الثقافة CULTURE 16 Issue 17400 - العدد Sunday - 2026/7/19 الأحد «دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب تــتــمــحــور روايـــــــة «درامــــــــا كـــويـــن»، 6 لــلــروائــيــة المــصــريــة نـهـلـة كـــــرم، حــــول نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألـــعـــاب ريـــاضــيــة، حــيــث يــمــارســن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تــلــتــف كــــل لاعـــبـــة حـــــول عـــمـــود مـعـدنـي فــي وســـط الـغـرفـة تتمسك بــه وتـرقـص، وســـط مــخــاوف مــن الانـــــزلاق والـسـقـوط مـن أعـــاه. هـذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعا جسديا في البداية، وتترك فــي الـجـسـد نــدوبــا وكـــدمـــات، لكنها مع ذلـــك تـكـون سببا فــي تـعـافـي الــــروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجـاعـهـن الـقـديـمـة، وتمنح أجسادهن كـــــــــــــتـــــــــــــا عــــــضــــــلــــــيــــــة تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحــتــمــالــه، وبـالـقـدر نفسه تمنح أرواحهن قــــوة عــلــى المـــواجـــهـــة، وثــــقــــة بـــالـــنـــفـــس، مـا يـمـنـحـهـن قــــدرة على مـــواجـــهـــة مـخـاوفـهـن والـــــنـــــدوب الـــروحـــيـــة والـنـفـسـيـة اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً. الـــــــــــــــــــــــروايـــــــــــــــــــــــة، الـــــصـــــادرة عــــن الـــــدار المـصـريـة - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بـأن تجعل صالة الألـعـاب مجرد فضاء مـكـانـي تـــدور فـيـه الأحـــــداث؛ بــل تصوغ هذا المكان بوصفه محركا سرديا لمصائر الشخصيات، وفاعلا في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة ريـــاضـــيـــة تــــمــــارس فــيــهــا الـشـخـصـيـات المروي عنها نشاطا رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى عـاقـة نفسية، فـيـغـدو رفـيـقـا ومعالجا نفسيا وصديقا بـديـاً، ورغــم معدنيته وصــابــتــه، فــإنــه أقـــل قــســوة مـــن البشر الذين تعاملت معهم هـذه الشخصيات فـــي الــــخــــارج، ويــســاعــدهــن فـــي الـتـطـور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فــالمــكــان هــنــا مـــــاذ، وفـــضـــاء لـلـتـعـافـي، وهـــــــو المـــــركـــــز الــــــــذي تـــلـــتـــقـــي فــــيــــه هــــذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلـى هـذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط. لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بــدءا مـن «غـــادة»، التي تتأذى مــن فـقـر عائلتها وإقـامـتـهـا فــي منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فـتـشـعـر بــــأن جـــــزءا مـــن جــســدهــا غـريـب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلا عـــن إحــســاســهــا بــالــخــجــل مـــن الـــنـــدوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أمــــــا «شـــــيـــــمـــــاء»، رغــــــم ثـــــــراء عــائــلــتــهــا، فـــتـــعـــانـــي مـــــن الـــنـــبـــذ بـــســـبـــب بـــدانـــتـــهـــا المــــفــــرطــــة، بـــــدايـــــة مـــــن إحـــســـاســـهـــا بـــأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مـــــــرورا بــتــنــمــر زمـــيـــاتـــهـــا ومــدرســيــهــا عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولا إلـى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها. الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بــعــقــدة قــديــمــة مــنــذ طـفـولـتـهـا المــبــكــرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخـــرى، فـصـارت تخشى أن تصبح مثل أمــهــا، وتـعـانـي مــن هـجـر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة فــي أن تــكــون مـثـل زوجــــة الأب المــرغــوب فــيــهــا، ولــيــس الأم المـــرغـــوب عــنــهــا. أمــا «ريـــم» فمنذ طفولتها تعاني مـن سفر أبيها بحثا عن المال، وموته في الغربة، وبـخـل أمـهـا وجشعها المــــادي، ثـم زواج ريــم بـأمـر أمـهـا مـن رجــل ثـــري، اكتشفت بـــعـــد ذلـــــك أنـــــه