issue17429

OPINION الرأي 12 Issue 17429 - العدد Monday - 2026/8/17 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سياسة عدم اليقين... الحرب واللاحرب الجميع في أتون السياسة الخوذة التي تحمي الجميع شـــكَّـــل عــــدم الـــقـــدرة عــلــى الـتـنـبـؤ جـــــزءا أســاســيــا من أســـلـــوب دونـــالـــد تــرمــب فـــي إدارة الـسـيـاسـة الـخـارجـيـة؛ فالرئيس الأميركي يرفع سقف التهديد، ويدفع الخصم إلى الاعتقاد بأنه مستعد للذهاب إلى أبعد مما يتوقَّع، ثم يفتح بـاب التفاوض أو يتراجع عن التصعيد عندما يعتقد أن ذلك يخدم ما يسعى إليه. وقــــد مـنـحـه هــــذا الأســـلـــوب فـــي أحـــيـــان كــثــيــرة مـيـزة تفاوضية، لكنه يطرح اليوم سـؤالا مختلفاً: مـاذا يحدث عــنــدمــا لا يـــعـــود الــخــصــوم وحـــدهـــم عــاجــزيــن عـــن تـوقـع الخطوة الأميركية التالية، بل يصبح الحلفاء كذلك؟ لا تنفصل هــذه الـحـالـة المستجدة عـن تـحـوُّل أوسـع في السياسة الخارجية الأميركية سبق ترمب، يقوم على إعــــادة الـنـظـر فــي حـجـم الالــتــزامــات الـخـارجـيـة ومطالبة الـحـلـفـاء بتحمل قـــدر أكـبـر مــن أعــبــاء أمـنـهـم. لـكـن ترمب دفـع هـذا التحول إلـى مـدى أبعد، وأضــاف إليه قـدرا أكبر مـــن الــتــقــلُّــب فـــي إدارة الأزمــــــات والــتــحــالــفــات، مـــا يجعل التمييز ضروريا بين اتجاه أوسع في السياسة الأميركية والأسلوب الذي يدير به الرئيس هذا التحول. وتـكـشـف الــحــرب مــع إيــــران بــوضــوح هـــذه المعضلة. فـخـال الـفـتـرة الأخـــيـــرة، انتقلت الإدارة الأمـيـركـيـة مـــرارا بين التهديد بتصعيد عسكري واسع ومنح الدبلوماسية فــــرصــــة جـــــديـــــدة. وهــــنــــا يـــظـــهـــر الـــــفـــــارق بـــــن الـــغـــمـــوض الاستراتيجي والتقلُّب في السياسة. فالأول قد يكون أداة قوة عندما تكون الأهداف والالتزامات الأساسية واضحة، فيما تبقى الوسائل والتوقيت وحـــدود استخدام القوة غير متوقَّعة، بما يدفع الخصم إلى أخذ أسوأ الاحتمالات فـــي الــحــســبــان. أمــــا عــنــدمــا يـصـعـب تــحــديــد مـــا إذا كــان التهديد والتراجع عنه مجرد تكتيك أم يعكسان تغيرا في الأهداف، فإن عدم اليقين لا يعود مقتصرا على الوسائل، بل يمتد إلى اتجاه السياسة نفسها، وقد يتحول من أداة لإرباك الخصم إلى مصدر قلق للحليف. وتختلف آثــار هـذا النهج على الخصوم والحلفاء؛ فــــإيــــران تـسـتـطـيـع الـــتـــعـــامـــل مــــع عـــــدم الـــيـــقـــن الأمـــيـــركـــي بـاعـتـبـاره جـــزءا مــن المــواجــهــة، ومــحــاولــة اخـتـبـار حــدود التهديد والتكيف معها. أمــا الحلفاء، فيحتاجون إلــى قــدر مـن اليقين بشأن السياسة الأميركية لبناء حساباتهم الأمنية. فــفــي أوروبـــــــا، يـثـيـر عــــدم الــيــقــن بــشــأن اســتــمــراريــة الالـــتـــزام الأمــيــركــي ضـغـوطـا لـتـعـزيـز الـــقـــدرات الـدفـاعـيـة وتقليص الاعتماد على واشنطن. ولا تـنـتـج هــــذه المــــخــــاوف الاســتــجــابــة نـفـسـهـا لــدى جـمـيـع الـحـلـفـاء. فـــأوروبـــا تـسـعـى إلـــى تـحـمـل مسؤولية أكبر عن أمنها، فيما تتجه دول الخليج إلى بناء قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها الأمنية. أما إسرائيل، فتسعى إلى الحفاظ على هامش واسع لــحــريــة حـركـتـهـا الـعــســكــريــة، بـــالـــتـــوازي مـــع الـتــأثــيــر في القرار الأميركي، بما يقلل الفجوة بين حساباتها الأمنية وأولويات واشنطن. قـــد يـــرى تــرمــب فـــي هـــذا الاتـــجـــاه دلـــيـــا عـلـى نـجـاح سـيـاسـتـه؛ إذ ينسجم سـعـي الـحـلـفـاء إلـــى بـنـاء قـدراتـهـم وتوسيع شراكاتهم مع هـدف إعــادة توزيع أعباء الأمـن. لــكــن المـــفـــارقـــة تـــبـــدأ عــنــدمــا يــتــحــول تــقــاســم الأعـــبـــاء إلــى تحوُّط من السياسة الأميركية نفسها، فأن يبني الحليف قدراته لتقاسم العبء مع واشنطن يختلف عن أن يفعل ذلـك لتقليل حاجته إليها إذا تغيرت سياستها. وهكذا، قد تحصل واشنطن على حلفاء أكثر قـدرة وأقـل اعتمادا عـلـيـهـا، لكنهم أكــثــر اســتــقــالا عـنـهـا وقــــدرة عـلـى اتـخـاذ خيارات لا تتطابق بالضرورة مع خياراتها. والـتـحـدي الأعـمـق يكمن فـي فعالية هــذه السياسة؛ فـــعـــدم الــــقــــدرة عــلــى الــتــنــبــؤ قـــد يـمـنـح واشـــنـــطـــن هـامـشـا لـلـمـنـاورة، مــا دام جـــزءا مــن اسـتـراتـيـجـيـة واضــحــة، لكن تكرار النمط نفسه من دون أن يقود إلى هدف استراتيجي واضــــح، قــد يـفـقـد الـــقـــدرة عـلـى المــفــاجــأة والـــــردع، ويمنح الخصم فرصة للتكيُّف معه، فيما يترك الحلفاء أمام قدر أكبر من عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة الأميركية. فـالـقـوة الأمـيـركـيـة لا تستند إلــى الـتـفـوق العسكري وحــــده، بــل أيـضـا إلـــى صـدقـيـة الـتـزامـاتـهـا وتحالفاتها. والـــتـــحـــدي هــــو إبــــقــــاء الـــخـــصـــوم غـــيـــر واثــــقــــن بــوســائــل واشـــنـــطـــن، مــــن دون أن يــصــبــح حــلــفــاؤهـــا غــيــر واثــقــن مــــن اســـتـــراتـــيـــجـــيـــتـــهـــا. فـــــــإذا أصــــبــــح الـــتـــكـــتـــيـــك مــتــوقــعــا والاستراتيجية غامضة؛ فقد تفقد سياسة عــدم اليقين ميزتها لدى الخصوم والحلفاء معاً. تعلَّمنا أن نفهم السياسة من خـال الخطب، بينما تجري فـي الـواقـع على طريقة المسرحيات. فـي الخطابة يــوجــد بــطــل وخَـــصـــم ورســـالـــة واضـــحـــة. أمَّــــا فــي الــدرامــا فــكــل شـخـصـيـة تـحـمـل دوافـــعَـــهـــا، وقــــد يــتــحــوَّل الـخـصـم حليفاً، والحليف خَصماً، دون أن يتغيَّر أحدُهما أخلاقيّا بالضرورة. الخطابة تـوفـر ســرديــة نصوصية جــاهــزة للحفظ، ومـــفـــردات حــاضــرة الـــدلالـــة، تُــظـهـر مستخدمها فــي دور المثقف، لكنَّها تعطله عن الابتكار السياسي. والنتيجة أن العقول النخبوية صــارت تبحث عن رأي تحفظه، لا عن رأي تتوصَّل إلـيـه، وعــن إجـمـاع يطمئنها ويـدفـن الـشَّــكَ، ففقدت تمايزها. السياسة على أرض الـواقـع متباينة الأطــــراف، لكل منها تاريخُه الشخصي، وهي معنية بالتَّطور والتفاعل عـــبـــر الــــزمــــن، تـــمـــامـــا كــــالــــدرامــــا. فــــي مــســرحــيــة «رومـــيـــو وجولييت» على سبيل المـثـال، لدينا فتيان مـن عائلتين مــتــنــاحــرتــن وقـــعـــا فـــي الـــحـــب. ولـــديـــنـــا أقــــــارب بـعـضُــهـم يعارض هذا الحب وبعضهم يقاومه. والمحصلة يرسمها التَّصرف، وكيف يتصرَّف من حولهم. لا يمكن أبـدا فهم المـسـرحـيـة إن قــــرَّرت مسبقا أن عـائـلـة واحــــدة هــي الخير المطلق، والأخرى الشّر المطلق. وهكذا العلاقات الدولية. غياب الدراما اليومية عن حياتنا السياسية جعلنا نواجه الكوارث الكبرى بلا تدريب مسبق. نستيقظ يوما فنجد نكسة يونيو (حزيران)، أو اندلاع الحرب اللبنانية، أو غزو الكويت، أو سقوط بغداد. أو نستيقظ على اضطراب سياسي كبير في أكثر من دولـــة، كما حـدث فيما عـرف بـ«الربيع الـعـربـي». ونفاجأ بـأسـئـلـة درامـــيـــة غــيــر مــســبــوقــة، لــديــك إســـــام ســيــاســيٌّ، ويـسـار، وقــوى إقليمية، ونـفـوذ عـالمـي. الـكـل مـوجـود في ميدان واحــد. من يختار مـن؟ وكيف يتصرَّف كـل طرف؟ وهل يتوافق تصرفُه مع ما كان يدعيه سابقاً؟ لـــو قـــدّمـــت لـــك هـــذه المـعـطـيـات نـظـريـا لمـــا تـوقـعـت ما شـهـدنـاه عـلـى أرض الـــواقـــع. يـسـار يـخـتـار الـتـحـالـف مع الإســـام السياسي. وقـومـيـون عـــرب يـسـخّــرون جهودَهم لصالح قوى إقليمية، وشيوعيون سابقون يتعاونون مع أميركا أوباما. خلقت الــدرامــا مشهدا لا يشبه مـا سبقه. لـم يخذل الـــواقـــع أحـــــداً، بـــل خـذلـتـنـا الـــخـــرائـــط الــذهــنــيــة الــتــي كـنَّــا نتوقعه بها. فـــي الأزمـــــة الــحــالــيــة، وعــلـــى مــســتــوى الأفـــــــراد، ومــع تداخل الأطراف، وتعدد المصالح المتضررة، نعيش وضعا دراميّا سياسيّا شبيهاً. الشخص الواحد يعجز عن تقديم موقف ذي نسق متماسك. بل يتعامل مع المشهد وكأنَّه وحـــدة قائمة بـذاتـهـا، هـو المبتدأ والمنتهى، ولـيـس جـزءا مــن درامــــا مـمـتـدة. كـأنَّــمـا أطــــراف الأزمــــة شـخـصـيـات بلا تاريخ. إن بكى اعتبرناه مظلوماً، وإن رفع يديه بعلامة النَّصر اعتبرناه منتصراً. وننسى ما تعلمناه من المشهد الـسـابـق، والأســـبـــق، ومـــن مجمل الـــروايـــة مـنـذ صفحتها الأولى. وكما أن هذا التعامل اللادرامي مع السياسة نشأ من ثقافة حفظ الإرشــادات السياسية بديلا عن إعمال العقل للتوصل إليها، فإنَّه يؤدي إلى مواقف تتجمل في الكتابة النظرية، وتـــروّج فـي نطاق الـشـعـارات، لكنَّها تعجز عن تقديم أسلوب عملي للتعامل معها، أو حتى رؤية منصفة لتقييمها وفهم سلوك أطرافها. السياسة دراما. والدراما ليست كتابا في علم النفس يـعـرف الشخصيات ويـصـف التعامل معها، ولا خطابة تقدّم الإجابات قبل أن تسمع الأسئلة. المـــجـــتـــمـــعـــات مـــثـــل الـــبـــشـــر، تـــحـــتـــاج إلـــى حماية رأسها من احتمالات السقوط وارتجاج المخ، خصوصا عندما تسير بسرعة في اتجاه المستقبل. وكلما زادت السرعة، زادت الحاجة إلـى وسـائـل الحماية؛ فهناك مطبات وعـوائـق ومـــنـــعـــطـــفـــات مـــفـــاجـــئـــة. والـــــســـــؤال لـــيـــس كـيـف نوقف المركبةَ، بل كيف نحمي من فيها إذا اهتز الطريق أو وقع الاصطدام. وحـن تمر بعض المجتمعات فـي بضعة عـقـود بـمـا مـــرّت بــه أوروبـــــا فــي قــــرون، يصبح احتمال الارتجاج الاجتماعي مفهوماً. فالتغير قد يكون أسرع من قدرة الوعي على استيعابه، والــواقــع الـجـديـد يصل أحـيـانـا قبل أن تكتمل الأدوات الــنــفــســيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة والــثــقــافــيــة اللازمة للتعامل معه. الـــســـؤال إذن لـيـس: كـيـف نـوقـف الـتَّــغـيـر؟ فـــهـــذا مــســتــحــيــلٌ، وغــــيــــر مــــرغــــوب فـــيـــه أصـــــاً. السؤال الأهم هو: ما الخوذة التي تحمي رأس المجتمع أثناء الاندفاع نحو المستقبل؟ هذه الخوذة هي ما يمكن تسميته البنية الـتـحـتـيـة الاجـتـمـاعـيـة لـلـتـحـديـث: المـؤسـسـات والفضاءات والممارسات التي تقف بين سرعة التحول وبين الفرد، فتخفف الصدمة، وتترجم الــجــديــد، وتـمـنـح الـــنـــاس وقــتــا ولــغــة وطـريـقـة للعيش مــعــه. فــي الـتـجـربـة الأوروبــــيــــة، وعلى اختلاف مساراتها، امتد الانتقال من المجتمع التقليدي إلـى الحداثة عبر أزمـنـة طويلة. أمَّــا فــي مجتمعات مـثـل الـسـعـوديـة، فـقـد انضغط الــــتــــاريــــخ فــــي عـــقـــود قــلــيــلــة. مــــا قـــبـــل الـــحـــداثـــة والـحـداثـة ومــا بعدها يمكن أن تجتمع تحت سقف بيت واحـــد. وفــي جيلين أو ثـاثـة تغيّر البيت والـــشـــارع، ومـكـانـة المــــرأة، والـعـاقـة بين الأجـــيـــال، وأنـــمـــاط الـعـمـل والــتــرفــيــه، وصـــورة الإنــســان عـن نفسه. هــذه ليست مـجـرد عملية تحديث؛ إنها تسارع في الزمن الاجتماعي. ومشكلة السرعة أن أجزاء المجتمع لا تصل إلــى المستقبل فـي الـوقـت نفسه. التكنولوجيا قـــد تـتـغـيـر فـــي شـــهـــور، بـيـنـمـا أنـــمـــاط السلطة داخــل الأســـرة، ومفاهيم المكانة والـهـويـة، وما يعده الناس طبيعيا أو مقبولاً، تتحرك بإيقاع أبــطــأ. هـنـا تنشأ الـفـجـوة: يـــرى الإنــســان عالما جديدا أمامه، لكنه يدخل إليه بــأدوات نفسية واجتماعية صُنعت في عالم سابق. يمكن فهم هــذه الـفـجـوة، بـاخـتـصـار، من خلال مفهوم بيير بورديو عن «الهابيتوس»: ذلك المخزون المتراكم من العادات والاستعدادات والتوقعات الـذي نتعلم به كيف نتصرف دون أن نفكر في كل خطوة. المشكلة أن الهابيتوس يتكون بـبـطء، فيما قـد يتغير العالم بسرعة. وعـنـدمـا تتباعد الـسـرعـتـان، يشعر الـفـرد بأن قواعد اللعبة التي تربى عليها لم تعد تطابق الملعب الذي يقف فيه. لكن الناس لا يعيدون تشكيل هذا المخزون بــالمــواعــظ والــــقــــرارات وحـــدهـــا. هـنـا تـسـاعـدنـا أعمال إرفنغ جوفمان وميشيل دي سارتو على فهم دور الحياة اليومية. عند جوفمان، يتعلم الإنـسـان المجتمع فـي آلاف المـواقـف الصغيرة: فـــي الــجــامــعــة، والـــعـــمـــل، والمـــطـــعـــم، والــــشــــارع، والمسرح، وطريقة تقديم نفسه للآخرين وقراءة إشـاراتـهـم. الـجـديـد يصبح أقــل صـدمـة عندما يتحول إلى ممارسة متكررة. أمــــا دي ســـارتـــو فــيــذكــرنــا بــــأن الـــنـــاس لا يتلقون التغيير بصورة سلبية؛ فهم يعيدون اســـتـــخـــدام الـــفـــضـــاءات الـــجـــديـــدة بـطـريـقـتـهـم، ويــمــنــحــونــهــا مــعــانــيــهــم الـــخـــاصـــة. لا يكتمل الــتــحــديــث عــنــد افــتــتــاح مـــســـرح أو سـيـنـمـا أو حــديــقــة عـــامـــة، بـــل عــنــدمــا يـــدخـــل الـــنـــاس هــذه الأماكن ويحولونها إلى جزء من حياتهم. مــن هـنـا تــأتـي أهـمـيـة الـثـقـافـة والـتـرفـيـه. فهما ليسا زينة تلحق بالتنمية بعد اكتمالها، بــــل مــــن أهـــــم مـــعـــامـــل الــتــكــيــف مـــعـــهـــا. الــــروايــــة والمــســرح والسينما والمـوسـيـقـى تتيح للناس أن يروا أدوارا وحيوات مختلفة، وأن يختبروا الجديد في الخيال قبل أن يواجهوه في الواقع. والحفلات والمهرجانات والرياضة والفضاءات العامة تفعل شيئا أبسط وأعـمـق: تجعل غير المألوف مألوفاً. وهذه هي النقطة التي كثيرا ما تغيب عن نقاشات التحديث: المجتمعات لا تتغير فقط لأنها اقتنعت بأفكار جديدة، بل لأنها اعتادت عليها. الاعـتـيـاد نفسه آلية اجتماعية لإعــادة تشكيل الإنسان. وحــــن تــغــيــب هــــذه الـــوســـائـــط، أو تـكـون أضعف من سرعة التحول، قد يتحول الارتجاج إلـــى قــلــق، والــقــلــق إلـــى بـحـث عـــن يـقـن صـلـب. هـنـا يـصـبـح الــتــطــرف أحـــد الأعـــــراض المـمـكـنـة. فـالآيـديـولـوجـيـا المـتـطـرفـة تـقـدم عـالمـا بسيطاً: نحن وهم، نقاء وفساد، حلال وحـرام. وهي لا تبيع أفكارا فقط؛ بل تبيع إحساسا بالثبات في عالم يتحرك بسرعة. لــذلــك لا يـنـبـغـي قــيــاس نــجــاح الـتـحـديـث بما نراه من طرق ومبان ومشروعات وحدها. الـــســـؤال الأعـــمـــق هــــو: هـــل تـنـمـو مـعـهـا البنية النفسية والاجتماعية والثقافية التي تسمح للناس باستيعاب هذه السرعة؟ وعندما يتحول التطرف إلى عنف تصبح المقاربة الأمنية ضرورية، لكن الوقاية تبدأ قبل ذلك بكثير: ببناء الخوذة قبل وقوع الحادث. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع المتطرف من التطرف؟ بل: كيف نجعل المجتمع قادرا على تلقي صدمات المستقبل دون أن يصاب بالارتجاج؟ فالمستقبل لا ينتظر أحـــداً. والــفــارق بين مجتمع يصل إليه واقفا وآخر يصل إليه مصابا بـالـدوار، قد يكون أن الأول لم يبن الطريق إلى المستقبل فـقـط، بـل بنى أيـضـا الإنـسـان الـقـادر على السير فيه بثقة دون أن تتعثر قدماه عند أول حجر عثرة. كيف نجعل المجتمع قادرا على تلقي صدمات المستقبل دون أن يصاب بالارتجاج؟ السياسة دراما وهي ليست كتابا في علم النفس يعرف الشخصيات ويصف التعامل معها القوة الأميركية لا تستند إلى التفوق العسكري وحده بل أيضا إلى صدقية التزاماتها مأمون فندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky