يعيش الرجال في مختلف دول العالم في املتوسط أعمارًا أقصر من النساء، ويواجهون معدالت أعلى من الوفاة املبكرة بسبب أمراض يمكن الوقاية من جزء كبير منها، أو اكتشافها فــي مــراحــل مـبـكـرة. ورغـــم الـتـقـدم الكبير الــذي شهدته الرعاية الصحية خالل العقود األخيرة، ال تــــــزال صـــحـــة الــــرجــــل تــمــثــل تـــحـــديـــا صـحـيـا ومجتمعيا يستحق التوقف عنده، ليس بسبب االخـــتـــ فـــات الـبـيـولـوجـيـة وحـــدهـــا، بـــل أيـضـا نتيجة أنماط سلوكية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تعامل الرجال مع صحتهم، وطلبهم للرعاية الطبية. وتـــــشـــــيـــــر بــــــيــــــانــــــات مــــنــــظــــمــــة الـــــتـــــعـــــاون ) إلـى أن النساء OECD( االقتصادي والتنمية يعشن في املتوسط فترة أطـول من الرجال في جميع دول املنظمة تقريبا، حيث بلغ متوسط 5.2 نحو 2023 الفجوة في العمر املتوقع عـام ســـنـــوات. ويــــرى الـبـاحـثـون أن هـــذه الـفـجـوة ال يمكن تفسيرها بـالـعـوامـل الــوراثــيــة وحـدهـا، بل ترتبط أيضا بعوامل قابلة للتعديل، مثل التدخني، والسمنة، وضعف النشاط البدني، وتأخر إجـراء الفحوصات الوقائية، فضال عن الـتـردد فـي طلب الـرعـايـة الصحية عند ظهور األعراض األولى للمرض. ملـــــاذا يـعـيـش الــــرجــــال أعــــمــــارًا أقـــصـــر؟ إن الجزء األكبر من الفجوة الصحية بني الجنسني يـــرتـــبـــط بـــالـــســـلـــوك الـــصـــحـــي، ونـــمـــط الـــحـــيـــاة. فـــالـــرجـــال أكـــثـــر عـــرضـــة لـــ نـــخـــراط فـــي بعض الـسـلـوكـيـات عـالـيـة الــخــطــورة، وأقـــل مـيـ إلـى االستفادة من برامج الوقاية، والفحص املبكر. وفــــــي كـــثـــيـــر مــــن األحـــــيـــــان ال يُـــنـــظـــر إلـــى الـفـحـص الــــدوري بـاعـتـبـاره جـــزءًا مــن الـرعـايـة الـــذاتـــيـــة، بـــل يُـــؤجـــل إلــــى حـــ ظـــهـــور أعــــراض واضحة. وهنا تكمن املشكلة؛ إذ إن العديد من األمراض املزمنة تبدأ بصمت، وتستمر سنوات قــبــل أن تــعــطــي إشـــــــارات تــحــذيــريــة واضـــحـــة. وعــنــدمــا تـظـهـر األعـــــراض تــكــون بـعـض فـرص الوقاية أو العالج املبكر قد ضاعت بالفعل. رؤية وطنية لتعزيز صحة الرجل وفـــــي هـــــذا الـــســـيـــاق، يـــؤكـــد الـــبـــروفـــســـور األســــتــــاذ الـــدكـــتـــور صـــالـــح بـــن صـــالـــح، رئـيـس مجلس إدارة الجمعية السعودية لصحة الرجل )، أن قضية صحة الرجل لم تعد شأنا SSMH( طـبـيـا مــــحــــدودًا، بـــل أصــبــحــت قـضـيـة تـنـمـويـة ووطنية ترتبط بـجـودة الـحـيـاة، واإلنتاجية، واستدامة النظام الصحي، ويقول: «تمثل صحة الـرجـل فـي اململكة العربية السعودية تحديا صحيا وتنمويا فـي الوقت نـفـسـه؛ فــارتــفــاع مــعــدالت الـسـمـنـة، والـسـكـري، وأمــــــراض الــقــلــب، إلــــى جـــانـــب تـــأخـــر كـثـيـر من الرجال في طلب الرعاية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، كل ذلك يجعلنا أمام قضية ال يمكن الـتـعـامـل مـعـهـا بـاعـتـبـار أنــهــا مـــوضـــوع طبي مـــحـــدود، بــل أصـبـحـت أولـــويـــة وطـنـيـة ترتبط بجودة الحياة، واإلنتاجية، واستدامة النظام الـــصـــحـــي. وفــــي املـــقـــابـــل، تـمـلـك املــمــلــكــة الــيــوم فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في صحة الرجل، مستفيدة من التحول الصحي، والطب الــوقــائــي، والـصـحـة الـرقـمـيـة، وتـنـامـي الـوعـي املجتمعي. ورؤيــــتــــنــــا أن نــنــتــقــل مــــن مـــرحـــلـــة عـــ ج املــــــرض بـــعـــد ظــــهــــوره إلـــــى مـــرحـــلـــة اســتــبــاقــيــة تـــقـــوم عــلــى الــكــشــف املـــبـــكـــر، وتـــكـــامـــل الــرعــايــة األولــــيــــة، والـتـخـصـصـيـة، وتــأســيــس مــســارات واضحة لصحة الرجل تشمل القلب، والسكري، والــــســــمــــنــــة، والــــصــــحــــة الـــنـــفـــســـيـــة، والـــصـــحـــة الجنسية واإلنجابية، وسرطانات الرجال. وفي هذا السياق نرى أن من أهم الحلول املـمـكـنـة تـبـنّــي مـفـهـوم عـــيـــادات صـحـة الــرجــل، واســتــحــداث بــرامــج فـحـص فــي أمــاكــن الـعـمـل، وربـــــط الــصــحــة الـجـنـسـيـة بـالـصـحـة الـقـلـبـيـة، واالستقالبية، وإنشاء سجل وطني ملؤشرات صحة الرجل. إن االســـتـــثـــمـــار فــــي صـــحـــة الــــرجــــل لـيـس رفــاهــيــة طــبــيــة، بـــل إنــــه اســتــثــمــار مــبــاشــر في األســـــــــــرة، واملــــجــــتــــمــــع، واالقـــــتـــــصـــــاد، وجــــــودة الحياة». وتـؤكـد البيانات العلمية أن هـذه الرؤية ال تقتصر على الجانب النظري، بل تتمثل في مـجـمـوعـة مــن األمـــــراض، واملــشــكــ ت الصحية الـتـي ال تـــزال تحصد أرواح الـــرجـــال، أو تؤثر فــي جـــودة حـيـاتـهـم، رغـــم أن كـثـيـرًا منها قابل للوقاية، أو االكتشاف املبكر. أمراض شائعة أمـــــــراض الـــقـــلـــب. تـــظـــل أمـــــــراض الـقـلـب > واألوعـــيـــة الــدمــويــة الـسـبـب األول لـلـوفـاة على مستوى العالم. وتشير منظمة الصحة العاملية مـلـيـون وفــاة 19.8 إلـــى أنـهـا تسببت فــي نـحـو في املائة من جميع 32 ، أي ما يقارب 2022 عام في املائة من هذه 85 الوفيات العاملية. كما أن الوفيات تعود إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية. واملثير للقلق أن كثيرًا من عوامل الخطر املـــؤديـــة إلــــى أمـــــراض الــقــلــب يـمـكـن اكـتـشـافـهـا مـبـكـرًا، والـسـيـطـرة عليها، مثل ارتــفــاع ضغط الــــــــدم، وارتـــــفـــــاع الـــكـــولـــيـــســـتـــرول، والـــســـكـــري، والــتــدخــ ، والـسـمـنـة، وقــلــة الـنـشـاط الـبـدنـي. ومع ذلك، فإن عددًا كبيرًا من الرجال ال يعلمون بــإصــابــتــهــم بـــهـــذه املـــشـــكـــ ت إال بــعــد حـــدوث مضاعفات خطيرة. الصحة النفسية: حني يصبح الصمت > خــطــرًا. إذا كــانــت أمــــراض الـقـلـب تـمـثـل الـقـاتـل الجسدي األول، فإن مشكالت الصحة النفسية تـمـثـل أحـــد أكــثــر الــتــحــديــات الـصـحـيـة صمتا، وتـــعـــقـــيـــدًا. فـــاالكـــتـــئـــاب، والـــقـــلـــق، والـــضـــغـــوط النفسية ال تقل خطورة عن األمراض الجسدية، لكنها غالبا ما تحاط بدرجة أكبر من الصمت، والتردد في طلب املساعدة. وتـشـيـر منظمة الـصـحـة الـعـاملـيـة إلـــى أن ألــــف شــخــص يـــمـــوتـــون بسبب 720 أكـــثـــر مـــن االنــتــحــار سـنـويـا حـــول الــعــالــم، وأن االنـتـحـار يــعــد ثـــالـــث ســبــب لـــلـــوفـــاة بـــ الـــشـــبـــاب الــذيــن عاما. كما تُظهر 29 و 15 تتراوح أعمارهم بني البيانات في العديد من الدول أن معدالت الوفاة باالنتحار أعلى بني الرجال مقارنة بالنساء. ويــــــــرى املــــخــــتــــصــــون أن أحـــــــد األســــبــــاب الــرئــيــســة لــذلــك يـتـمـثـل فـــي تــأخــر طــلــب الــدعــم الـنـفـسـي، أو االمـتـنـاع عـنـه. فبعض الــرجــال ال يـــزالـــون يــنــظــرون إلــــى الـتـعـبـيـر عـــن الـضـغـوط النفسية أو املشكالت العاطفية على أنــه نوع من الضعف، في حني تؤكد العلوم الطبية أن طلب املساعدة النفسية يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة للحفاظ على الصحة العامة، وجودة الحياة. الـــســـرطـــان والـــفـــحـــص املـــبـــكـــر. مـــن بني > أهـم اإلنـجـازات الصحية الحديثة أن كثيرًا من أنـواع السرطان أصبحت قابلة للكشف املبكر، والعالج الفعال، إذا تم تشخيصها في الوقت املـنـاسـب. ومــن أبـــرز األمثلة على ذلــك سرطان القولون واملستقيم الذي يعد ثالث أكثر أنواع السرطانات شيوعا عامليا. ووفقا للوكالة الدولية ألبحاث السرطان، مليون حـالـة جديدة 1.9 تـم تسجيل أكـثـر مـن ، كما 2022 من سرطان القولون واملستقيم عام ألف وفاة حول 900 تسبب املرض في أكثر من الـعـالـم. ورغــم هــذه األرقــــام، فــإن هــذا الـنـوع من السرطان يُعد من أكثر السرطانات التي يمكن الــوقــايــة مـنـهـا، أو اكـتـشـافـهـا مـبـكـرًا مــن خـ ل برامج الفحص املنتظمة. وتــــــوصــــــي مــــــراكــــــز مــــكــــافــــحــــة األمــــــــــراض ) ببدء الفحص CDC( والوقاية منها األميركية 45 املـنـتـظـم ملـعـظـم الـبـالـغـ اعــتــبــارًا مـــن عـمـر عـامـا، مـع مـراعـاة عـوامـل الـخـطـورة، والتاريخ العائلي. أمــا سـرطـان الـبـروسـتـاتـا، فيعد مـن أكثر الـــســـرطـــانـــات شــيــوعــا بـــ الــــرجــــال. وتــوصــي الهيئات العلمية بأن يناقش الرجال، خصوصا عــامــا، خـــيـــارات الـفـحـص مع 69 و 55 بــ ســن أطـبـائـهـم التــخــاذ الـــقـــرار األنــســب وفـــق عـوامـل الــــخــــطــــورة الـــــفـــــرديـــــة. والـــــهـــــدف لـــيـــس إجــــــراء الـفـحـوصـات بــصــورة عـشـوائـيـة، بــل الــوصــول إلـــى تــــوازن بــ فــوائــد الـكـشـف املـبـكـر وتجنب التدخالت غير الضرورية. • الــســمــنــة والــــســــكــــري. وهـــــي مــــن أخــطــر عـــوامـــل الــخــطــر عــلــى صــحــة الـــرجـــل. وشــهــدت العقود األخـيـرة ارتفاعا ملحوظا فـي معدالت الـسـمـنـة، وزيــــادة الــــوزن عـلـى مـسـتـوى الـعـالـم، وأصـــبـــحـــت هــــذه الـــظـــاهـــرة أحــــد أهــــم الــعــوامــل املـــســـاهـــمـــة فـــــي انــــتــــشــــار األمـــــــــــراض املـــزمـــنـــة. فالسمنة ترتبط ارتباطا وثيقا بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الـدم، وبعض أنواع الـــســـرطـــان. وفـــي املـمـلـكـة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة أظهرت بيانات الهيئة العامة لإلحصاء لعام 15 أن نسبة السمنة بـ الـسـكـان بعمر 2024 في املائة، بينما بلغت 23.1 سنة فأكثر بلغت في املائة. وهـي أرقـام 45.1 نسبة زيــادة الــوزن تعكس حجم التحدي الصحي املرتبط بأنماط الحياة الحديثة. كـــمـــا تـــشـــيـــر بــــيــــانــــات االتــــــحــــــاد الــــدولــــي لـلـسـكـري إلـــى أن مــعــدل انــتــشــار الــســكــري بني في املائة، 23.1 البالغني في اململكة يبلغ نحو وهـــو مــن أعـلـى املــعــدالت عـاملـيـا. وتـعـكـس هـذه املـــــؤشـــــرات أهـــمـــيـــة تـــعـــزيـــز الـــنـــشـــاط الـــبـــدنـــي، وتحسني العادات الغذائية، والحد من عوامل الــخــطــر الــتــي تــــؤدي إلــــى اإلصـــابـــة بـــاألمـــراض املزمنة. • الــصــحــة الـجـنـسـيـة: رســـالـــة مــبــكــرة من الـجـسـم. ال تقتصر صـحـة الــرجــل عـلـى القلب، أو الــــوزن، أو الـفـحـوصـات الـــدوريـــة، بـل تشمل أيـــضـــا الـــصـــحـــة الــجــنــســيــة الـــتـــي تــمــثــل جــــزءًا مــهــمــا مـــن الــصــحــة الـــعـــامـــة، وجــــــودة الــحــيــاة. وتشير دراسات عديدة إلى أن بعض املشكالت الجنسية قد ال تكون مجرد مشكالت موضعية، بـل قـد تمثل أحيانا مـؤشـرًا مبكرًا على وجـود أمـراض كامنة، مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب واألوعية الدموية. ومن األمثلة املعروفة في هذا املجال ضعف االنـتـصـاب الـــذي قـد يـكـون فـي بعض الـحـاالت إحدى العالمات املبكرة على وجود اضطرابات وعائية أو استقالبية تحتاج إلى تقييم طبي. ونظرًا ألهمية هذا املوضوع، وتشعب جوانبه الـطـبـيـة، والـنـفـسـيـة، واالجــتــمــاعــيــة، فـإنـنـا لن نتوسع في مناقشته هنا، على أن نفرد له مقاال مستقال في عدد قادم. التردد في استشارة الطبيب ملــــــــاذا يــــتــــأخــــر الــــــرجــــــال فـــــي زيـــــــارة > الطبيب؟ ربما يكون هذا السؤال هو جوهر األزمــــــة الــصــحــيــة الــصــامــتــة لــــدى الـــرجـــال. فالدراسات تشير إلى أن النساء أكثر ميال إلـــى اســتــخــدام خــدمــات الــرعــايــة الصحية، واإلبـــــــ غ عـــن املـــشـــكـــ ت الــصــحــيــة مـقـارنـة بالرجال. وتـــتـــداخـــل فـــي ذلــــك عـــوامـــل مــتــعــددة، بــــعــــضــــهــــا ثــــــقــــــافــــــي، وبـــــعـــــضـــــهـــــا نــــفــــســــي، واجـــتـــمـــاعـــي. فــهــنــاك مـــن يـــربـــط بـــ الــقــوة والــــــقــــــدرة عـــلـــى تـــحـــمـــل األلـــــــــم، أو تــجــاهــل األعــــــــراض، بـيـنـمـا يــــرى آخــــــرون أن الــوقــت أو االلـتـزامـات املهنية ال تسمح باالهتمام بالصحة إال عند الضرورة القصوى. لـكـن الـــواقـــع الـطـبـي يــؤكــد أن كـثـيــرًا من األمـــراض الخطيرة ال تبدأ بـأعـراض شديدة، بــل بــمــؤشــرات بسيطة يـمـكـن الـتـعـامـل معها بسهولة إذا تـم اكتشافها مـبـكـرًا. ولـذلـك فإن تــأخــيــر الــفــحــص أو االســـتـــشـــارة الــطــبــيــة قد يحوّل مشكلة بسيطة إلى أزمة صحية معقدة. • الـرجـولـة الصحية تـبـدأ بـالـوقـايـة. في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية، وتتطور فيه وسائل الوقاية، والتشخيص، والعالج، فــإنــه لـــم يـعـد هــنــاك مــبــرر أن تـبـقـى كـثـيـر من األمــــراض الـخـطـيـرة مجهولة حـتـى مراحلها املـــتـــقـــدمـــة. وصــــحــــة الــــرجــــل لـــيـــســـت اخـــتـــبـــارًا للتحمل، وليست دليال على القوة، أو الضعف، بـــــل هـــــي مـــســـؤولـــيـــة شـــخـــصـــيـــة ومــجــتــمــعــيــة تتطلب الوعي، واملتابعة، والوقاية. إن كـــثـــيـــرًا مـــــن األمــــــــــراض الــــتــــي تـحـصـد أرواح الـــرجـــال ال تــبــدأ بـــأعـــراض خــطــيــرة، بل تبدأ بفرصة ضائعة للفحص املبكر، أو زيارة مــؤجــلــة لــلــطــبــيــب. ولـــذلـــك فــــإن حــمــايــة صحة الرجل ال تبدأ داخـل املستشفى، بل تبدأ بقرار شخصي باإلنصات للجسد قبل أن يضطر إلى إطالق إنذار متأخر. وال تكمن الشجاعة الحقيقية في تجاهل األعـــــراض، أو تـأجـيـل الـفـحـص، بــل فــي اتـخـاذ الـــقـــرار الـصـحـيـح فـــي الـــوقـــت املــنــاســب. وربـمـا يـكـون أفـضـل استثمار يمكن أن يقدمه الرجل لــنــفــســه وألســـــرتـــــه هــــو أن يـــمـــنـــح صـــحـــتـــه مـا تستحقه من اهتمام قبل أن تضطره الظروف إلى ذلك. ولنتذكر دائما أن كثيرًا من الرجال ال يموتون بسبب املرض وحده، بل بسبب التأخر في اكتشافه. *استشاري طب املجتمع Issue 17384 - العدد Friday - 2026/7/3 اجلمعة صحتك HEALTH 17 التردد في استشارة الطبيب يؤدي إلى أعمار أقصر وتدني جودة الحياة السعودية تمتلك فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في ظل استدامة النظام الصحي تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة واإلنتاجية *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة البروفسور صالح بن صالح مراقبتهم من خالل التطبيقات الهاتفية تودي بهم إلى القلق وفقدان الثقة تتبُّع األبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية كــشــف اســتــطــ ع لـــلـــرأي لـبـاحـثـ من University of Michigan جامعة ميتشيغان بــالــواليــات املــتــحــدة، نُــشــر أخــيــرًا فــي شهر يونيو (حــزيــران) املـاضـي، عـن عــدم جـدوى تــتــبــع األبــــنــــاء رقــمــيــا مـــن خــــ ل تـطـبـيـقـات الـهـواتـف الـذكـيـة، الـتـي تـوفـر معرفة أماكن وجودهم. وقال الباحثون إن هذا التتبع في األغلب يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة قلق اآلباء وشعور األبناء بفقدان الثقة. وأظهر االستطالع الذي أجري في شهر فـبـرايـر (شــبــاط) مـن الـعـام الـحـالـي، وشمل مـن اآلبـــاء األميركيني، 1500 مـا يـزيـد على أن التتبع منتشر بني آبــاء املراهقني الذين عــامــا، أكثر 20 و 18 تـــتـــراوح أعــمــارهــم بــ من آباء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بني عاما. وتم سؤال اآلبـاء بالتفصيل، 25 و 21 عـــن تـطـبـيـقـات الـــهـــواتـــف الـــذكـــيـــة الـخـاصـة بـمـشـاركـة املــوقــع، وهـــل يستخدمونها من عـــدمـــه؟ وعــــن الـــدافـــع الــرئــيــســي الســتــخــدام هــذه التطبيقات؟ وهــل يتم اسـتـخـدام هذه التطبيقات بموافقة األبناء؟ وهل ساهمت في طمأنتهم من عدمه؟ تتبع رقمي شائع أظهرت النتائج، أن تتبع مواقع األبناء مــــن األمـــــــور الـــشـــائـــعـــة فــــي أوســـــــاط اآلبــــــاء، خاصة في فترة املراهقة ومشارف البلوغ، حيث بلغت نسبة اآلباء الذين قاموا بتتبع فــي املــائــة تـقـريـبـا، وفـي 50 مــوقــع أبـنـائـهـم 25 املـقـابـل، كـانـت هـنـاك نسبة منهم بلغت في املـائـة، قالوا إن هـذا التتبع يثير قلقهم أحيانا أكثر من طمأنتهم، وفي األغلب تتبع اآلباء بناتهم أكثر من أبنائهم. وقـــــــال اآلبــــــــــاء، إن الـــقـــلـــق هـــــو الــــدافــــع الرئيسي وراء استخدامهم هذه التطبيقات، ودائـمـا هناك مخاوف تتعلق بأمن األبناء مــــثــــل، هـــــل وصـــــلـــــوا بـــــســـــ م؟ هـــــل هـــــم فــي املـكـان الــذي وعـــدوا بالوجود فيه؟ وأفــادت في املـائـة، بأنهم 68 نسبة من اآلبــاء بلغت يستخدمون أجهزة التتبع لطمأنة أنفسهم، في املائة إنهم يستخدمونها 64 بينما قال فـقـط تحسبا لــحــدوث حـالـة طــــوارئ، وذكــر في املائة منهم أن ذلك للتأكد من وجود 17 أبنائهم في مكان يعدونه آمنا. وأشــــــــــارت نـــســـب أقــــــل إلــــــى اســـتـــخـــدام الــخــاصــيــة لـلـبـقـاء عــلــى اطـــــ ع بــمــا يفعله أطفالهم، أو للتأكد من وجودهم في أماكن 11 يوافق عليها اآلباء. والجدير بالذكر أن فــي املــائــة مــن اآلبـــــاء، الــذيــن تـتـبـعـوا موقع أطفالهم، قالوا إنه ليس لديهم سبب محدد للقيام بذلك. أكــد جميع اآلبـــاء تقريبا، أن أبناءهم كـانـوا على علم بــاألمــر، ومــع ذلـــك، قــال أقل مـــن نـصـفـهـم إنـــهـــم مــنــحــوا أبـــنـــاءهـــم خـيـار رفض مشاركة املوقع. من جهتهم قال اآلباء الرافضون الستخدام تطبيقات التتبع، إن التتبع يُــعـد انـتـهـاكـا لخصوصية األبــنــاء، وقــــال نـصـفـهـم أيــضــا إنـــه قـــد يــعــوق تنمية االســـتـــقـــ لـــيـــة، واملــــســــؤولــــيــــة الــشــخــصــيــة، ويـــــــــؤدي إلــــــى حـــــــدوث خـــلـــل فـــــي عــ قــتــهــم بأبنائهم. وتــــم ســـــؤال اآلبــــــاء عـــن الـــوقـــت املُــفــعــل ملعرفة مـوقـع األبــنــاء، وأفـــاد أكـثـر مـن ثلثي اآلبـــــاء الـــذيـــن يـسـتـخـدمـون هـــذه الـخـاصـيـة بأنها مفعلة بشكل دائم، بينما يستخدمها أقل من الثلث في حـاالت محددة فقط، مثل وجود ابنهم أو ابنتهم خارج املنزل في وقت متأخر من الليل، أو في مكان غير مألوف، أو عند استخدام خدمة مشاركة الركوب أو سيارة أجرة، أو عند قضاء وقت مع شخص غريب. حذر الباحثون اآلبـاء، من املبالغة في تقدير قدرتهم على توفير األمــان ألبنائهم عـــن بــعــد، إذ وعــلــى الـــرغـــم مـــن أن الـشـعـور بـــاألمـــان بـمـعـرفـة مـكـان وجـــــود األبـــنـــاء قد يكون مطمئنا، فإنه في حقيقة األمر مجرد شـــعـــور زائـــــف بــــاألمــــان، ألن مـــجـــرد مـعـرفـة املـــــكـــــان ال يـــعـــنـــي إمـــكـــانـــيـــة الــــتــــدخــــل وقـــت الخطر الحقيقي، وأكد الباحثون أن معرفة املعلومات عن أماكن وجـود األطفال بشكل مستمر تساهم في زيادة اإلحساس بالقلق. اإلفراط في الحماية أوضحت الـدراسـة، ان أسلوب التربية املــــفــــرطــــة فــــي الـــحـــمـــايـــة، ال يـــعـــلـــم األطــــفــــال االسـتـقـ لـيـة واالعــتــمــاد عـلـى الـــــذات، ولكن يجعلهم غير قادرين على اتخاذ أي قرارات مهما كـانـت بسيطة، ويـجـب عليهم اتخاذ قـــرارات مسؤولة بأنفسهم، (حتى لو كانت قـــرارات خاطئة) ألن ذلــك هـو مـا سيجعلهم أكثر أمـانـا فـي املستقبل. وعندما ال يتمتع األطفال الصغار، وخاصة األكبر عمرًا منهم، باالستقاللية التــخــاذ قــراراتــهــم بأنفسهم، فقد يؤدي ذلك إلى توتر العالقة مع آبائهم ويساهم في خلق شعور بانعدام الثقة. ويدفع التتبع املستمر للموقع، اآلبـاء إلى التدخل في إدارة حياة أبنائهم اليومية، مـتـسـائـلـ عـــن سـبـب غـيـابـهـم عـــن املــدرســة أو مواعيد الطبيب أو العمل بعد التخرج، ومـــع هـــذا الــنــوع مــن املــراقــبــة، يفقد املـراهـق السيطرة على جـدولـه الـزمـنـي والـتـزامـاتـه، ويقل شعوره باملسؤولية تجاه بناء حياته كشخص بالغ مستقل. نــصــحــت الــــــدراســــــة، بـــــضـــــرورة إجـــــراء حــــوار بـــ اآلبـــــاء واألبــــنــــاء، حــــول الـطـريـقـة التي تحقق املوازنة بني اطمئنان اآلباء على أطفالهم، وفي الوقت نفسه ال تتعارض مع خصوصية األبــنــاء وفــقــدان استقالليتهم، مـثـل أن يـكـون التحكم فــي مـشـاركـة املـواقـع اختياري بالنسبة لألبناء. وقـــــال الـــبـــاحـــثـــون إن األبــــنــــاء يمكنهم تفعيل خاصية التتبع في وقـت إحساسهم بالخطر فقط، أو يمكن االتفاق على أوقـات معينة لتفعيل خاصية التتبع، مثل األوقات املتأخرة ليال فقط، كما يمكن أن يقوم األبناء بـمـشـاركـة موقعهم مــع صـديـق مــوثــوق بـه، ويجب أال يكون التتبع هو اإلجـراء الوحيد املتخذ. ومــــــــــن الـــــنـــــتـــــائـــــج غـــــيـــــر املــــتــــوقــــعــــة لــ ســتــطــ ع، أن الـتـتـبـع غـالـبـا مـــا يـكـون مـــتـــبـــادالً، وقــــال نــصــف اآلبـــــاء تـقـريـبـا إن أبــنــاءهــم املــراهــقــ يتتبعون مـواقـعـهـم، وربـــــمـــــا يــــكــــون ذلــــــك لـــرغـــبـــة األبـــــنـــــاء فـي االطـــمـــئـــنـــان عـــلـــى آبـــائـــهـــم خــــاصــــة كــبــار الـــســـن، وقــــال الــبــاحــثــون إن اآلبـــــاء يمكن أن يستفيدوا مـن هـذا التفكير، فـي شرح األسـبـاب التي تدعوهم ملتابعة أبنائهم، بسبب الرغبة في الطمأنينة وليس للشك في سلوك األبناء أو مراقبتهم. * استشاري طب األطفال *القاهرة: د. هاني رمزي عوض
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==