عــــنــــن، وكـــــــان يــضــربــهــا بــقــســوة وعـــنـــف كـــل لــيــلــة تـــاركـــا نــدوبــا فــي كــل جـسـدهـا. الشخصية الخامسة «حـــــــا»، صـــاحـــبـــة الـــصـــالـــة الـــريـــاضـــيـــة، تــعــانــي مـــن كـــراهـــيـــة كـــل مـــن يـنـافـسـهـا، وتـــشـــعـــر مـــنـــذ طــفــولــتــهــا بـــأنـــهـــا لـيـسـت جـمـيـلـة، خـصـوصـا بـعـد وفــــاة والـدتـهـا مـتـأثـرة بـالـسـرطـان، وزواج والــدهــا من امــــرأة أخــــرى، لـديـهـا ابـــن وابــنــة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمـــجـــرد أنـــهـــا جـمـيـلـة وشـــعـــرهـــا طــويــل، مـــقـــارنـــة بــشــعــر حــــا الـــتـــي تــخــشــى مـن سقوطه كما حــدث مـع أمـهـا فـي أيامها الأخيرة. تــــتــــبــــقــــى شــــخــــصــــيــــة واحـــــــــــــدة هــي «فـــريـــدة»، مــدربــة الـلـعـبـة، الأكــثــر بـــروزا فـــي الـــــروايـــــة، والمــــعــــادل لــعــمــود الـــبـــول، فهي عمود الــروايــة، وكـل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حـــولـــهـــا، فــهــي الأكــثــر شـــــــــعـــــــــورا بــــــــــــــآلام كـــل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومـــحـــاولـــة تــجــاوزهــا والتعافي منها، حيث تــمــتــلــك مــــن الـــرهـــافـــة وحــــــــــدة الـــــشـــــعـــــور مــا يجعلها تنصت للألم والأوجـــــــــــــاع الـــكـــامـــنـــة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني مــــــــن مــــــتــــــازمــــــة عـــــدم الـــشـــعـــور بــــالألــــم مـنـذ ولادتـــهـــا، فـلـو اشتعلت بـهـا الـنـيـران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيرا ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت. قـسـمـت الـكـاتـبـة روايــتــهــا إلـــى عـدة فــــصــــول، كــــل مــنــهــا يــحــمــل اســـــم إحــــدى brass« الــــرقــــصــــات عـــلـــى الـــــبـــــول، مـــثـــل drama« »، و butterfly« » و monkey suicide« »، و hello boys« »، و queen »، ويــــبــــدو اســـــم كــــل فـــصـــل ولـعـبـة spin دالا على أزمـة الشخصية المحكي عنها داخـــــلـــــه، فــــهــــذه الــــرقــــصــــات أو الألــــعــــاب مـــوظـــفـــة فــنــيــا لــتــتــنــاســب مــــع أزمــــــة كـل شـخـصـيـة، والـــنـــجـــاح فـــي الـلـعـبـة يـأتـي مـــتـــنـــاغـــمـــا مــــع تــــجــــاوز الأزمـــــــــــات. وكـــل فصل ينقسم إلـى قسمين؛ الأول يحمل اســـم إحــــدى الـشـخـصـيـات، وتــــروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تـمـامـا مــن أوجــاعــهــا، والقسم الثاني عن فـريـدة، التي تأتي حكايتها مـجـزأة عبر كـل الـفـصـول، ومتخللة كل الـــحـــكـــايـــات؛ فــهــي مـــركـــز الـــحـــكـــي، وهــي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المــتــكــلــم، فـــي حـــن أن كـــل الـشـخـصـيـات الخمس الأخـــرى تحكي عنهن الـسـاردة بـضـمـيـر الـــغـــائـــب، عــبــر تـقـنـيـة الـــــراوي العليم. تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها فـــي صــالــة الـــرقـــص، ثـــم تــعــود الـــســـاردة عـــبـــر تــقــنــيــة الاســـــتـــــرجـــــاع إلــــــى تـــاريـــخ المـحـكـي عـنـهـا، لنتعرف عـلـى حكايتها مـنـذ طـفـولـتـهـا، وكـيـفـيـة وصــولــهــا إلـى هـذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في الـــبـــدايـــة مـــع الـلـعـبـة الـــتـــي تـــبـــدو عنيفة وصـعـبـة عـلـيـهـن، ويـــبـــدو الـــتـــوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والـــســـقـــوط فـــي الـــحـــيـــاة والأوجـــــــــاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتــفــاع بعيدا عـن الأرض، بالتوازي مــــــع الانـــــــفـــــــات مــــــن جـــــاذبـــــيـــــة المــــاضــــي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لــذلــك، يــبــدو الــزمــن داخــــل هـــذه الـصـالـة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمـن للمتعة والتعافي والتجاوز، فـي حـن أن الـزمـن خـارجـهـا يـبـدو زمنا للآلام. عمر شهريار تُدرك «السيدة دالاوي» و«غاتسبي» أن التكييف يجوب العالم عابرا الوسائط السينما... هل هي حقا طفيلي يقتات على الأدب؟ قــبــل الـــبـــدء فـــي الــكــتــابــة، شـــاهـــدت لـلـمـرة » المبني على 2002 ، الثانية الفيلم «الـسـاعـات » لــلــروائــي الأمـيـركـي 1998 ، روايــــة «الـــســـاعـــات مـايـكـل كـنـنـغـهـام. وحــمــدت الــلــه عـلـى إخـفـاقـي فــي الـعـثـور عـلـى النسخة الـورقـيـة مـنـهـا، كما لـــم تـنـجـح الــنــســخــة الإلــكــتــرونــيــة فـــي إغـــرائـــي بـــقـــراءتـــهـــا، لأنـــنـــي لـــم أكـــــن، فـــي الــحــقــيــقــة، في حـاجـة إلـــى قــــراءة روايــــة كننغهام مـــرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بـــنـــيـــويـــة، أو تــفــكــيــكــيــة، أو تــشــريــحــيــة، لا لـــلـــروايـــة، ولا لــلــفــيــلــم... أمــــا مـــشـــاهـــدة الـفـيـلـم فكانت تنفيذا لفكرة خـطـرت فـي ذهـنـي خلال استرجاع بعض مـا تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«الـسـيـنـمـا والــــواقــــع»، وفـيـهـا تـكـشـف وولـــف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفـــام سينمائية. على سبيل الـدعـابـة، أقـول إن مـــن يــشــاهــد «الـــســـاعـــات» عــلــى خـلـفـيـة تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والــــروايــــة «الــســيــدة دالاوي» مـثـلـمـا أن روايـــة «الساعات» هي أيضا كذلك. سلسلة من الانقضاضات صـــحـــيـــح أن الـــســـيـــنـــمـــا «انـــــقـــــضّـــــت» مــن قــبــل عــلــى روايــــــات وولــــف «الـــســـيـــدة دالاوي»، و«أورلانـــــدو» و«الأمـــــواج»، و«إلـــى المــنــار»، لكن انـقـضـاضـهـا عــلــى الــــروايــــة «الـــســـاعـــات» شــيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالا بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الـروايـة، قامت في الأصـل على مــــشــــروع انـــقـــضـــاض عـــلـــى «الـــســـيـــدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نــفــســهــا. فـــالـــروائـــيـــة الـــتـــي لا تــتــقــبــل تـحـويـل الــروايــات إلــى أفـــام، أصـبـحـت، ويــا للمفارقة، شخصية سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركــت السينما وولــف وروايـاتـهـا وكانت قـــد خـــالـــت أن «المـــنـــتـــأى» عـــن الـسـيـنـمـا واســـع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقض ومشتقاتها» لاحقاً. موقف وولف من السينما أغــســطــس 4 يـــولـــيـــو (تــــــمــــــوز)، و 3 فـــــي ، نُـــشِـــرَت مـقـالـة وولـــف بالعنوانين 1926 ) (آب The Nation and« المذكورين سابقا في صحيفة The New« » البريطانية، ومجلة Athenaeum » الأميركية على الـتـوالـي. أعتقد أن Republic موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لمـــاذا لــم تخطر بـبـال أحـــد فـكـرة تـرجـمـة إحــدى رواياتها سينمائيا وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفا في فترة شهدت تــجــذر وتـــرســـخ الـتـكـيـيـف مــمــارســة، ومــصــدرا للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّر ما ذكرته وولف عـن السينما ونـشـوء علاقتها المـبـكـرة بــالأدب عــن مـوقـف مـضـاد للسينما؛ إنـمـا هــو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلا من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الـواقـع» بالإضافة إلـى ازدرائــهــم لما حولهم، مثل «تحليق الـنـوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شـك، طموحا ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلـى السهولة تحت إغــراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات. وتــشــيــر وولـــــف إلــــى الــــروايــــات الـشـهـيـرة عــلــى نــحــو خــــاص، مـضـيـفـة أن السينمائيين يـرونـهـا فــي حـالـة انـتـظـار للنقل إلـــى الشاشة الـصـامـتـة آنــــذاك. وتـكـتـب مـتـسـائـلـةً: «مـــا الــذي يمكن أن يـكـون أسـهـل وأبـسـط مـن ذلـــك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تـــزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً. التكييف والتحويل عــلــى الـــرغـــم مـــن عــــدم احــــتــــواء