issue17393

5 تحقيق FEATURES Issue 17393 - العدد Sunday - 2026/7/12 الأحد نصحنا جندي في الجيش اللبناني بعدم الاقتراب أكثر، فهذه الطريق تؤدي إلى تلة علي الطاهر التي حوّلها الاحتلال منطقة للقتل ASHARQ AL-AWSAT جنوب لبنان... ثمن الإقامة على «الحدود» الإيرانية ــ الإسرائيلية هذه الحجارة الصغيرة كانت جدراناً. كانت سقوفا أوهمت ساكنيها أنها سترد عــنــهــم حـــــر الــصــيــف وبــــــرد الـــشـــتـــاء وغــــدر الــــــريــــــاح. ســــقــــوف تـــحـــتــضــن الأم تـحـتـهـا أطفالها. وتطبخ لهم ما يرد الجوع. ومنها كـــانـــوا يــذهــبــون إلـــى مــدارســهــم ويـكـبـرون تــحــت نــظــر آبـــائـــهـــم وابـــتـــســـامـــات الأجـــــداد والصور المعلّقة على الحيطان. كانت كذلك قبل هبوب الإعصار ولم تعد. هــــــــذه الــــــحــــــجــــــارة الــــصــــغــــيــــرة كـــانـــت عــــمــــارات تــــوهّــــم ســـاكـــنـــوهـــا أنـــهـــا مــقــرهــم الـدائـم وملجأهم الآمـــن. يشرح لـك زميلك. الشقة المبقورة والمحترقة تعني أن مسيّرة استهدفتها في عملية اغتيال. تلة الركام تـعـنـي أن مـقـاتـلـة اقـتـلـعـت المـبـنـى ومـــن لم يــســعــفــهــم الـــحـــظ فــــي الــــهــــرب. تــــحــــدّق فـي الـــركـــام المـخـتـلـط بـخـطـوط الــكــهــربــاء. هـذه بقايا شرفة كانت تصلح لارتشاف الشاي والتقاط الأنفاس بعد العمل في الحقل أو الحديقة. وهــذه بقايا أســـرّة كانت تصلح للنوم، وربـمـا لـأحـام. وهــذه ركــوة قهوة فـــقـــدت وظـيـفـتـهـا إلــــى الأبـــــد. وهـــــذه بـقـايـا شـبـابـيـك مــاتــت مـــع جـــدرانـــهـــا. مـــا أصـعـب الإقامة على مقربة من رجل اسمه بنيامين نتنياهو. تضاعفت الصعوبة بعد «طوفان السنوار». نصحنا جندي في الجيش اللبناني بـعـدم الاقـــتـــراب أكــثــر. هـــذه الـطـريـق تــؤدي إلــــى تــلــة عــلــي الـــطـــاهـــر. حــوّلــهــا الاحـــتـــال منطقة للقتل. لا يـرحـم أي جـسـم متحرك فـــيـــهـــا. وفـــــي الـــجـــنـــوب كـــــام أن تـــلـــة عـلـي الـطـاهـر الـتـي اقــتــرب الـجـيـش الإسـرائـيـلـي مـــــن أطـــــرافـــــهـــــا، تـــحـــتـــضـــن أنــــفــــاقــــا وغـــــرف عمليات لمقاتلي «حزب الله». وأن الجيش الإســرائــيــلــي يـسـتـعـد لـانـقـضـاض عليها فور تراخي الضوابط التي فرضها دونالد ترمب على تحركاته. ارتدى موضوع علي الطاهر رمزية غير عادية. يعتقد خبراء أن إسرائيل قد لا تتردد في دفع الخسائر التي تستلزمها السيطرة على التلة. أخذنا بنصيحة الجندي وقلنا نكتفي بـتـفـقـد جـــــروح المـــديـــنـــة وبــيــنــهــا أســواقــهــا التجارية الـتـي نـفّــذ جيش الاحــتــال قــرارا بـإعـدامـهـا فــي مــا يشبه اسـتـحـداث مقبرة جــمــاعــيــة. فـــجـــأة سـمـعـنـا طـنـيـنـا آتـــيـــا من الـــفـــضـــاء. قـــــال زمـــيـــلـــي ثـــائـــر عـــبـــاس إنــهــا المــــســــيّــــرة الإســــرائــــيــــلــــيــــة. راحـــــــت المـــســـيّـــرة تحوم وكأنها تذكّر المقيمين تحتها بأنهم يعيشون تحت رحمتها. وأنها تملك حق شـطـبـهـم ســاعــة تـــشـــاء. وأنـــهـــا قـــــادرة على رصد حركاتهم وإحصاء أنفاسهم. سـمـعـت مـــن قــبــل أزيـــــز المـــســـيّـــرة فــوق بـيـروت، لكن صوتها على مقربة من علي الــطــاهــر يـجـعـل صـوتـهـا أقــــرب إلـــى حـركـة السكاكين فـي الـشـرايـن. إنها تـذكّــر المقيم تحتها بأن يد الاحتلال طويلة. تذكّره بأنه خسر الحرب. تـــســـمـــع فـــــي الـــنـــبـــطـــيـــة أن قــــســــوة مـا عاشته، على رغم فظاعته، أقل بكثير مما لحق بالقرى الحدودية التي تقيم الآن في قبضة الجيش الإسرائيلي. الجيش الذي تفنن في محو القرى بشكل كامل أو شبه كــامــل لـيـجـعـل عــــودة سـكـانـهـا مستحيلة. لم يترك سقفاً. ولم يترك جـداراً. ولم ينس اغتيال الأشجار وأعمدة الكهرباء. تخاف حـــــن تـــســـمـــع أن مـــشـــهـــد عـــــشـــــرات الـــقـــرى الـــحـــدوديـــة يـــذكّـــر بـمـشـاهـد غــــزة. وتـسـمـع أيـضـا أن جثثا لا تـــزال تقيم تـحـت الـركـام في القرى المطحونة، وأن المسيّرات تنهال على الجرافات إن حاولت الاقتراب لإعادة الـجـثـث إلـــى أحـبـائـهـا ليكفّنوها بمناديل دمـــوعـــهـــم وحـــفـــنـــات تــــــــراب. مــــا أقـــســـى أن يتحول الوطن قبرا أو مشروع قبر. فـــتـــح رجــــــل يــــعــــرف الـــخـــريـــطـــة وراح يستعرض أســمــاء الــقــرى ومـــا بـقـي منها. تــــخــــوّف مــــن جـــولـــة جــــديــــدة تـــتـــقـــدم فـيـهـا القوات الإسرائيلية إلى علي الطاهر، وهو ما قد يغريها بالتقدم أكثر إلى تلال أخرى. ذكّرنا الرجل أن أطماع إسرائيل في لبنان قديمة، خصوصا في مياهه. ويــمــكــن أن يــســمــع الــــزائــــر أن مصير «مــضــيــق عــلــي الـــطـــاهـــر» مــرتــبــط بمصير مــضــيــق هــــرمــــز. والــحــقــيــقــة أن المـــتـــابـــع لا يـحـتـاج إلـــى مــن يـــذكّـــره بـالـخـيـط الإيــرانــي الــذي يربط جنوب لبنان بـالأزمـة الكبرى فـي الإقـلـيـم. الأمــر يتعدى ورود لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية ومن باب وقف النار. الــخــيــط الإيــــرانــــي لــيــس ولـــيـــد مــذكــرة الــتــفــاهــم. إنـــه أعــمــق وأقـــــدم. فـفـي الـطـريـق إلــــى صــــور ومــنــهــا إلــــى الـنـبـطـيـة تـطـالـعـك صــــور تـحـكـي الــقــصــة. صــــور حــســن نصر الـلـه ورفــاقــه. وصـــور الخميني وخامنئي الأب ومــعــه خـامـنـئـي الابــــن وصــــور قـاسـم سليماني. بالإضافة إلـى صـور نبيه بري الـذي مررنا قرب معقله في المصيلح الذي سبق أن زرناه وحاورناه فيه. حزنت وأنـا أراقـب جنودا من الجيش الـلـبـنـانـي الــــذي دمّــــر الـجـيـش الإسـرائـيـلـي مواقعه في جنوب الليطاني وقتل عشرات من جنوده. قصّة الجيش مأساة في بلاد قصتها مأساة. ما أصعب أن يكون الجيش قويا في بلاد هشّة. بلاد يرافقها الانقسام منذ ولادتها ولا يغيب أمـام كل استحقاق وطـنـي كـبـيـر. لا يـعـانـي الـجـيـش اللبناني نقصا في الكفاءة أو الشجاعة. افتقر دائما إلــــى وســـــادة صـلـبـة مـــن الـــقـــرار الـسـيـاسـي الــــجــــامــــع. يُـــســـتـــدعـــى دائــــمــــا إلـــــى مــهــمــات شائكة تفوق قدرته وتجهيزه وفي غياب قرار سياسي بلا التباسات. لم تبدأ القصة في السنوات الأخيرة. بـــــدأت حـــن وقّـــــع قـــائـــد الــجــيــش الـلـبـنـانـي الــــراحــــل الـــعـــمـــاد إمـــيـــل بــســتــانــي «اتـــفـــاق الـــقـــاهـــرة» مـــع الــزعــيــم الـفـلـسـطـيـنـي يـاسـر عـرفـات. يومها تنازلت السلطة اللبنانية مرغمة عن جزء من السيادة لتفادي حرب داخلية ستأتي لاحـقـا. كلّف لبنان عمليا بـــأن يـبـقـى جـبـهـة مـفـتـوحـة ضــد إسـرائـيـل فيما صمتت الجبهات الأخـرى، ولا سيما في الجولان السوري، خصوصا بعد حرب . هـكـذا علق جـنـوب لبنان على خط 1973 التوتر العالي المتمثل بالنزاع العسكري غـــــزت إســـرائـــيـــل 1982 مــــع إســــرائــــيــــل. فــــي لـــبـــنـــان واحـــتـــلّـــت بــــيــــروت. ولــــــدت «جـبـهـة المـقـاومـة الوطنية اللبنانية» (جــمــول) ثم أمـــر حــافــظ الأســــد بـشـطـبـهـا فـــي منتصف الثمانينات لمصلحة «المقاومة الإسلامية» التي يمثّلها «حـزب الـلـه». وهكذا تحوّلت الـــحـــدود الـلـبـنـانـيـة - الإسـرائـيـلـيـة حـــدودا 2006 إيـــرانـــيـــة - إســرائــيــلــيــة كـــانـــت حــــرب إحدى حلقاتها. عــــلــــى مــــــــدى عـــــقـــــود كـــــانـــــت المـــــأســـــاة اللبنانية مبقعة بالانهيارات والاغتيالات. ضـــريـــح كـــمـــال جـــنـــبـــاط. وضــــريــــح بـشـيـر الجميل. وضريح رينيه معوض. وضريح رفيق الحريري. تم قطع رأس كل من حاول اسـتـعـادة الــقــرار اللبناني ولـــو مــن مـواقـع مختلفة وعلى طريقته. في طريق العودة تذكّرت جنوبيا دار بيني وبينه حوار على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود. إنه محسن إبراهيم، الجنوبي الـــــذي كــــان أمــيــنــا عـــامـــا لـــ«مــنــظــمــة الـعـمـل الشيوعي» و«الحركة الوطنية اللبنانية». اعــــتــــرف إبــــراهــــيــــم أن «الــــحــــركــــة الــوطــنــيــة حمّلت لبنان مـا يفوق طاقته حـن ذهبت بعيدا في احتضان المقاومة الفلسطينية». وفاجأني ذات يـوم حين قـال لي «إن حزب الله يحمّل لبنان أيضا ما يفوق طاقته». وهـــو كـــان يتكلم بـعـد ســنــوات مــن اغتيال رفيق الحريري وتدخل الحزب عسكريا في سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد. فـــــي طــــريــــق الــــــعــــــودة، رأيـــــنـــــا مــوكــبــا لــــ«الـــيـــونـــيـــفـــيـــل» يــــغــــادر إلـــــى غـــيـــر رجـــعـــة. كــان الحضور الـدولـي فـي منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية مفيدا أحيانا لكنه كــان عـاجـزا دائــمــا. فقد عـاشـت هــذه القوة الدولية تحت انتهاكات إسرائيلية لا قدرة لها على منعها وفوق أنفاق لـ«حزب الله» كانت تُعد للحرب المقبلة ولم تكن قادرة إلا على تجاهلها. يعيش لبنان اليوم مأزقا أشد صعوبة مـن كـل مـا عـاشـه. بعد «طــوفــان الـسـنـوار» اخـــتـــار «حــــزب الـــلـــه» الـــذهـــاب إلـــى «إســنــاد غـــزة». وبعد اغتيال المـرشـد الإيـرانـي علي خامنئي اختار الـذهـاب إلـى حـرب «الثأر» لــــه. ونـتـيـجـة الــحــربــن مــاثــلــة فـــي احــتــال أجــــزاء مــن جـنـوب لـبـنـان. غــيّــرت إسـرائـيـل بـعـد «الـــطـــوفـــان» عـقـيـدتـهـا الـعـسـكـريـة. لم تعد تقبل التعايش مع ما تسميه أخطارا قبالة حدودها. اختارت العبور إلى أراضي الآخـــريـــن وإقـــامـــة «مــنــاطــق آمـــنـــة». واضـــح أنها اتخذت قـرارا بإخراج لبنان من الشق العسكري في النزاع معها. ترافق ذلك مع إرادة دولية بمطالبة لبنان ببسط سيطرته على كامل أراضيه بقواه الشرعية وحدها. وهـــــذا يــعــنــي نــــزع ســــاح «حـــــزب الـــلـــه» أو حصره وفـق الصيغة الملطّفة. وواضــح أن لا الحزب يقبل ذلك ولا إيران تقبل. إصرار «حزب الله» على الاحتفاظ بسلاحه أطلق مشاعر التباعد والحديث عن صيغ أخرى للتعايش أو الطلاق المخفف. جنوب لبنان معلّق على الحبل الممتد بين مضيق علي الطاهر ومضيق هرمز. ولبنان معلّق على ملامح أزمة مكوّنات تُنذر بتأكيد أن لبنان خــســر الـــحـــرب فـــي جـــنـــوبـــه، وأنـــــه يستعد لخسارتها أيضا في عاصمته. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» أمام بناية دمرها القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان (الشرق الأوسط) غيّرت إسرائيل بعد «طوفان الأقصى» عقيدتها الـعـسـكـريـة؛ لــم تـعـد تقبل الـتـعـايـش مــع مــا تسميه أخطارا قبالة حدودها. اختارت العبور إلى أراضي الآخرين وإقامة «مناطق آمنة». وواضح أنها اتخذت قـرارا بإخراج لبنان من الشق العسكري في النزاع معها. «الــشــرق الأوســــط» قـامـت بجولة فـي جنوب لبنان الــذي يبدو مصيره معلّقا على الحبل الممتد بـن «مضيق علي الـطـاهـر»، أو تلك التلة التي تريد إسـرائـيـل السيطرة عليها ويُشتبه فـي أن لـ«حزب الله» أنفاقا تحتها قرب مدينة النبطية، وبين مضيق هرمز الذي تهدد إيران بين الفينة والأخرى بإغلاقه. فكيف تبدو الصورة من الجنوب اللبناني؟ جالت بين ركام البيوت الجنوبية وانقسامات البيت اللبناني النبطية (جنوب لبنان): غسان شربل بائع خضار أمام أبنية مهدمة في مدينة صور (رويترز) دمار في موقع قصفته إسرائيل في الجنوب (الشرق الأوسط) دمار واسع أمام مستشفى جبل عامل في جنوب لبنان (الشرق الأوسط) يوليو الجاري (رويترز) 5 علم إسرائيل فوق مبنى في جنوب لبنان يوم

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky