issue17425

Issue 17425 - العدد Thursday - 2026/8/13 اخلميس كتب BOOKS 17 باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم األسر في الرياض تـــعـــد قــبــيــلــة وائــــــل مــــن بـــنـــي حـنـيـفـة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تــعــرف بـــ«حــجــر الــيــمــامــة»، وأصــبــح لها كيان معتبر واستقرار دائـم، وكـان منهم املــــلــــوك واألمــــــــــراء الــــذيــــن حـــكـــمـــوا وســـط الـجـزيـرة العربية بشعار األرستقراطية القبلية. جـــاء اســـم آل عـسـاكـر كــإحــدى األســر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات الــقــرون، وتـولـوا إمـاراتـهـا فـي فـتـرات من تاريخها، وسجل أفراد األسرة حضورهم في املجتمع على مختلف األصعدة. الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتابًا عن األســرة سماه: «الـريـاض الزاهر فــي تــاريــخ آل عـسـاكـر»، رصـــد فـيـه تـاريـخ األسرة خالل القرون التي مضت مفيدًا أن األسـرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - مـنـذ مــا يـقـرب األلــفــي سـنـة، وكـــان أغلب سـكـان مـديـنـة حـجـر الـيـمـامـة الـتـي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد. ســكــنــت األســــــرة فـــي مــحــلــة «مـــقـــرن» الـــتـــي تــشــكــل مــــع مــحــلــة «مـــعـــكـــال» أكــبــر مـــحـــلـــتـــن فـــــي بـــلـــد الـــــريـــــاض مـــــع بـعـض األمـــاكـــن األخـــــرى الــتــي أطــلــق عـلـيـهـا في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، واملقصود أن هذه األسرة عاشت في بلد الـــريـــاض، وال نــعــرف أن أحــــدًا عـــاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الــــهــــجــــري، وهـــــي تــســمــى «الــكــبــيــشــيــة»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الــثــالــث عـشـر الــهــجــري، وتـمـلـكـوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من األماكن. وأمــــا جــد األســــرة مــن األم فـهـو عبد املحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بـلـد مــقــرن، تـولـى اإلمـــــارة بـعـد منتصف الــــقــــرن الـــتـــاســـع وأوائــــــــل الــــقــــرن الــعــاشــر الهجري. وهو من قبيلة الدروع املنتسبة إلى بني حنيفة الـذيـن حكموا هــذه املنطقة، ويبدو أن عبد املحسن بن سعيد أو أباه هـو الـــذي راسـلـه جـد آل سـعـود مـانـع بن ربـيـعـة املـــريـــدي مـــن الــــــدروع عـنـدمـا كـان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه املليبد وغصيبة املعروفة في الدرعية، وليكون مــانــعــ لـــه مـــن نـــفـــوذ آل يـــزيـــد الـحـنـفـيـن أبناء عمه وبصفة عبد املحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في هـ. 850 الدرعية سنة وقـــــد مـــــدح شـــاعـــر - حـــجـــر الــيــمــامــة - جـعـيـثـن الـــيـــزيـــدي الـحـنـفـي آل عـسـاكـر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصًا يقال لـــه ابــــن حــــــراش، ويــمــكــن مـــن خــــ ل هــذه القصائد التعرف على بعض مالمح تلك الفترة. وجـعـيـثـن عــــاش فـــي مـحـلـة الـجـزعـة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد املحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتـعـد هـــذه الـقـصـائـد أقـــدم مــا عـثـر عليه من الشعر العامي لـدى شعراء الرياض، خصوصًا ومـن أوائــل القصائد النجدية املدونة. وقـــد كــانــت جـلـيـلـة مــعــروفــة بـأفـعـال الخير واإلحــســان ومـسـاعـدة املحتاجي في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، املــعــروفــة شـــرق مـنـفـوحـة، الـــيـــوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق االســم فعرفت بذلك، حـــيـــث قـــامـــت جــلــيــلــة بــعــمــل اســـتـــراحـــات وخانات فيها. والخان من معانيه في اللغة العربية الـــــســـــوق، حـــيـــث عـــنـــدمـــا يـــأتـــي الــحــجــاج وغــــيــــرهــــم مــــــن جــــهــــة األحــــــســــــاء وشــــــرق الـجـزيـرة فــي طريقهم إلـــى مـكـة واملـديـنـة يـــمـــكـــثـــون فــــي الـــــريـــــاض، فــيــبــيــتــون بـهـا ويــتــنــاولــون الــطــعــام ويــــتــــزودون بـاملـؤن في هذه املحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واســــــم خـــــان جــلــيــلــة قــــد تــغــيــر إلـــــى خـــان شــلــيــلــة، وذلــــــك فــــي الــــقــــرن الـــثـــالـــث عـشـر الهجري تقريبًا. وقــد بــرزت شهرة حديقة الكبيشية عـــنـــدمـــا تــمــلــكــهــا أمــــيــــر بـــلـــد مــــقــــرن بـعـد مـنـتـصـف الـــقـــرن الـــتـــاســـع الـــهـــجـــري عبد املــحــســن بـــن سـعـيـد ثـــم آلــــت إلــــى ابـنـتـيـه جليلة ومريم. الرياض: بدر الخريف سؤال طالما أزاحته لغات الدبلوماسية واألمن والتنمية إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم يُــــعــــد كـــتـــاب تـــوفـــيـــق الـــغـــصـــن «إدارة فلسطي: مسألة السُّلطة التي لـم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطي» )، مهمًا في البحث Britain Palestine Project( الــتــاريــخــي الـــرصـــن والـتـحـلـيـل الـسـيـاسـي. ويكمن إنجازه املحوري في استعادة سؤال طــاملــا أزاحـــتـــه لـــغـــات الـدبـلـومـاسـيـة واألمـــن والتنمية والـضـرورة اإلنسانية: مَــن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطي السياسي؟ ينطلق الـغـصـن مــن مــفــارقــة حاسمة: فـلـسـطـن لـــم تـفـتـقـر يــومــ إلـــى اإلدارة. فقد جــــرى إحـــصـــاء الـفـلـسـطـيـنـيـن وتصنيفهم وتــــســــجــــيــــلــــهــــم ومـــــســـــحـــــهـــــم وتــــمــــثــــيــــلــــهــــم وتهجيرهم وإغاثتهم والـتـفـاوض بشأنهم بكثافة استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو االعتراف بهم مصدرًا للسلطة التي تُمارَس عــلــى أرضـــهـــم وحـــيـــاتـــهـــم. إنـــهـــم حـــاضـــرون فـي كـل مـوضـع مـن الـسـجـل اإلداري، لكنهم قـلّــمـا يـظـهـرون بوصفهم الــــذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيي بوصفهم «سكّانًا»، وظلّوا في الوقت نفسه غــــيــــر مـــرئـــيـــن ســـيـــاســـيـــ بـــوصـــفـــهـــم شـعـبـ صاحب سيادة. هــذا التمييز بـن اإلدارة والسلطة هو مــا يمنح الـكـتـاب تماسكه الـــــ فـــــت. يــنــتــقــل الــغــصــن من مذكّرة هربرت صمويل ووعــــــد بــلــفــور، 1915 عـــــام مــــــــــرورًا بـــــانـــــتـــــداب عــصــبــة األمم، وتحطيم املؤسسات الـفـلـسـطـيـنـيـة الـتـمـثـيـلـيـة، ونــشــوء «منظمة التحرير الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيـــة»، ومــــســــار أوسلو، وحوكمة املانحي، واإلدارة اإلنسانية، وصوال إلـــى تـدمـيـر غـــزة فــي زمننا الـــراهـــن. ويـكـشـف كـيـف أن أحـداثـ يفصل بينها عـادة الـتـسـلـسـل الــزمــنــي واالخـــتـــصـــاص املـعـرفـي واملـــــفـــــردات إنـــمـــا تـنـتـمـي إلــــى بــنــيــة واحــــدة متصلة: سلطة تُــمـارَس على الفلسطينيي في حي يظل مصدرها خارجًا عنهم. ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حي يقرأ املؤلف الوثائق الرسمية على نحو يناقض ادّعاءاتها الحياد. فاملذكّرات والتصريحات واإلحــــصــــاءات وتــقــاريــر الــلــجــان والـــقـــرارات الــقــانــونــيــة والـــخـــرائـــط وبـــطـــاقـــات الـتـمـويـن وأنـظـمـة الـتـصـاريـح... ال يعاملها الغصي بـــوصـــفـــهـــا ســـــجـــــ ّت مـــحـــايـــدة ســـاكـــنـــة، بـل أدوات يُنظَّم بها الـواقـع السياسي. يسأل: مَـــن يُــســمَّــى، ومَــــن يُــعــتــرَف بـــه، ومَــــن يُــمـثَّــل، ومَــــــــن يُـــــخـــــتـــــزَل إلـــــــى مـــــجـــــرّد فــــئــــة؟ وتــــأتــــي مناقشته لـ نـتـداب نــافــذة حــــادّة؛ إذ تُشكَّل جماعة واحــدة بوصفها ذاتـ سياسية ذات مـؤسـسـات مـعـتـرَف بـهـا وغــايــة قـومـيـة، في حي تُصاغ األغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّانًا» أو «طوائف» أو «شرائح مـن الــســكّــان». ولـيـس هــذا اإلغــفــال عرضيًا، بل هو ما يؤسّس التمييز الـذي يقوم عليه النظام األوسع. وتـــكـــمـــن قــــــوّة الـــحـــجّـــة فــــي بـــيـــان كـيـف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّل في املفردات. فـــاملـــذكّـــرة تـصـبـح إعـــ نـــ ، واإلعـــــ ن يصبح انـــتـــدابـــ ، واالنــــتــــداب يـصـبـح أمــــرًا عـسـكـريـ ، واألمــر العسكري يصبح تصريح مــرور، ثم يفسح تصريح املرور املجال، الحقًا، ملعايير املـــانـــحـــن، وأُطــــــر إعــــــادة اإلعــــمــــار، وعـتـبـات املـــجـــاعـــة، وقــــواعــــد الـــبـــيـــانـــات، وســـيـــاســـات ضـبـط املــحــتــوى. تــغــدو املـصـطـلـحـات أكـثـر تقنية وأكثر إنسانية في الظاهر، في حي تــبــقــى الـــعـــ قـــة الـــكـــامـــنـــة عـــلـــى حـــالـــهـــا دون تغيير. وتُــــــــعــــــــد مــــعــــالــــجــــة الـــــغـــــصـــــن لـــلـــعـــمـــل اإلنـسـانـي مــن أهـــم إسـهـامـات الـكـتـاب. فهو ال يـشـكّــك فــي ضــــرورة اإلغـــاثـــة، وإنــمــا يبي كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعب يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّانًا» بحاجة إلى املساعدة، ويصير سلب األرض واملـلـكـيـة «حــالــة طــــوارئ» تُــــدار. وتــبــرز غـزة بـوصـفـهـا فــضــاء مُـــــدارًا يُــحـسَــب فـيـه الـبـقـاء على قيد الحياة ذاتـــه بالسعرات الحرارية وحموالت الشاحنات والسج ّت والعتبات املـؤسـسـيـة. وتـــــزداد اآللــــة دقّــــة كـلـمـا تـراجـع االعتراف السياسي. وتــــمــــتــــد الــــحــــجّــــة بــــالــــقــــوّة ذاتـــــهـــــا إلـــى املــجــال الـرقـمـي. فالشهادة الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيـــة تــحــكــمــهــا منصّات تقرّر ما يجوز أن يُـــرى أو يُـــتـــداوَل أو يُبحَث عـــنـــه أو يُــــــحــــــذَف. وتـــغـــدو الرؤية ذاتها مسألة إدارية. فأنظمة خـاصـة بالترتيب الـــــــــــخـــــــــــوارزمـــــــــــي وضـــــبـــــط املـــــحـــــتـــــوى والــــتــــصــــنــــيــــف، تكتسب القدرة على تحديد مــــــا إذا كـــــانـــــت الـــتـــجـــربـــة الفلسطينية ستظل متاحة للذاكرة العامة. وتـــتّـــســـم لـــغـــة الــكــتــاب بـالـوضـوح واالنـضـبـاط والــدقّــة األخـ قـيـة. يــكــتــب الـــغـــصـــن بـــتـــحـــفّـــظ مـــتـــعـــمَّـــد، تـــاركـــ لــــلــــســــجــــل الــــوثــــائــــقــــي أن يـــفـــضـــح الـــعـــنـــف املتواري خلف مصطلحات مثل «التنسيق» و«الـحـوكـمـة» و«إعــــادة اإلعـــمـــار» و«األمــــن» و«الــــــــوصــــــــول اإلنــــــســــــانــــــي». والـــحـــصـــيـــلـــة ليست مجرّد تـاريـخ لفلسطي، بل تشريح لــلــمــؤســســات والـــلـــغـــات الـــتـــي تُــظــهــر الـــقـــوّة الـــخـــارجـــيـــة مـــن خــ لــهــا نــفــسَــهــا بـوصـفـهـا ضرورية ومحايدة. يقدم كتاب توفيق جويد الغصي «إدارة فـلـسـطـن: مـسـألـة الـسُّــلـطـة الــتــي لـــم تُــحـسَــم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة اإلمبراطورية. فهو يبرهن أن املشكلة الـجـوهـريـة ليست مجرّد االحتالل، أو سلب األرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثالثة جميعًا، بل هي السؤال غير املحسوم: مَن يملك الحق املعترَف به في اتخاذ القرار؟ * أكاديمية فلسطينية *ًرانية حمّاد «المدى» تصدر قريبا كتابها األخير الذي لم تتمكن من رؤيته مطبوعا «التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل يـــصـــدر كـــتـــاب «الــــتــــحــــوّل الــكــبــيــر: أفـكـار لعالم آتٍ» بعد رحـيـل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة واملترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها األخير ورسالتها التي تركتها مـفـتـوحـة عـلـى املـسـتـقـبـل. لـقـد أنـجـزتـه وهـي تــدرك، على األرجـــح، أن املعرفة ال تتوقف عند حــدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم ال يـمـثّــل إضــافــة جــديــدة إلـــى رصـيـدهـا الغني فحسب إنما يحمل أيضًا معنى الـــــوفـــــاء لـــكـــاتـــبـــة اقــــتــــرن اســـمـــهـــا طــــوال أكثر من نصف قـرن بالكتابة والحرية والـــفـــضـــول املـــعـــرفـــي والــــدفــــاع عـــن حق اإلنسان في التفكير. رحــلــت لـطـفـيـة الـدلـيـمـي فـي عـمّــان ،2026 في الثامن من مـارس (آذار) عـام بــعــد يــــوم واحــــد مـــن بـلـوغـهـا الـسـابـعـة والثماني، تاركة وراءها منجزًا واسعًا تــــــوزّع بـــن الــــروايــــة والـــقـــصـــة واملـــســـرح والـدراسـة واملقالة والترجمة. ولـم تكن وفــاتــهــا غــيــابــ لـــروائـــيـــة عــراقــيــة بــــارزة فحسب إنـمـا لشخصية ثقافية نـــادرة اســـتـــطـــاعـــت أن تــجــمــع بــــن حـسـاسـيـة املـــــبـــــدعـــــة، ودقـــــــــة املــــتــــرجــــمــــة، وشـــغـــف الـبـاحـثـة، وصـ بـة املثقفة املـدافـعـة عن املرأة والحرية املدنية. مـــــنـــــذ مــــجــــمــــوعــــتــــهــــا الـــقـــصـــصـــيـــة األولــــى «مــمــر إلـــى أحــــزان الـــرجـــال» عـام ، شــقّــت لطفية الـدلـيـمـي لنفسها 1970 طـريـقـ مــتــفــرّدًا فــي الــســرد الــعــراقــي. لم تـتـعـامـل مــع املــــرأة بـوصـفـهـا مـوضـوعـ اجتماعيًا جاهزًا، وال بوصفها ضحية صامتة، بل جعلتها ذاتـ تفكر وترغب وتــــقــــاوم وتــعــيــد بـــنـــاء عــاملــهــا الــخــاص وسـط عالم مضطرب. وفـي أعمال مثل «عــالــم الـنـسـاء الــوحــيــدات» و«مـــن يـرث الــــفــــردوس» و«بــــــذور الـــنـــار» و«حــديــقــة حـــــيـــــاة» و«ســــــيــــــدات زحــــــــل» و«عـــــشّـــــاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تـــتـــداخـــل الـــــذاكـــــرة الــــفــــرديــــة بــالــتــاريــخ العراقي، ويصبح مصير املــرأة مدخال إلـــى مـسـاءلـة الــحــرب واملـنـفـى والـعـنـف واملدينة والسلطة والخراب. لــــم تـــكـــن روايــــاتــــهــــا مــنــفــصــلــة عـن أســئــلــتــهــا الـــفـــكـــريـــة؛ فــقــد ظـــلّـــت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبر للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضًا للفكر إنـــمـــا أحــــد أكـــثـــر أشــكــالــه عــمــقــ ؛ ولــهــذا انـتـقـلـت بــحُــريــة بـــن الـــســـرد والـفـلـسـفـة والـعـلـوم وتــاريــخ الـحـضـارات وقضايا املرأة، من غير أن ترى بي هذه الحقول حـدودًا مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عـنـد تـقـاطـع املــعــارف، وأن الكاتب ال يستطيع فهم اإلنسان إذا عزل األدب عن تحوالت العلم والتقنية واملجتمع. وتـــــكـــــشـــــف تــــرجــــمــــتــــهــــا األخــــــيــــــرة «الـــــتـــــحـــــوّل الـــكـــبـــيـــر» عـــــن هــــــذه الــــــروح بـأوضـح صـورهـا. فهو يضم مجموعة منتقاة من املقاالت والدراسات املترجمة عن اإلنجليزية، كتبها علماء وفالسفة وروائــــــــيــــــــون ومـــــفـــــكـــــرون مــــعــــاصــــرون، وتـــــدور حــــول أســئــلــة الـــذكـــاء الـــســـردي، والـثـورة الصناعية الخامسة، والذكاء االصــــطــــنــــاعــــي، والـــــوعـــــي، والـــفـــيـــزيـــاء، واالقــــتــــصــــاد، ومــســتــقــبــل الـــجـــامـــعـــات، والـحـريـة، والـــحـــظ، والــكــتــابــة، ومعنى الحياة الجيدة. ال تجمع هذه النصوص أطــــروحــــة مــغــلــقــة، بـــل يـجـمـعـهـا الـقـلـق املـعـرفـي والــرغــبــة فــي إعــــادة الـنـظـر في املسلّمات. لـــقـــد كـــتـــبـــت لــطــفــيــة الـــدلـــيـــمـــي فـي تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قـــــــراءة تــلــبــي حـــاجـــة وظــيــفــيــة عـــابـــرة، وقــراءة تعيد تشكيل عالقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الـــثـــانـــي، فـــهـــو ال يـــعـــد الــــقــــارئ بـحـلـول نـــهـــائـــيـــة، وإنــــمــــا يــــدعــــوه إلــــــى مـــرافـــقـــة األسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تـلـخـيـص ملــشــروعــهــا كــلــه: الــكــتــابــة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع األجوبة إنـمـا طريقة لتوسيع الــســؤال وزعـزعـة الــــيــــقــــن وتــــــدريــــــب الــــعــــقــــل عــــلــــى الـــشـــك الخ ّق. أمـا الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عمال موازيًا للكتابة أو نشاطًا ثــــانــــويــــ فـــــي مـــســـيـــرتـــهـــا. كــــانــــت جـــــزءًا جوهريًا من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعال الستضافة األفكار داخل العربية، وتوسيعًا لحدود املكتبة والــــقــــارئ مـــعـــ . ومــــن خــــ ل تـرجـمـاتـهـا نــقــلــت أعــــمــــاال فــــي الـــــروايـــــة والــفــلــســفــة والعلوم والنقد والدراسات املستقبلية، من «بالد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضــــوء نــهــار مــشــرق» ألنـيـتـا ديـسـاي و«مـــن يوميات أناييس نـــن»، إلــى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هـوكـيـنـغ ونـــك بــوســتــروم وبــــول ديفيز ومـــارتـــن ريــــس، فــضــ عـــن مـخـتـاراتـهـا مــن حــــوارات كـبـار الــروائــيــن والعلماء والفالسفة. كــــانــــت تـــخـــتـــار مــــا تـــتـــرجـــمـــه وفـــق حـاجـة ثقافية واضــحــة، ال وفـــق شهرة االســــم وحـــدهـــا؛ فـقـد انـشـغـلـت بأسئلة الــــــــروايــــــــة الـــــحـــــديـــــثـــــة، والــــــعــــــ قــــــة بــن األدب والـفـلـسـفـة، والـثـقـافـتـن العلمية واألدبية، ومستقبل اإلنسانية، والذكاء االصــــطــــنــــاعــــي، والــــتــــحــــوالت املــعــرفــيــة الـكـبـرى؛ ولــهــذا تـبـدو تـرجـمـاتـهـا، عند قراءتها اليوم، أجزاء من مشروع واحد مــتــكــامــل: إدخــــــال الــــقــــارئ الـــعـــربـــي إلــى الـنـقـاش الـعـاملـي املـعـاصـر، مـع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة. ارتــــبــــطــــت لـــطـــفـــيـــة الـــدلـــيـــمـــي بـــــدار املـدى بعالقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولـــم تـكـن بالنسبة إلـيـهـا مـجـرد مؤلفة أو مــتــرجــمــة تــتــعــاقــد الــــــدار عــلــى نشر كـــتـــاب لـــهـــا. كـــانـــت واحــــــدة مـــن الــكــتّــاب الـذيـن أسـهـمـوا فـي تكوين هـويـة املـدى ومشروعها الثقافي. وقــد احتفت بها الـدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كـــبـــيـــرة، وحــــرصــــت عـــلـــى نـــشـــر كـتـبـهـا وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة لألجيال الجديدة من القرّاء. أعـــــــــــادت املـــــــــدى تــــقــــديــــم أعـــمـــالـــهـــا الـــســـرديـــة والـــفـــكـــريـــة والـــتـــرجـــمـــيـــة، مـن «عــالــم الـنـسـاء الــوحــيــدات» و«مـــن يـرث الــــــــفــــــــردوس» و«مــــوســــيــــقــــى صـــوفـــيـــة» و«شـــــريـــــكـــــات املــــصــــيــــر األبـــــــــــــدي»، إلــــى «مــــســــرّات الـــنـــســـاء» و«إذا كــنــت تـحـب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيي العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضـــــاءة الـعـتـمـة» و«كـالـيـدوسـكـوب» و«مــــشــــروع أومّــــــا» و«آفــــــاق ال نـهـائـيـة» و«كــراســاتــي الـبـاريـسـيـة» و«بـعـيـدًا عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير مـن ترجماتها. وهـكـذا لـم تحتف املـدى باسمها فـي مناسبة عـابـرة، بـل عملت على حفظ مشروعها األدبـــي واملعرفي كامالً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي. يــــأتــــي كــــتــــاب «الــــتــــحــــوّل الــكــبــيــر» الـــــيـــــوم لــــيــــواصــــل هــــــذه الــــعــــ قــــة حـتـى بـعـد رحـيـلـهـا؛ فـفـي هـــذا الـكـتـاب نسمع صـــوتـــهـــا فــــي االخــــتــــيــــار، وفـــــي تــرتــيــب املـــوضـــوعـــات، وفــــي مــ حــظــاتــهــا الـتـي تــســبــق الــــنــــصــــوص، وفـــــي الـــلـــغـــة الــتــي تمنح األفكار املعقّدة وضوحًا من دون أن تسلبها عـمـقـهـا. إنـهـا حــاضــرة فيه بــوصــفــهــا مــتــرجــمــة، ولــكــنــهــا حــاضــرة أيـــضـــ بـــوصـــفـــهـــا قـــــارئـــــة كـــبـــيـــرة تــقــود قـارئـهـا إلــى الكتب واألسـئـلـة الـتـي رأت أنها جديرة بالبقاء. لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعًا، لكن الكتاب يحمل أثـرهـا كــامــ ً. وربـمـا كــان مـن الــعــزاء أن يـــكـــون آخــــر مـــا يــصــل مـنـهـا إلــــى الـــقـــراء كتابًا عن العالم اآلتي فهي التي أمضت حـيـاتـهـا تـنـظـر إلــــى مـــا وراء الـلـحـظـة، وتبحث عن املعرفة القادرة على مقاومة الــعــزلــة والـــخـــوف والــيــقــن. لـقـد رحـلـت الـكـاتـبـة، لـكـن األسـئـلـة الـتـي اخـتـارتـهـا مـــا زالـــــت حـــيـــة، والـــكـــتـــب الـــتـــي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم. وبنشر هذا الكتاب، تودع دار املدى واحدة من أبرز كاتباتها ومترجماتها، ال بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة الــــتــــي تـــلـــيـــق بـــهـــا أكــــثــــر هـــــو أن تـضـع كــتــابــهــا بـــن أيـــــدي الـــــقـــــرّاء، وأن تـتـرك صــوتــهــا يـــواصـــل الــحــديــث إلــيــهــم. إنــه كـتـابـهـا األخـــيـــر، لـكـنـه هـديـتـهـا األثــيــرة لـــي شــخــصــيــ ؛ فــقــد وجـــدتـــهـــا خــيــر من يضعني في قلب الحاضر واستشراف املـــســـتـــقـــبـــل مـــــن خـــــــ ل تــــرجــــمــــة كـــتـــاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفيًا إلـــــى مـــســـتـــوى فـــهـــم الــــقــــفــــزات الـعـلـمـيـة واإلبداعية في كل امليادين التي جعلت عاملنا مفتوحًا على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا واملعرفة اإلنسانية، مواجهة تحدي عقل اإلنسان ومـخـلـوقـاتـه املــثــيــرة واملـــريـــبـــة... ثـــورة الذكاء االصطناعي ومآالته...! كأنّها أدركت أن لقاءنا األخير إنما هو وداع أبدي، وهي تُقبِل بشغف على إعداد وترجمة التحول الكبير! فخري كريم لطفية الدليمي الكتاب ال يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة األسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==