المـــقـــالـــة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيلية تثير الاسـتـغـراب، نظرا لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظـاهـرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فـــــــــــقـــد «نــــقــــل شــكــســبــيــر قـــصـــص الـــثـــقـــافـــة مـن الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لــجــمــهــور مــتــلــقــن جــــــدد. وأعـــــــاد إســخــيــلــوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصا مألوفة ). وتشير في موضع آخر 2( » في أشكال جديدة إلـى أن الفيكتوريين اعـتـادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولـــوحـــات، وأغـــــان ورقــــص. يــبــدو أن كــل شـيء كان قابلا للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الـفـيـكـتـوريـن. ومـــا لـــم تـقـلـه هـتـشـيـون هـــو أن السينما، بالإضافة إلـى أسـبـاب أخـــرى، كانت تقتدي بـالمـسـرح، أو هكذا أظــن؛ فبالنظر إليه بـعـيـون وولــــف، فـــإن المــســرحــي، ولــيــس صانع الأفــــــام، هـــو الـطـفـيـلـي المــعــلــم والــــقــــدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مـــثـــل «روبــــنــــســــون كـــــروســـــو» لــــدانــــيــــال ديـــفـــو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«تـوم جـونـز» لهنري فيلدينغ، أمــا روايــــات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها. الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل فــــي ســــيــــاق ســـــــرده قـــصـــة نــــشــــوء عــاقــة الـــصـــبـــي هـــنـــري جــيــمــس بـــالـــفـــنـــون والأدب، وشغفه بهما، يــروي فـــرِد كـابـان فـي الفصل الأول مـــن الــســيــرة الـغـيـريـة «هـــنـــري جيمس: »: «بـالـنـسـبـة للصبي 1999 ، خـيـال الـعـبـقـريـة الـــصـــغـــيـــر، لــــم تــقــتــصــر هــيــمــنــة ديـــكـــنـــز عـلـى الــــروايــــات، إنــمــا عــلــى خـشـبـة المـــســـرح أيــضــا. وكان هنري الأب... يصر على أن يكون ارتياد المــســرح تـجـربـة عـائـلـيـة، وأن يـتـعـرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائـعـة، ودرامـــا، ولغة، ) ويذكر كابلان أن هنري الصغير 23( .» وغناء شـاهـد فــي مــســارح «بــــــرودواي» و«بـــــارك رو» مـسـرحـيـات مـبـنـيـة عـلـى الــعــديــد مـــن روايــــات ديــــكــــنــــز، خــــصــــوصــــا «نـــــيـــــكـــــولاس نِـــكـــلـــبـــي»، ومــســرحــيــات مـبـنـيـة عـلـى روايـــــة «كــــوخ الـعـم توم» التي ترجمت مسرحيا بُعَيْد نشرها. فــي ضـــوء مــا ســبــق، لـيـس مـسـتـغـربـا أن يـــكـــون الـفـيـلـم الــصــامــت «غــاتــســبــي الـعـظـيـم، » مــبــنــيــا عـــلـــى المـــســـرحـــيـــة «غــاتــســبــي 1926 ». المسرح سبق السينما إليها، 1926 ، العظيم فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصــل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَت فيه .)1926( مقالة وولف غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط كــان المـخـرج هـربـرت بـريـنـون سريعا في «انـقـضـاضـه» على روايـــة فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لــتــضــاف إلــــى قــائــمــة الــتــرجــمــات الـسـيـنـمـائـيـة الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربــــــع قـــصـــص) ســبــقــت «غــاتــســبــي الـعـظـيـم» إلــــى الـــشـــاشـــة الــصــامــتــة. وتــمــثــل الـتـرجـمـتـان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت فــي قـائـمـة اشـتـمـلـت على 2024 إلـــى 1926 مــن طـيـف عـريـض مــن الـفـنـون: مـسـرحـيـات، أفـــام، مـسـرحـيـات إذاعـــيـــة وتـلـفـزيـونـيـة، مسرحيات اسـتـعـراضـيـة، أوبــــرا، وبـالـيـه، وعـــدة نـسـخ من »، وألــعــاب graphic novels« روايـــــات مــصــورة فيديو. طـاف بعض هـذه الأعـمـال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ .2019 كونغ للباليه» في إن «غاتسبي العظيم» نـمـوذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنـه أوسـع مجالا من ذلـك، ومتعدد بتعدد الأجـنـاس، والأشـكـال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة »، وتمنح transmedial phenomenon« للوسائط النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومـــتـــعـــددة بــتــعــدد مـــــرات تـكـيـيـفـه، وتــهــيــئ له مـــنـــاخـــات، وفـــــضـــــاءات تــــلــــقٍ، وأنــــمــــاط تـفـاعـل » مختلفة يفرضها نوع modes of engagement« الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومــــن الــبــديــهــي ازديــــــاد الــنــص المُـــكَـــيَّـــف شــهــرة وانـــتـــشـــاراً. فــــروايــــة بـــدريـــة الــبــشــر «غـــرامـــيـــات شــــارع الأعـــشـــى» -عــلــى سـبـيـل المـــثـــال المـحـلـي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلــــى مـسـلـسـل. وسـتـتـسـع شـهـرتـهـا بـعـبـورهـا إلـــى وســائــط أخـــرى عـنـد ترجمتها مسرحياً، أو بـــصـــدورهـــا نــســخــة مــــصــــورة، أو بـنـسـخـة سـيـنـمـائـيـة جـــديـــدة أفــضــل مـــن الـسـابـقـة الـتـي كـانـت جــــزءا مــن مــشــروع الــغــاف الــثــالــث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!». والأسـئـلـة: لـم لا تـدخـل روايــــات سعودية أخـــــــرى تـــجـــربـــة الـــتـــكـــيـــيـــف ولــــــو لمــــــرة واحـــــــدة، transmedial« أو الــتــكــيــيــف عـــابـــر الـــوســـائـــط » ؟ مــــا الــــــذي يــمــنــع ذلــــــك؟ ومـــــاذا adaptation سيحدث؟ *كاتب وناقد سعودي بدرية البشر *د. مبارك الخالدي رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية» يـــقـــدم كـــتـــاب «الاســـــتـــــطـــــرادات الـثـقـافـيـة فــي الـــروايـــة الـعـربـيـة»، للباحث والأكـاديـمـي الأردنــي دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلـى النقد الـروائـي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحا المجال أمـــــام قـــــــراءات جـــديـــدة تــهــتــم لــيــس فــقــط بما تقوله الــروايــة، بـل بكيفية قـولـهـا، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص. ويــــــرى الـــنـــاقـــد والأكــــاديــــمــــي المــغــربــي دكـــتـــور سـعـيـد يـقـطـن فـــي تـقـديـمـه للكتاب الــــصــــادر عــــن «الآن نـــاشـــرون )2026( ومــــوزعــــون» بـــــالأردن أن رحـــاحـــلـــة «انــــفــــرد بــنــظــره فــيــمــا بـــاتـــت تـــعـــرفـــه الــــروايــــة العربية منذ الألفية الجديدة، ومـــــــا صـــــــــارت تـــــزخـــــر بــــــه مــن اســتــطــرادات ثقافية وزخـرفـة مــــعــــرفــــيــــة»، مــــشــــيــــرا إلـــــــى أن الـــكـــتـــاب يـنـطـلـق مـــن «تــصــور دقـــيـــق لـــلـــروايـــة يــبــحــث فـيـهـا عـــــمـــــا هــــــــو زائـــــــــــــد وفـــــــائـــــــض، ولا يــــخــــدم الــــنــــص الـــــروائـــــي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصا جديرا بـالـقـراءة بـا اسـتـطـرادات زائـــدة، أو زخرفة معرفية فائضة». ويــــــقــــــول يــــقــــطــــن إن خصوصية الدراسة تكمن فــــي تــــجــــاوزهــــا الـــــقـــــراءات الـتـي تـركـز عـلـى المحتوى المـعـرفـي أو الثقافي الـذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هـــــــــذه الـــــعـــــنـــــاصـــــر داخـــــــل الـــنـــص، ومــــدى إسـهـامـهـا فـــي بـــنـــاء الــعــمــل الـــروائـــي وجمالياته، مشيرا إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل الـبـنـيـوي لــلــســرد، ومـــن جـمـالـيـات الـتـلـقـي، لتأتي الـدراسـة بوصفها مقاربة «سـرديـة - أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلا إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي. ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الــروايــة جنس أدبــي مفتوح على التجريب والـــــتـــــحـــــول، وأن حـــريـــتـــهـــا فـــــي اســـتـــيـــعـــاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلــى الـوعـي الفني، إذ إن نـجـاح أي تـقـنـيـة ســـرديـــة يــرتــبــط بــقــدرتــهــا عــلــى أداء وظـيـفـة داخــــل الـعـمـل الإبــــداعــــي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها. عمّان: «الشرق الأوسط» النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky