــتــبــاس الــتــالــي: «إذا كـانـت المـفـكـرة تــنــادي الـكـتـابـة والـكـتـاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة». وجــاء فـي تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مــراثــي تقليدية، بـل ينسج خيوطا مضيئة مـن الــذاكــرة لأســمــاء سكنت وجـدانـه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنـــه لـيـس مـجـرد كــتــاب عــن الـــراحـــلين، بــل هو مـــعـــرض حــــي لـــ«أقـــمـــارٍٍ» مـــن الــثــقــافــة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصـــــولا إلــــى إبـــراهـــيـــم أصلان، وأديـــــب غـنـم، وأروى صــالــح، وغـيـرهـم الـكـثـيـر مـمـن تـركـوا بصمة لا تُُمحى في المشهد الثقافي. يأخذنا سليمان في رحلة وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحة صارت منارات، وبين لقاءات عـــابـــرة تــحــو ّّلــت إلــــى صــــداقــــات أبـــديـــة. الـكـتـاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنــــســــانــــي. إنـــهـــا مـــفـــكـــرة لا تــحــفــظ الأســـمـــاء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغة تتقطر شجنا وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة الــيــومــيــة: ضـــحـــكـــات ٍٍ، جــلــســات مـــقـــاهٍٍ، لـحـظـات انـكـسـار، وبين قــــراءات نقدية رصينة لتجارب هـــؤلاء المــبــدعين. مـا يجعل الـكـتـاب مـشـوقا هو صدق الألم وعمق الحب. سليمان لا يستعرض س ِِيرا ذاتية بـاردة، بل يفتح أبـواب قلبه ليُُرينا كـيـف يـتـفـاعـل المـثـقـف مــع فجيعة الــفــقــدان. هو يـــتـــســـاءل: كـــيـــف نـــعـــيـــش بـــعـــد رحـــيـــلـــهـــم؟ كـيـف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوة للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهر الموت وتجعل الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطر وفي كل حكاية. الكتاب هو تذكرة لكل قارئ بأن الكتابة ليست مجرّّد حرف على ورق، بل هي محاولة يائسة ونبيلة لتخليد اللحظات النادرة التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعر أنـك تجلس مـع كـل هــؤلاء العظماء، تسمع أصواتهم، وتتقاسم مع الكاتب مرارة الغياب وحلاوة الذكرى. دمشق: «الشرق الأوسط» )3( ابن خلدون... وذكراه سأتحدث في هذه المقالة أو سأبدأ فيها حديثي عن رسالة الدكتور طه حسين التي حصل بها على الدكتوراه من جامعة السوربون، ودرس فيها «مقدمة ابــن خـلـدون» وسماها «فلسفة ابــن خـلـدون الاجتماعية»، وهـي، هذه الفلسفة، التي أثارت إعجاب العالم بابن خلدون الذي لا نعرفه، نحن ورثته، أو لا نعرف عنه إلا القليل. وكيف نعرف ابـن خـلـدون وهـو غائب عندنا لا وجــود لـه فـي وسائل إعلامنا، وفي برامجنا الدراسية، وفي إنتاجنا الفكري، اللهم إلا مؤلفات قليلة صـدرت عنه في هذا العصر، في مقدمتها هذه الرسالة، رسالة طه باللغة الفرنسية طــبــعاً، فـلـم يـكـن مـتـاحا 1917 حـــسين، الـتـي كتبها عـــام للقارئ العربي أن يطلع عليها إلا بعد أن تُُرجمت للعربية، وهذا ما حدث، فقد ترجمها كاتب مصري عاصر طه حسين وترجم رسالته، وهو الأستاذ ، أما الطبعة 1925 محمد عبد الله عنان. وقد صدرت هذه الترجمة في عام التي حصلت منها على نسختي من رسالة طه حسين وقرأتها فقد صدرت في العام الماضي، بعد مائة عام من صدور الطبعة الأولى منها. ولا أدري إن كانت طبعات أخرى صدرت من هذه الترجمة التي كانت لا شك مطلوبة، أم أن مائة عام مرت دون أن يعاد طبعها؟ غير أن المترجم الأستاذ عنان لم يكتف بالترجمة التي قد ََّمها لرسالة طـه حـــسين، وإنـمـا أضـــاف لها كـتـابا جـديـدا ألََّــفـه عـن ابــن خـلـدون بعنوان «ابن خلدون - حياته وتراثه الفكري»، وقد صدرت من هذا الكتاب طبعتان استطعت أن أحـصـل على نسختي مـن الطبعة الثانية الـتـي صـــدرت في الخمسينات الأولـــى مـن الـقـرن الماضــــي، قـرأتـهـا هـي أيـــضاً، كما قـــرأت عن دراسات أخرى صدرت في تونس، ولبنان، والمغرب للأمير شكيب أرسلان، والأســاتــذة عبد الـلـه الــعــروي، وإسماعيل ســـراج الـديــن، وجميل صليبا، وأحمد حوفي، وآخرين. وقد بحثت في مكتبات القاهرة عن نسخ معروضة من هذه المؤلفات التي صدر معظمها في النصف الأول من القرن الماضي حين حل ََّت الذكرى المئوية السادسة لميلاد ابن خلدون، واحتفل بها المثقفون العرب، وخاصة في تونس، حيث وُُلد ابن خلدون ونشأ، وفي مصر حيث قضى الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن - أقول إنني بحثت عن نسخ من هذه المؤلفات فلم أجد؛ ولهذا أناشد الجهات التي نشرتها، الحكومية والأهلية، أن تقدم طبعات جديدة لجمهور ينتظرها. ولا شك أن في هـذه الأعـمـال قيمة نحتاج إليها لنعرف ابـن خلدون: الرجل، والفيلسوف، والعصر الذي عاش فيه، لكنها لا تكفي وحدها، فضلا عن أن معظمها نفد كما قلت، فنحن في أشـد الحاجة إلـى إعــادة طبعها، وللنظر فيها لاستكمالها بما يستطيع المـعـاصـرون أن يقدموه احتفالا بالذكرى المئوية السابعة لمولد ابن خلدون. وإذا كـان الأوروبـيـون قد اكتشفوا قبلنا ما قدمه ابـن خلدون للتراث العربي والتراث الإنساني، أو أسهموا على الأقل في اكتشافه فنحن نحتاج إلى أن نرى الصورة التي رسمها الأوروبيون لابن خلدون؛ لأنها ستطلعنا دون شـك على سمات وجـوانـب تغتني بها رؤيتنا لـه، ونـعـرف بها مدى تأثيره في الثقافة الأوروبية الحديثة. ولهذا؛ أناشد الباحثين العرب في علم الاجـتـمـاع أن يـرشـحـوا لنا مـا يمكن أن نترجمه مـن أعـمـال الأجـانـب الأوروبيين وغير الأوروبيين المكتوبة عن ابن خلدون. وأمامنا ست سنوات نستطيع فيها أن نعرف ما يستحق أن يترجم وأن نــقــوم بـتـرجـمـتـه لـيـصـدر فـــي الاحــتــفــال الــــذي نـنـتـظـر أن يـــشـــارك فيه الـجـمـيـع، وأن يجعلوه فـرصـة سـانـحـة لـلـتـواصـل الـــذي نـحـتـاج إلـيـه أشـد الحاجة لتنشيط العمل الثقافي العربي المشترك. وهذا واجب ملح لم يعد مقبولا أو محتملا تجاهله أو تأجيله في الظروف الراهنة التي يتعرض لها الوجود العربي لما يفرض علينا أن نستشعر كل طاقاتنا، ونستنفر كل قوانا. ولدينا هذه المؤسسات التي أُُنشئت لتقوم بهذا الواجب، ومنها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تمارس نشاطها في تونس مسقط رأس ابــن خـلـدون، وهـــذا اعتبار يـضـاف إلــى غـيـره مـن الاعـتـبـارات التي تبرر لنا أن نطالب المنظمة بأن تبادر من الآن للتفكير في الاحتفال بابن خلدون الذي آن لنا أن ننصفه، وأن نذكّّر به أنفسنا، ونذكّّر به العالم الـذي شهد له بالسبق وأحلّّه المكانة التي يستحق أن يحتلها بين الـرواد الأوائل الذين أسسوا للثقافة الإنسانية في هذه العصور الحديثة، بل لقد سبق الذين ظهروا بعده بقرون على اخــتلاف آرائـهـم ومذاهبهم، أنصار الـحـريـة، وأنـصـار الطغيان. ومــن هـــؤلاء الأخـيـريـن مكيافيللي الـــذي ظهر بعد ابن خلدون بمائة عام، وعبََّر عن آرائه في كتابه «الأمير» الذي انتقد فيه ثقافة العصور الوسطى، لكنه وقف فيه إلى جانب الطغيان. ومنهم الفيلسوف الفرنسي المشرع مونتسكيو صاحب «روح القوانين» الذي عاش في القرن الثامن عشر، ومنهم أوغست كونت الذي عاش في القرن التاسع عشر، وسمى «علم الاجتماع» بهذا الاسم الذي أصبح مصطلحا متداولا في العالم يشير إلى هذا العلم الذي يبحث في الأطوار العقلية والأخلاقية التي تتشكل بها الجماعات الإنسانية، وهذا هو بالضبط العلم الذي سبق إليه ابن خلدون، وعرض فيه كما جاء في رسالة طه حسين القوانين التي تعمل طبقها النظم الاجتماعية بشكل واضح، وإليك منهج ابن خلدون كما شرحه بنفسه في خطبته وفي مقدمة مؤلفه، فهو يقول في الخطبة: «إذ هو (التاريخ) في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يُُعد في علومها وخليق». وقــد سمّّى ابــن خـلـدون كتابه الــذي قــدم فيه هــذا العلم وسـمـاه «علم الــعــمــران»، سـمـاه «كــتــاب الـعـبـر، وديــــوان المـبـتـدأ والـخـبـر فــي أيـــام الـعـرب والـعـجـم والـبـربـر ومـــن عـاصـرهـم مــن ذوي الـسـلـطـان الأكـــبـــر». وهـــو ثلاثــة أقـسـام، يتضمن أولـهـا تمهيدا فـي درس الـتـاريـخ ومقدمة فـي الحضارة، ويتضمن القسم الثاني تاريخ العرب وغيرهم من الشعوب منذ بدء الخليقة إلـى القرن الثامن الهجري الــذي عـاش فيه ابـن خـلـدون، وهـو الـرابـع عشر المـــيلادي، ويتضمن الثالث والأخير تاريخ البربر، وينتهي بسيرة ذاتية تحدث فيها ابن خلدون عن نفسه حديثا مفصلا وصريحا تحول إلى كتاب مستقل، وهذه السيرة عمل فريد لم يسبقه إليه كاتب أو شاعر عربي آخر. ... وللحديث بقية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky