كثيرا ما شهدت الانتخابات الفرنسية استقطابا حادا أو لحظات مفصلية وتحولات كبرى، والواضح أن انتخابات الرئاسة المقبلة والمقرر إجراؤها العام المقبل، ستكون واحدة من هذه الانتخابات، والتي «هلت بشائرها» بعقد جمعية 6 أربـــاب الأعــمــال الفرنسيين مـؤتـمـرا ضخما حـضـره نحو آلاف شـخـص، وتــحــدث فـيـه المـرشـحـون السبعة الـكـبـار عن برامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية. والحقيقة أن الاستقطاب الذي تشهده هذه الانتخابات هو تتويج لنمط جديد من الاستقطاب والصراع السياسي استمر لأكثر من عقدين بين تيار أقصى اليمين ممثلا في حــزب «التجمع الـوطـنـي»، وتـيـار أقـصـى اليسار ممثلا في حزب «فرنسا الأبية». صحيح أن فرنسا شـهـدت مـن قبل استقطاب اليمين والـيـسـار، وعـرفـت لحظة مفصلية فـي تاريخها حـن أسفر هــذا الاستقطاب عـن حـــدوث أول تـــداول للسلطة فـي تاريخ الـجـمـهـوريـة الـخـامـسـة (الــتــي أسـسـهـا الـجـنـرال ديــغــول عـام ) حين فاز مرشح اليسار فرنسوا ميتران على الرئيس 1958 ، ليتوج بذلك تاريخ 1981 اليميني جيسكار ديستان عـام الاسـتـقـطـاب بــن الـيـمـن والــيــســار بعملية تــــداول للسلطة في اتجاه اليسار الذي تبنى وقتها أفكارا اشتراكية قديمة من تأميم شركات كبرى وتوحيد نظام التعليم سرعان ما تراجع عنها بعد أشهر من وصوله إلى السلطة. والحقيقة أن التعبئة السياسية والاسـتـقـطـاب ليسا غـريـبـن عـلـى فــرنــســا؛ فـعـلـى عـكـس بـــلـــدان أوروبـــيـــة أخـــرى عــرفــت «اسـتـقـطـابـا نــاعــمــا» عـقـب الـــحـــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة مثل ألمانيا وبريطانيا والـبـاد الإسكندنافية، وكــان فيها اليسار اجتماعيا ديمقراطياً، واليمين ليبراليا ديمقراطيا أو مسيحياً، وغـابـت تقريباً، أو كـانـت على الـهـامـش، قوى الــيــســار الـــثـــوري والــشــيــوعــي الــــذي كــــان حـــاضـــرا بــقــوة في فــرنــســا، وشـــــارك الـــحـــزب الاشـــتـــراكـــي فـــي حـكـم الـــبـــاد عقب . والمـــؤكـــد أن لـحـظـة انــتــقــال الـسـلـطـة إلــى 1981 انــتــخــابــات اليسار مثلت تحديا كبيرا للنظام السياسي الفرنسي، لأن الرئيس فرنسوا ميتران وصل وهو يرفع شعارات القطيعة مـع النظام الـرأسـمـالـي والقيم البديلة للنظام الرأسمالي، واختلف مع جوهر النظام القائم وليس مع برنامج أو توجه سـيـاسـي، صحيح أنــه بعد أشـهـر مـن وصـولـه إلــى السلطة لم يحدث قطيعة مع النظام الرأسمالي، إنما أحدث قطيعة مع اشتراكيته التي بشر بها، ولم ينهر النظام الرأسمالي إنما استمر وتطور وجدد من بعض أسسه، وأصبح بعدها التنافس بين اليسار واليمين في فرنسا والــدول الأوروبية تنافسا على تفاصيل سياسية واقتصادية، وعلى تجديد النخبة الحاكمة وضخ دماء جديدة أكثر من تقديم سياسات جــديــدة ومختلفة، وشـعـر جـانـب واســـع مــن المـواطـنـن بـأن أحواله لا تتغير مع حكم اليمين أو اليسار وفق المثل العربي «أحمد مثل الحاج أحمد». وقــد تغيرت الـحـال مـع دخـــول المتغير الثقافي لحلبة الاسـتـقـطـاب الـسـيـاسـي الــجــديــد فــي أوروبــــــا، وكــــان وقـــوده قضية المهاجرين الأجانب والهوية والإســام ودمـج الجيل الثاني من المهاجرين وغيرها من الأمـــور، وبـدا واضحا أن هناك تيارين يتصارعان حـول هـذه القضايا؛ وهما حزب «التجمع الوطني» في أقصى اليمين، وحزب «فرنسا الأبية» في أقصى اليسار. وقـد اعتمد الحزب الأول في جانب رئيسي من كتلته التصويتية على الرافضين للمهاجرين الأجانب والمتشككين فــــي انـــتـــمـــاء الــفــرنــســيــن مــــن أصــــــول عـــربـــيـــة لـــ«الــعــلــمــانــيــة الفرنسية» وفي قدرتهم أن يصبحوا مواطنين «كاملين» مثل الفرنسيين «الأصليين» من أصحاب البشرة البيضاء، ورفع شعار «هجرة صفر» وترحيل المهاجرين غير النظاميين. أمــــا الـــحـــزب الــثــانــي فــقــد اعــتــمــد فـــي جـــانـــب كـبـيـر من كتلته التصويتية على أبناء وأحفاد المهاجرين ممن حملوا جنسية البلد الـجـديـد، وصـــاروا مـواطـنـن، وكيف أن زعيم الحزب ميلونشون كرر في مناسبات عديدة جملة لها دلالة، قـائـاً: «حـن كنت شابا كانت تقريبا نسبة الفرنسيين من 1 فــي المـــائـــة، أمـــا الآن فـقـد أصـبـحـوا مــن 1 أصــــول مـهـاجـرة في المائة»، وأضـاف: «آباؤكم وأجدادكم بنوا فرنسا، 4 إلى وإياكم أن تقبلوا أن تكون حقوقكم أقل من باقي الفرنسيين»، وعبّر حزبه عما يسمى «فرنسا الجديدة» التي يعيش فيها مــواطــنــون مــتــســاوون فـــي الــحــقــوق والـــواجـــبـــات مـــن أصـــول عرقية مختلفة. صحيح هناك قضايا أخرى تمثل خلافا بين مرشحي انـتـخـابـات الــرئــاســة الـفـرنـسـيـة؛ مـثـل الـتـعـامـل مــع الـديـن العام والمالية وسـن التقاعد وقضايا التصنيع والأجــور وغــيــرهــا، وهـــي قـضـايـا تـمـثـل تـبـايـنـا صـحـيـا تـعـرفـه كل الديمقراطيات الغربية، ولكن ستظل قضايا الاستقطاب الـحـقـيـقـي والــعــمــيــق بـــن تــيــاريــن كــاهــمــا يـحـمـل مـوقـفـا متناقضا من قضايا الهجرة والمهاجرين والهوية، ومن شكل فرنسا الجديدة والموقف من الإسلام ومن إسرائيل، وهـي كلها أمـور تشير إلـى أن فرنسا دخلت عمليا عصر «الاستقطاب الثاني» الكبير في أقل من نصف قرن، وبات واردا أن يكون الطرف الفائز في الانتخابات المقبلة ليس ، إنما تيار أقصى 1981 اليسار كما جـرى فـي انتخابات اليمين، والذي سيضع المنظومة القانونية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية أمام تحد جديد أصعب من وصول .1981 اليسار إلى السلطة عام تنحو الاخــتــافــات الـسـيـاسـيّــة والـفـكـريّــة فــي المــشــرق إلـــى أن تـكـون وجـــوديّـــة وإطـاقـيّــة، أقــرب إلـى التحام مباشر بـا عناصر وسيطة ووســــطــــاء. وهـــــذا إنّـــمـــا يــتــعــاظــم يـــومـــا بــيــوم، بـــل ســـاعـــة بــســاعــة. فــالــبــرنــامــجــي والإجــــرائــــي فــي الـتـمـايُــز يــوالــيــان ضـمـورهـمـا لـصـالـح آراء ومواقف قاطعة، وصـور عن المستقبل يربطها النفي المحض بكل صوّرة أخرى. وإذا كان بديهيّا أن البرنامجي والإجرائي يــــازمــــان الــــصــــراع حــــول الــــدولــــة وتــســيــيــرهــا، فــــواضــــح أن نـــزاعـــاتـــنـــا لا تـــــدور حــــول الـــدولـــة بالمعنى الـذي تفترضه السياسة. والأخطر أن الدولة نفسها، التي غدت لاعبا سياسيّا ضعيفا بين لاعبين أقوى، لا تثير شهيّة الصراع حولها لأن مكامن التأثير تقيم خارجها. فـــنـــحـــن نـــحـــصـــد نـــتـــائـــج مـــــأســـــاة الــــدولــــة وتــآكــلــهــا، وتــالــيــا تـــراجـــع الــســيــاســة كنقيض لــلــعــنــف وأداة لامـــتـــصـــاصـــه، فــيــمــا تــتــصــدّى هــويّــات مـا دون الــدولــة والـسـيـاسـة والوطنيّة لملء الفراغ. وأصــــــاً، كــــان الــرصــيــد الــــذي انــطــلــق منه الوعي السياسي ضعيفا ومحدوداً، طغى عليه الــصــراع مــع الــغــرب «الاســتــعــمــاريّ» الـــذي هـو، بالمناسبة، مصدر الدولة الحديثة. فحين ولدت الاستقلالات وأُعلن البدء بمشروع بناء الدول، ساد لون من الجمع بين البناء بيد وتقويضه باليد الأخرى. ولئن تجسّد سابقا أحد أشكال التقويض في الدعوة إلى وحدات عابرة للدول، وحـــــــــدات تـــرسّـــبـــت مــنــهــا مــــمــــارســــات كــالــغــزو الــصــدّامــي لـلـكـويـت، والــوصــايــة الأســـديّـــة على لـبـنـان، بـقـي الـشـكـل الأشــــد رســوخــا وتــواصــا اسـتـنـطـاق الـبُــعـد الأهـــلـــيّ، الـطـائـفـي والإثـــنـــيّ، لتأدية الأدوار التي أهملها عجز الدولة وتوسّع ذاك العجز. وفي العقود الثلاثة الأخيرة، انضم الإسلام السياسي إلى حلبة التجويف الذاتيّ، فصبغ بعض الـهـويّــات الأهـلـيّــة بلونه وصبغ بعضَها الآخــر، خصوصا حيث سـاد العسكر، بلون مناهضته. في الموازاة، وتحت وطأة البحث عن القوّة فـي مـصـارعـة الــغــرب، ورؤيـــة انـهـيـار السلطنة العثمانيّة بهذه العين، ضمرت الثقافة الروحيّة والـتـأمّــلـيّــة لـصـالـح تــحــزّب «جـــهـــاديّ» أضعف حــســاســيّــة بـــنـــاء الــــــدول إضـــعـــافـــه الـحـسـاسـيّــة الـــكـــونـــيّـــة الـــشـــامـــلـــة. ومـــثـــلـــمـــا حـــاصـــر إســـــام رشـيـد رضــا إســـام محمّد عـبـده مطالع القرن المــاضــي، ففي أواخــــره وبــدايــات الـقـرن الحالي فـــاض إحـسـاسـنـا بـالمـظـلـومـيّــة الــذاتــيّــة وانـهـار كل إحساس بمظلوميّة الآخرين. هكذا شهدنا أحداثا بربريّة كمعاملة النساء في أفغانستان وصعود «داعش» وأعمال سبي النساء من دون أن تخض تلك الـتـطـوّرات فكر المنطقة وتدفعه إلـــــى مــــســــاءلات ومــــراجــــعــــات عــمــيــقــة. ودائـــمـــا بــدا سـهـا تـحـوّل الــنــزاع الـسـيـاسـي مـع الغرب نزاعا ثقافيّاً، بما يكمّل حركة التَعرِّي الفكري والانكفاء إلى «أصالة» عذراء. وبالطبع لعب قيام إسرائيل دورا لا يقبل الــتــجــاهــل. فـــالاقـــتـــاع والإحــــــال الـــلـــذان رافــقــا قيامها عـزّزا الميول الحادّة والراديكاليّة. وفي الاتّــجــاه نفسه دفــع العنف الــذي اصطبغت به الدولة العبريّة، وميلُها الغريزي إلى العلاجات .1948 الأمنيّة، وكذلك الحروب التي تفرّعت عن وكــان مـن النتائج إمـعـان القتال والمـقـاومـة في طرد السياسة، وإبقاء سيف العجز العسكري مسلّطا على عنق الدولة الوطنيّة التي يسهل رجمها لأنّها «لا تواجه». والــــحــــال أن الــــــرد عــلــى إســـرائـــيـــل لـــم يكن أقـــل إيــــذاء مــن قـيـامـهـا. فـإلـى تـزكـيـتـه الـحـروب الأهليّة والانقلابات العسكريّة وتسبّبه بأكلاف إنــســانــيّــة واقــتــصــاديّــة هــائــلــة، انـــهـــار فـــي هـذه العمليّة لـبـنـان، وبـانـهـيـاره ضـاقـت مساحات الحرّيّة والصلة بالغرب. ولعقود طغت مركزيّة شـعـار «تـحـريـر فـلـسـطـن» الإبــــــاديّ، علما بــأن هامش التلاعب والتوظيف الرسميّين له كانا عـريـضـن جــــدّاً. كــذلــك شــاعــت فــكــرة مـــدمّـــرة لم يـتّــعـظ نــاشــروهــا بــالــهــزائــم المــتــوالــيــة، هـــي أن الحرب مع الغرب، وإسرائيل «مخفره المتقدّم»، مــجــرّد عـمـل عـنـفـي صـغـيـر أو كـبـيـر. ومـــا كـان ينقص سوى التزوّد بأفكار «نزع الاستعمار» كـتـأبـيـد لـلـحـظـة فـــي الـــتـــاريـــخ وتــكــريــس لفهم قتالي للسياسة. وهــذا فضلا عن تعزيز الميل إلـــى إنــكــار فـضـائـل الــدولــة الـوطـنـيّــة وقياسها بمقياس أوحد هو الصراع مع «العدوّ». وأضـافـت الـحـرب الـبـاردة إسهامها. فهي وإن حافظت على الإطـــار الـواحـد لـلـدول، تبعا لـــتـــوازنـــات «الـــجـــبّـــاريـــن»، أضــعــفــت الــــــدول في داخــلــهــا، وحــــدّت مــن قــدرتــهــا عـلـى الــتــقــدّم في تـطـوّرهـا الـديـمـقـراطـي وإصـاحـهـا السياسي والاجـــتـــمـــاعـــيّ. وبــتــفــاعــل حــمــيــم مــعــهــا، ومــع الـصـراع الـعـربـي - الإسـرائـيـلـي رسّــخـت أنظمة الانـــــقـــــاب الـــعـــســـكـــري حـــضـــورهـــا وقــبــضــتــهــا مـنـذ الـخـمـسـيـنـات، فـأخـمـدت المــايــن وعطّلت مــبــادرتــهــا ووأدت كــــل ســيــاســة. وفــــي نهجها هـــذا اسـتـنـدت إلـــى أحــــزاب وأفــكــار مُــنـشـدّة إلـى مــثــالات تـوتـالـيـتـاريّــة كـالـنـازيّــة والسوفياتيّة الـــســـتـــالـــيـــنـــيّـــة. وحـــــن بــــــدا، مــــع كـــامـــب ديــفــيــد المـصـري - الإسـرائـيـلـيّ، وبعد عقد ونـيّــف على والــنــاصــريّــة، أن لـلـسـام فرصة 1967 هـزيـمـة جدّيّة، نجحت الثورة الإيرانيّة بإعادة الاعتبار لوعي نزاعي كان يتلقّى الصدمة ويرتبك. فما بين تصنيع ميليشيات ونزعة توسّعيّة تمعن فــي قـضـم الـــدولـــة الــوطــنــيّــة، ووعــــي قـروسـطـي يـحـاصـر الــعــقــل، وحــــرب أهـــداهـــا إيّـــاهـــا صـــدّام حسين، توّجت تلك الثورة تاريخنا «التحرّريّ» الهابط مثلما توّجت الدولة البروسيّة تاريخ هيغل الصاعد. وبــــفــــشــــل مــــــحــــــاولات الــــتــــســــويــــة لـــلـــنـــزاع الـفـلـسـطـيـنـي - الإســـرائـــيـــلـــيّ، واتّـــضـــاح حـــدود الــتــغــيــيــر الــضــئــيــلــة، بـــعـــد إطــــاحــــة صـــــــدّام مـن الخارج، وبعد الثورات التي شهدتها الدواخل، لـــم يــتــبــق لـلـمـنـطـقـة ســــوى «طـــوفـــان الأقـــصـــى» الــذي فتح بـاب الـصـراع المـدمّــر بـن نيّة إبـاديّــة مدعّمة بـ«وحدة الساحات» بوصفها الكمّاشة الخانقة والفعل الإبادي الذي مارسته إسرائيل وتــمــارســه عـلـى رقــعــة جـغـرافـيّــة لــم تـعـد تفعل سوى دفن ضحاياها. فـي المـقـال السابق تناولنا كيف تـحـوّل جـزء كبير من التحليل السياسي فـي الفضاء الإعـامـي العربي ممارسة رغائبية تغذي الأوهــام بـدلا من أن تكشف الـواقـع. واليوم، ننتقل مـن توصيف الظاهرة إلـى تحليل آلـيـات انتشارها، وكيف نجحت بعض الأصوات في كسب مساحات واسعة من الجمهور لا بقوة الحجة، بل بمهارة الإيهام بالموضوعية. مــن الـظـواهـر الـافـتـة مـنـذ انــــدلاع الــحــرب الـحـالـيـة في المــنــطــقــة، ارتــــفــــاع شـعـبـيـة بــعــض المــحــلــلــن الـــذيـــن يـتـبـنـون وجهات نظر لا تتوافق بالضرورة مع توجهات بلد القناة أو مــع المــــزاج الـسـائـد لـــدى جـمـهـورهـا. والـسـبـب فــي ذلـــك لا يــعــود بــالــضــرورة إلـــى قـــوة حججهم أو دقـــة معلوماتهم، بقدر ما يعود إلى إدراكهم العميق لطبيعة الجمهور الذي يخاطبونه. فهم يـدركـون أن شريحة واسـعـة مـن المتابعين باتت تمل من أسلوب الديوانية الذي يسيطر على كثير من البرامج الحوارية، حيث يتحول النقاش منافسة على رفع الـصـوت وإفـحـام الخصم أكـثـر مما هـو بحث عـن الحقيقة. ولــذلــك؛ يعمد هـــؤلاء المحللون إلــى تقديم أنفسهم بمظهر المـوضـوعـيـة الــهــادئــة والـتـحـلـيـل المـــتـــزن، فـيـخـاطـبـون وعـي المـتـلـقـي بـمـهـارة عـالـيـة، ويـسـتـخـدمـون لـغـة تــبــدو عقلانية ومنضبطة، حتى لو كانت المضامين في جوهرها منحازة أو رغائبية. وبهذا الأسلوب ينجحون في كسب ثقة جزء من الجمهور الـذي يبحث عن بديل عن الصخب التقليدي، من دون أن يدرك أن المهارة في الأداء قد تكون غطاء لخطاب لا يقل وهما عن الخطابات الحماسية التي يدعي تجاوزها. إن أخطر ما في هذا النمط من التحليل ليس الانحياز بـحـد ذاتــــه؛ فـالانـحـيـاز مــوجــود فــي كــل خــطــاب بــشــري، بل الخطورة تكمن في القدرة على إخفاء الانحياز خلف قناع الموضوعية. فالمحلل الـذي يجيد هـذه اللعبة لا يصرخ ولا يهاجم بشكل مباشر، بل يعيد ترتيب الأولـويـات، ويختار المعطيات التي تناسب روايته، ويقدمها بلغة هادئة توحي بـالاسـتـقـال الـفـكـري. وهــكــذا يـتـحـول المتلقي تـدريـجـيـا من متابع يبحث عن الحقيقة إلى مستهلك لرواية مُعدَّة مسبقاً، يعتقد أنه وصل إليها بنفسه لأنه لم يشعر بأنه يُدفع إليها بقوة الصوت أو العاطفة الصريحة. تــتــضــاعــف خــــطــــورة هـــــذا الأســــلــــوب حــــن يــنــتــقــل مـن الـــشـــاشـــات إلــــى مــنــصــات الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي. فــمــواقــع الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي للقنوات الفضائية تكافئ المحتوى الـــــذي يـــبـــدو هـــادئـــا وعـــقـــانـــيـــا؛ لأنــــه يــحــقــق تـــفـــاعـــا أطـــول ومشاركة أوسع بين الشرائح التي ترفض الصخب التقليدي. وبـــذلـــك تـتـشـكـل دائـــــرة مـغـلـقـة، فــالــشــاشــة تـــقـــدم الــنــمــوذج، والمنصات تضخّمه وتعيد تدويره، والجمهور يعيد إنتاجه على أنه الحقيقة الناقصة التي لطالما بحث عنها. وفي هذه الدائرة يتحول النقد الواقعي صوتا نشازاً، ويُتهم صاحبه بالجمود أو بالانحياز للسلطة أو بالتخاذل. إن انتشار هـذا الـنـوع مـن التحليل لا يبقى محصورا فــي مـسـتـوى الــوعــي الـــفـــردي، بــل يـمـتـد لـيـؤثـر عـلـى الــقــدرة الجماعية على قـراءة الواقع واتخاذ القرارات. فحين يسود وهم الموضوعية الزائفة، يصبح من الصعب على المجتمعات تقبل الحقائق المُــرّة أو الاستعداد للسيناريوهات الصعبة. والمعنويات التي تُبنى على إيهام منظم أخطر من تلك التي تُبنى على حماسة عابرة؛ لأنها تخلق شعورا زائفا بالفهم العميق، ما يجعل انكشاف الحقيقة لاحقا أكثر إيلاما وأشد تأثيرا على الثقة العامة. المطلوب اليوم ليس إسكات الأصــوات أو فـرض روايـة واحـــدة، بـل استعادة معايير التحليل الـرصـن، كالاعتماد على مـوازيـن الـقـوى الفعلية، والاعــتــراف بمعطيات الميدان حتى لو كانت قاسية، والتمييز الواضح بين ما هو تقييم استراتيجي وما هو أُمنية سياسية. فالمسؤولية الإعلامية تقتضي أن نقدم للمتلقي أدوات الفهم لا أدوات التخدير، وأن نرفع من سقف النقاش بدلا من أن نتقن فنون الإيهام به. خـتـامـا، لا يمكن الــخــروج مـن مـــأزق الـوعـي الــزائــف إلا بــإدراك أن الحقيقة لا تقاس بمدى هـدوء المتحدث وبراعته فــي تنميق الـكـلـمـات، ولا بـمـدى صــراخــه وافـتـعـالـه الغيرة لإثـــبـــات أنــــه الـــطـــرف المـــحـــق، بـــل بـــمـــدى صـــمـــود أطــروحــاتــه أمـام قسوة الواقع. إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل المـبـاشـر، بـل وهــم المـعـرفـة المـصـنـوع بـمـهـارة فـائـقـة. وإذا لم نستعِد يقظتنا النقدية لفرز الحقائق من بين ركام الإيهام، فإننا نغامر بتحويل الـــرأي الـعـام مـن حصن منيع يحمي الدولة، إلى خاصرة رخوة تتقاذفها الأهواء والأمنيات. OPINION الرأي 12 Issue 17445 - العدد Wednesday - 2026/9/2 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com المسؤولية الإعلامية تقتضي أن نقدم للمتلقي أدوات الفهم لا أدوات التخدير باريس دخلت عمليا عصر «الاستقطاب الثاني» الكبير في أقل من نصف قرن عبد الله فيصل آل ربح عمرو الشوبكي حازم صاغيّة المهارة في الإيهام وتكلفة الوعي الزائف عناوين سريعة عن معالم الطريق إلى التوحّش فرنسا وانتخابات الاستقطاب الأقصى
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky