إذا صــح أن كشف هـويـة املـسـؤولـن عـن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعن مسلسل القتل املمنهج الذي استهدف على مدى سنوات قيادات من «حركة آذار»، وتـفـجـيـر مــرفــأ بـــيـــروت، وضــيــاع الــودائــع 14 املصرفية، يُــهـدد السلم األهـلـي، فـمـاذا عـن تداعيات جــريــمــة بــنــاء «الـــعـــالـــم الــســفــلــي» فـــي جــنــوب لـبـنـان، التي كشفتها إسرائيل وال تقل فظاعة عن سابقاتها ومـــرتـــكـــبـــهـــا مـــــعـــــروف؟ ال نــــعــــرف مـــتـــى بـــــــدأت هـــذه الجريمة، وال حقيقة حجمها وتوسعها، إنما تحديد من قام بها ال يحتاج إلى محكمة دولية وتحقيقات واستجوابات: إنما هو مَن استباح األراضي اللبنانية واملمتلكات الخاصة والعامة، مهددًا أرواح املواطني، وجَعَل منها ثكنات عسكرية منذ سني طوال. مـنـذ انــــدالع الــحــرب فــي أكـتـوبـر (تـشـريـن األول) ، نــفّـــذ الــجــيــش اإلســرائــيــلــي عـــشـــرات عـمـلـيـات 2023 التفجير لتدمير شبكة األنفاق التابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان. ورغم عدم وجود حصيلة رسمية، تفجيرًا 50 تشير املعطيات إلى تنفيذ ما ال يقل عن لهذا الغرض، آخرها تفجير نفق في مجدل زون في متر، ويضم مئات 200 بطول 2026 ) يونيو (حزيران قــطــع الـــســـاح ومــنـــصــات إطــــــاق، أعــقــبــه فـــي يـولـيـو (تموز) تفجير شبكة أنفاق واسعة ومركز قيادة قرب طن من املتفجرات، 700 قلعة الشقيف باستخدام نحو في واحدة من كبرى عمليات النسف منذ بدء الحرب. ال تقتصر هـــذه القضية عـلـى وحـشـيـة عمليات الــــتــــدمــــيــــر اإلســـــرائـــــيـــــلـــــيـــــة، ومـــــخـــــاطـــــرهـــــا الـــبـــيـــئـــيـــة والـــجـــيـــولـــوجـــيـــة، ومـــــا كــشــفــتــه مــــن حـــجـــم الــــقــــدرات العسكرية الـتـي راكـمـهـا «حـــزب الــلــه»، بــل تمتد إلـى بنية الـدولـة نفسها: كيف تمكّن الـحـزب مـن تشييد هـذه الشبكة الواسعة من األنفاق على مـدى سنوات مــن دون أن تخضع للمساءلة أو املـعـالـجـة مــن قبل مـــؤســـســـات الــــدولــــة الــلــبــنــانــيــة والــــقــــوى الـسـيـاسـيـة و«اليونيفيل»، رغــم إعــان إسـرائـيـل مـــرارًا امتلكها معلومات عنها، وخضوع األراضي اللبنانية لرقابة أجهزة استخبارات محلية وإقليمية ودولية متعددة؟ ســــواء بــــدأ «حــــزب الـــلـــه» بــنــاء هــــذه الـشـبـكـة في ،2006 ثمانينات القرن املاضي أو وسَّعها بعد حرب فإنها لـم تُنشأ فـي أشهر أو سـنـوات قليلة، بـل على امــتــداد نـحـو عـقـديـن عـلـى األقــــل. وخـــال تـلـك الفترة تعاقب على الحكم في لبنان أربعة رؤساء للجمهورية وستة رؤســاء للحكومة، إلـى جانب قيادات الجيش واألجهزة األمنية. وال ننسى قبل ذلك فترة الوصاية السورية، ومن جاءت بهم إلى سدة املسؤولية. لذلك، فـإن اخـتـزال القضية في قــدرات «حــزب الله» وحدها يـغـفـل ســــؤاال جـوهـريـا يتعلق بـمـسـؤولـيـة وفاعلية مؤسسات الدولة التي يفترض أنها تضطلع بحماية السيادة واإلشراف على كامل األراضي اللبنانية. وهـــنـــا يـــبـــرز ســـــؤال مُــــلِــــحّ: هـــل يـمـكـن تـــصـــور أن جـمـيـع مَــــن تــعــاقــبــوا عــلــى إدارة الـــدولـــة الـلـبـنـانـيـة، ومـــعـــهـــم الــــقــــيــــادات األمـــنـــيـــة والـــعـــســـكـــريـــة والــــقــــوى السياسية الـفـاعـلـة، كـانـوا يجهلون وجـــود مشروع بهذا الحجم؟ أم أن األمر يعكس درجات متفاوتة من املعرفة والتواطؤ، أو التغاضي والعجز عن املواجهة والـقـبـول بـاألمـر الـواقـع الــذي فرضه اخـتـال موازين القوى داخل الدولة؟ ال حـــاجـــة إلــــى تــأكــيــد مــســؤولــيــة «حـــــزب الــلــه» وحلفائه فـي بـنـاء هــذه التحصينات، سيما أن ما أُنشئ يتجاوز مفهوم متطلبات الدفاع العسكري، ليقترب من إنشاء بنية تحتية مـوازيـة تمتد تحت األرض، في موازاة النفوذ الذي بناه الحزب فوقها. ولم يعد القلق يقتصر على أبناء الجنوب، بل امتد إلى أبناء مناطق لبنانية أخرى، من البقاع إلى جبيل والسلسلة الشرقية؛ حيث بات كثيرون يتساءلون عـــمّـــا إذا كـــانـــت مــثــل هــــذه الــتــحــصــيــنــات مـــوجـــودة تحت بلداتهم ومـنـازلـهـم. لطاملا عــرف اللبنانيون أن دولـتـهـم مفخخة سـيـاسـيـا فـــوق األرض، لكنهم يكتشفون اليوم أن بلدهم، باملعنى الحرفي، مفخخ تحت األرض. أمـــــــــام هـــــــذه الـــــوقـــــائـــــع، أال يـــــعـــــد هـــــــذا الـــعـــالـــم السفلي خـرقـا مستداما لـوقـف الــنــار؟ هــذه األنـفـاق والــتــحــصــيــنــات تـكـشـف عـــن وجـــــود بـيـئـة عـسـكـريـة متكاملة تحت األرض، توازيها فوقها بيئة عقائدية وسياسية مغلقة تـجـاوز سـرديـة املـقـاومـة والـدفـاع عـــن لــبــنــان إلــــى خــدمــة املـــشـــروع اإليــــرانــــي بــأبــعــاده كـافـة. هــذا املشهد يضعف املـوقـف اللبناني فـي أي مـفـاوضـات مقبلة، فيما البنية العسكرية لــ«حـزب الله» ال تـزال قائمة شمال «الليطاني». فاملشكلة لم تـعـد مـحـصـورة فــي انـتـشـار عـسـكـري ضـمـن منطقة »، بل في وجود منظومة مسلحة عابرة 1701« القرار للمناطق خـــارج سلطة الـــدولـــة، تجعل أي تسوية حدودية قابلة للهتزاز. ما بُني تحت األرض يُشكل فضيحة سياسية ومؤسساتية جديدة تُضاف إلى سلسلة من امللفات التي بقيت مـن دون مساءلة حقيقية، مـن مسلسل االغــتــيــاالت إلـــى تفجير مـرفـأ بــيــروت، وصــــوال إلـى السلح غير الشرعي. ففي كل مــرة، كانت الحقيقة تُــرحــل، واملـحـاسـبـة تُـــؤجَّـــل، تـحـت عـنـاويـن الحفاظ عـلـى الـسـلـم األهـــلـــي أو تـجـنـب الـفـتـنـة، فـيـمـا بقيت األسباب العميقة لألزمة من دون معالجة. والنتيجة أن ســيــاســة احـــتـــواء «حــــزب الـــلـــه»، بــــدل مـسـاءلـتـه، مـــا زالــــت تـحـكـم الــحــيــاة الـسـيـاسـيـة الـلـبـنـانـيـة كما اللبنانيي، الـذيـن يعتبرون بصمتهم شـركـاء أكثر من كونهم ضحايا. خـال العام املـاضـي، سيطر مفهوم «هيدجينغ»، أو التحوّط االستراتيجي، على جانب مهم من الكتابات األميركية عن السياسة الخارجية السعودية. وفي عــدد مايو - يونيو (أيـــار - حــزيــران) من «فــوريــن أفــيــرز»، طــرح مـاريـا فانتابييه وفــالــي نـصـر الـــســـؤال بــصــورة مـبـاشـرة: هـــل سـتـسـتـمـر الـــســـعـــوديـــة فـــي سـيـاسـة التحوّط؟ الــفــكــرة، بـاخـتـصـار، أن الـــريـــاض ال تريد وضـع كل أوراقـهـا في سلة واحـدة: تـــحـــافـــظ عـــلـــى تـــحـــالـــفـــهـــا مــــع الــــواليــــات املـتـحـدة، وتـوسـع علقاتها مـع الصي، وتفتح قنوات مع إيران، وال تريد هيمنة إيرانية أو إسرائيلية على اإلقليم. إنها تنوّع العلقات لتقليل مخاطر االعتماد على قوة واحدة. هذه عدسة مفيدة، لكنها، في رأيي، لم تعد كافية لفهم ما يحدث، خصوصا بعد اتفاق مكة. «اتفاقية مكة» للدفاع املشترك بي الــســعــوديــة وتــركــيــا وبــاكــســتــان تحتاج إلـى عدسة أخـــرى. التحوّط يصف كيف تتحرك دولـــة بـن قــوى مختلفة، أمــا ما يحدث اآلن فهو أقرب إلى هندسة أمنية جديدة تقوم على الردع متعدد الطبقات. هـنـاك فـــارق بــن تــوزيــع الــرهــانــات وبـن تصميم البناء. ومن هنا يكون املدخل األفضل لفهم «اتفاقية مكة» هو النظر إليه من الرياض أوالً، ثم توسيع العدسة إلى اإلقليم. من املنظور السعودي، ال يبدأ األمن من الصفر. هناك علقة أمنية وعسكرية ممتدة مـع الــواليــات املـتـحـدة. لـم يلغها االتــــفــــاق الـــجـــديـــد، وفــــــوق هـــــذه الـطـبـقـة جــــاءت «اتــفــاقــيــة الـــدفـــاع االسـتـراتـيـجـي املشترك» السعودية - الباكستانية التي سـبـتـمـبـر 17 وُقــــعــــت فــــي الـــــريـــــاض فــــي . واآلن تدخل تركيا طبقة 2025 ) (أيـلـول أخرى في البناء. املـسـألـة إذن ليست اسـتـبـدال مظلة بـمـظـلـة، وإنـــمـــا االنــتــقــال مـــن املـظـلـة إلـى الطبقات؛ من الضامن الواحد إلى تعدد الـضـمـانـات، ومــن الـــردع أحـــادي املصدر إلى ردع متعدد الطبقات. أما عدسة الهندسة األمنية فتطرح ســــــــؤاال مـــخـــتـــلـــفـــا: كــــم طـــبـــقـــة مــــن الــــــردع تستطيع الدولة أن تبني، بحيث ال يؤدي اهتزاز طبقة واحـدة إلى انحلل البناء؟ الـــــواليـــــات املـــتـــحـــدة طـــبـــقـــة، وبــاكــســتــان طبقة، وتركيا طبقة. وال تؤدي الطبقات الــوظــيــفــة نــفــســهــا: أمـــيـــركـــا قــــوة عظمى وضـــــامـــــن تـــــاريـــــخـــــي، وبــــاكــــســــتــــان قــــوة عسكرية نووية ذات علقة استراتيجية عميقة بالسعودية، وتركيا قوة إقليمية وعـضـو فــي حـلـف شـمـال األطـلـسـي، بما يجعلها جسرًا بـن املنظومة األطلسية الــقــديــمــة والــبــنــيــة اإلقـلـيـمـيـة الــجــديــدة. وهــنــاك عـدسـة ثـانـيـة لــاتــفــاق: طبيعته املؤسسية. فــــحــــســــب مــــــا كــــتــــبــــه وكـــــيـــــل وزارة الـــخـــارجـــيـــة الــــســــعــــودي الــــدكــــتــــور رائــــد قرملي، وهو أستاذ سياسة قبل أن يكون دبـــلـــومـــاســـيـــا، فــــإن االتــــفــــاق لــيــس نــاديــا مغلقا للدول الثلث، كما أنَّه ليس تحالفا طـائـفـيـا أو نـــوويـــا. وهــــذه نـقـطـة شـديـدة األهمية، ألن املؤسسة، بخلف الصفقة، قابلة للتساع. لــذا، نحن أمــام محاولة لبناء نظام أمني إقليمي. أمـــــا الـــعـــدســـة الـــثـــالـــثـــة فـــهـــي عــدســة الـخـصـم، ألن الــــردع ال يــبــدأ عـنـد إطــاق الـــصـــاروخ األول، بـــل فـــي عـقـل مـــن يفكر في إطلقه. اتفاق يقوم على أن االعتداء على طرف يدخل في الحسابات األمنية لــــــ طــــــراف األخــــــــــــرى، يــــغــــيّــــر حـــســـابـــات الــخــصــم، حــتــى قــبــل مــعــرفــة الـتـفـاصـيـل الـعـمـلـيـاتـيـة. فـالـطـبـقـات ال تـضـيـف قـوة فــــقــــط، إنــــهــــا تـــضـــيـــف عــــــدم الـــيـــقـــن إلـــى حــــســــابــــات الـــــطـــــرف اآلخــــــــــر. ومـــــــن هــــذه العدسة يجب النظر إلى إيران أيضا. إيــــــــــــــران حـــــــاضـــــــرة بــــالــــتــــأكــــيــــد فـــي الـــحـــســـابـــات الــــســــعــــوديــــة، بــبــرنــامــجــهــا الـــــــصـــــــاروخـــــــي ونـــــــفـــــــوذهـــــــا اإلقــــلــــيــــمــــي وتــجــربــتــهــا فـــي الـــحـــرب غــيــر املــبــاشــرة. لكن بـنـاء طبقات الـــردع ال يعني إغـاق بــاب طـهـران. السياسة السعودية تبدو أقرب إلى معادلة: ردع مع إبقاء الهاتف مفتوحا. رفع تكلفة املغامرة، مع الحفاظ على االتصال ملنع الحرب. وهــــــذه لــيــســت مــــفــــارقــــة، بــــل إحــــدى سمات النظام الجديد: تستطيع الدولة أن تـــردع طـرفـا فــي مـسـاحـة، وتـتـفـاوض معه في مساحة أخرى. تبقى العدسة األخيرة: إسرائيل. تحدث بنيامي نتنياهو طويل عن «شرق أوسط جديد»، وكان االفتراض أن إسرائيل هي التي تشكل الشرق األوسط الـــجـــديـــد. لــكــن الـــشـــرق األوســـــط الـجـديـد كــمــا تــجــلَّــى أمـــامـــنـــا تـشـكـلـه الــســعــوديــة وتركيا وباكستان، دول ترسم اآلن خطا مهما في الخريطة اإلقليمية، وإسرائيل لـيـسـت طــرفــا فـيـهـا. وال يـحـتـاج االتــفــاق إلى أن يكون موجها ضدها حتى يصبح غيابها ذا داللة. أحـــيـــانـــا ال تـــكـــون أهـــــم عـــامـــة عـلـى تغير النظام اإلقليمي هي من يجلس إلى املائدة، بل من يستطيع اآلخرون ترتيب املائدة من دون وجوده على الطاولة. لــــهــــذا ربــــمــــا حــــــان الـــــوقـــــت لـتـغـيـيـر الـــعـــدســـة. الـــتـــحـــوّط فـــسّـــر مــرحــلــة كـانـت الــــســــعــــوديــــة تـــــوســـــع فـــيـــهـــا خـــيـــاراتـــهـــا داخــل النظام القائم. أمـا «اتفاقية مكة» فــتــشــيــر إلـــــى شـــــيء آخــــــر: الـــســـعـــوديـــة ال تـوسـع خـيـاراتـهـا داخـــل الـبـنـاء فحسب، بـــل تـــشـــارك فـــي إعـــــادة تـصـمـيـمـه. طبقة أميركية لـم تـخـتـفِ، وطبقة باكستانية أضيفت، وطبقة تركية تدخل اآلن، وقد يـدخـل مــن يـدخـل غـــدًا. الــســؤال إذن هـو: كيف تبني دولـة أمنها بحيث ال يصبح رهينة ضمانة واحدة؟ السعودية ال تغيّر املظلة؛ إنها تغيّر هندسة املبنى كله. OPINION الرأي 12 Issue 17422 - العدد Monday - 2026/8/10 االثنني لبنان وعالمه السفلي «اتفاقية مكة» وطبقات الردع وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى لـم يكن مجرد 2008 فــوز أوبــامــا فـي انـتـخـابـات انتصار تـداولـي فـي انتخابات رئاسية. كـان علمة مرحلية في تاريخ السياسة األميركية. وزيــــر الـخـارجـيـة الـجـمـهـوري كـولـن بــــاول خـرج عن التوافق الحزبي ليدعم بـاراك أوباما من الحزب املنافس. لو اعتبرنا كولن بـاول ممثل لشريحة من النخبة الـــســـوداء الـتـي ظـلَّــت مـوالـيـة لـحـزب أبــراهــام لنكولن فقد استطاع الـحـزب الديمقراطي مـن خلل أوباما الوصول إليها. ومـــن جـهـة أخــــرى، اشـتـغـلـت آلــيــة تـحـت السطح داخــل الـحـزب الديمقراطي. عـــزَّزت مـن نشاط القوى الراديكالية، وأعطتها األمل والطموح في تأثير أكبر على مسار السياسة. حي ننظر إلى هذا من موقعنا الجغرافي نتذكر سياسة إدارة الديمقراطيي أثناء اضطرابات الربيع الـعـربـي، وسياستها تـجـاه املـلـف الـنـووي اإليـرانـي، ونــوعــيــة الـــقـــوى الـسـيـاسـيـة الــتــي دعـمـتـهـا. أمـــا من مـوقـع الـحـزب املنافس داخـل أمـيـركـا، فقد رأى فيها ثغرة استغلها في الدعاية ضد الحزب الديمقراطي ووصفه بتبني مناهضي الروح األميركية. ال نـــنـــاقـــش هـــنـــا االدعـــــــــــاءات ومــــــدى صـــوابـــهـــا. املـحـصـلـة الـسـيـاسـيـة لـهـذيـن الـعـامـلـن كــانــت الـفـوز . وهـــو فـــوز أقــوى 2016 املـفـاجـئ لـدونـالـد تـرمـب فــي مـــن أرقــــامــــه، ألنــــه تـــم رغــــم مــعــارضــة تـــيـــارات كـبـيـرة داخل حزبه له، مما يعني أنه استقطب من الناخبي العموميي ما يكفي ليعوضه. ، بدا أن الحزب الديمقراطي نفسه أدرك 2020 في أنه لن ينتصر في انتخابات عامة إال بتعزيز االتجاه ، نسيها سريعا، فعاد ترمب 2024 العام السائد. وفي بانتصار أقوى من سابقه. بـريـطـانـيـا شـهـدت درامــــا انـتـخـابـيـة مماثلة في مرحلة ما بعد توني بلير وغوردن براون. لم يتعلق األمــر فقط بامللل بعد طــول بقاء العمال فـي الحكم. بـــل بــصــعــود تـــيـــار إد مـيـلـيـبـانـد عــلــى حـــســـاب تـيـار أخـيـه ديـفـيـد. ينظر لـــ ول عـلـى أنـــه نصير للتوجه األكثر راديكالية، وإلى الثاني على أنه وريث للتيار الوسطي املسمى بالعمال الجديد. والنتيجة ابتعاد عاما، وعودتهم إليها بعد 14 العمال عن السلطة ملدة أن هزم حزب «املحافظون» نفسه بصراع داخلي. لــيــس كـــل انـــتـــصـــار داخـــــل حــــزب شـــأنـــا داخــلــيــا. ولــيــس كــل قـــوة جــديــدة صــاعــدة داخــــل حـــزب إيــذانــا بحظوظ أفضل. الفيصل هو ما يظهر في االنتخابات العامة بعدها. بعض االنتصارات الداخلية في األحزاب مؤشر على هزيمة قـادمـة. حيث تصبح قـــدرة مـرشـح على إقناع حزبه هي بالضبط ما يمنع الحزب من إقناع البلد، ويصبح فوز هذا املرشح داخل الحزب رسالة تحذير إلى الناخب العام عن توجهات الحزب نفسه. لذلك فإن االنتصارات الحزبية املبنية على أساس مـــن االســتــقــطــاب الـــواضـــح ســــاح ذو حـــديـــن. بـوجـه عـــام، إن كـــان االسـتـقـطـاب أقـلـويـا مــن حـيـث العقيدة السياسية أو اإلثنية فثمة احتمال كبير أن يفقدك من الناخبي أكثر مما أكسبك. الحزب الناجح هو الذي يستطيع بناء ائتلف أوسع من هويته األصلية، دون أن يفقد تلك الهوية، كما فعل فرانكلي روزفلت من خـال الصفقة الجديدة. أمـا الحزب الــذي يشرع في تعريف نفسه من خلل أكثر تياراته تشددًا، فسوف ينتهي بانتصار لتيار يخصم من قاعدته العامة. بل إن الخطر أكبر من ذلـك. اللُّحمة التي تجمع التيارات داخل حزب قائمة على اتفاق ضمني حول بعض الـثـوابـت، ولديها طـاقـة لتقبل االخـتـاف إلى حدود معينة، إن تجاوزتها فلن يقتصر الخطر على الناخب العام وفقدان شريحة منه، بل تجد تيارات داخل الحزب نفسها غريبة عليه وتبحث عن غيره. قراءة في انتصار مرشح خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==