الثقافة CULTURE 18 Issue 17374 - العدد Tuesday - 2026/6/23 الثلاثاء اليحيائي يقدم الأحداث كمادة أدبية للرواية «حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن صــــــدرت مــــؤخــــرا عــــن «دار عــــرب» فـــــي الــــعــــاصــــمــــة الـــبـــريـــطـــانـــيـــة لــــنــــدن، روايـــة «حـوالـيـس» للكاتب والإعـامـي الـعُــمـانـي الــدكــتــور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي. تــأتــي هـــذه الـــروايـــة لـتـؤكـد مـجـددا الـحـضـور الــســردي لليحيائي، الحائز على جائزة «كتارا» للرواية العربية عام عن روايته «الحرب»، مستفيدا من 2023 خلفيته المهنية كصانع أفــام ومصور ومــــحــــقــــق صـــــحـــــافـــــي، وهــــــــي الــــعــــوامــــل الـتـي انعكست بــوضــوح عـلـى انشغاله بالتاريخ العماني وإعادة تأمله. صــفــحــة، 260 تـــقـــع الــــــروايــــــة فــــي وتـــمـــيـــل إلـــــى الــتــكــثــيــف والاقــــتــــصــــاد، مـــع اعــتــمــاد الـــحـــوار الـــداخــلـــي وتــعــدد مـــســـتـــويـــات الـــــســـــرد، وهـــــو مــــا يـجـعـل الــــــقــــــارئ شـــريـــكـــا فـــــي إعـــــــــادة تــركــيــب الأحداث، لا مجرد متلق لها. اســـــتـــــلـــــهـــــم الـــــيـــــحـــــيـــــائـــــي عـــــنـــــوان روايـتـه من المـــوروث الشعبي العُماني والــخــلــيــجــي؛ إذ إن «حـــوالـــيـــس» هي لـــعـــبـــة تـــقـــلـــيـــديـــة يـــشـــبـــهـــهـــا الـــبـــعـــض بـالـطـاولـة، يمارسها الـصـيـادون عبر حـــفـــر فــــي الـــــرمـــــال وتـــحـــريـــك الـــقـــواقـــع والحجارة. ويحمل هذا الاختيار دلالة رمزية لافتة، حيث تبدو الرواية أشبه بــــرقــــعــــة تـــاريـــخـــيـــة تـــــــــتـــــــــداخـــــــــل فــــيــــهــــا الإرادات والأقــــــدار، وتـــــتـــــحـــــرك عـــلـــيـــهـــا الـــشـــخـــصـــيـــات بــن الــتــقــدم والـــتـــراجـــع، والربح والخسارة، والـــــــــــــــصـــــــــــــــراع بــــن السلطة والقبيلة. تفتتح الـروايـة صفحاتها بعبارة شــــهــــيــــرة لــــلــــروائــــي الــــبــــيــــروفــــي مـــاريـــو بـــــــارغـــــــاس يــــوســــا: «الــــــــروايــــــــة تــــدريــــب عــــــلــــــى الـــــــحـــــــريـــــــة»، لتكشف سريعا عن ملامح لعبة روائية مـبـتـكـرة تـتـنـقـل بـــالـــقـــارئ عــبــر فـضـاء زمــنــي مـمـتـد لأكــثــر مــن قــــرن؛ يــبــدأ من أواخر القرن التاسع عشر وصولا إلى تسعينات القرن العشرين. تنطلق «حواليس» من فكرة سردية وتقنية روائية مغايرة في بناء النص الأدبـــي (تـعـدد الأصــــوات وكـسـر الـجـدار الرابع بين المؤلف ونصّه)؛ وشخصيات الرواية لا تعيش داخل الحدث فحسب، بل تُبدي وعيا مقلقا بكونها شخصيات مكتوبة، تعلّق على فعل السرد نفسه، ومشدودة إلى كاتب يمنحها الحياة أو يحجب عنها مصائرها. وبلغة دقيقة ومشحونة بالتوتر، تــــفــــكــــك «حـــــــوالـــــــيـــــــس» بـــــنـــــى الــــعــــنــــف السياسي، والــولاء، والخيانة، وتعيد مـسـاءلـة مفاهيم الـبـطـولـة والشرعية والــــــــتــــــــاريــــــــخ الـــــــرســـــــمـــــــي، مــــــــن خـــــال شخصيات تقف على تخوم السلطة أو في ظلالها. تـــؤدي شخصيات الــروايــة أدوارا ســـيـــاســـيـــة واجـــتـــمـــاعـــيـــة وإنـــســـانـــيـــة، أبــرزهــا شخصية «الـقـومـنـدان»، وهو جــنــرال سـابـق يـرمـز إلـــى فـئـة أسهمت فــي بـنـاء الــدولــة الـحـديـثـة، وتقاطعت أدوارهـــــــــــــــــــا مـــــــع الــــســــلــــطــــة والـــــنـــــفـــــوذ الاقــتــصــادي. وكــذلــك الـشـيـخ عـبـد الله بن راشد، الذي اغتيل بطعنات خنجر غامضة بعد عقود من نضاله؛ ويجسد تــــيــــارا مــــن تــــيــــارات المـــقـــاومـــة الـقـبـلـيـة والشعبية للتدخلات الأجنبية، وبين هـــــاتـــــن الـــشـــخـــصـــيـــتـــن يـــــأتـــــي أبــــنــــاء الشيخ عبد الله ومساعد القومندان، الـــــذيـــــن يــــوســــعــــون مــــســــاحــــة الــــحــــوار داخـــل الــروايــة، بما يـعـزز الــتــوازن بين الذاكرة الجماعية والواقع الاجتماعي وتحولاته على مدى نصف قرن. الرواية والتاريخ نــــجــــح الـــــــروائـــــــي الـــيـــحـــيـــائـــي فــي روايــــتــــه «حـــوالـــيـــس» فـــي إنـــتـــاج عمل أدبــــــي جــــــريء يـــــــزاوج بــــن الــســيــاســي والإنساني، ويؤكد قـدرة الرواية على مساءلة الذاكرة الجماعية دون الوقوع في خطاب آيديولوجي مباشر، وتضع الـــروايـــة الـــقـــارئ مــبــاشــرة أمــــام الثمن الإنساني الباهظ للتحولات الكبرى، لتطرح سؤالين جوهريين: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يملك حق روايته؟ سبق لليحيائي أن قال في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عن اهتمامه بـــــتـــــقـــــديـــــم الـــــحـــــدث الـــتـــاريـــخـــي كـــمـــادة أدبـــيـــة لـــلـــروايـــة، إن «كــــــــــل كـــــتـــــابـــــة هـــي نــــــــــــص تــــــاريــــــخــــــي. لكن الــروايــة ليست وثـــيـــقـــة تـــاريـــخـــيـــة. والـــــــروايـــــــة تـنـهـض عـــــــــــلـــــــــــى الـــــــــــحـــــــــــدث الـــــــتـــــــاريـــــــخـــــــي. ولا تــــــوجــــــد روايـــــــــــــة لـــم تـنـهـض عـلـى حـدث تاريخي». وقــــــــــــــــــال: «أنـــــــــا مــــهــــتــــم بــــالــــتــــاريــــخ إجــــمــــالاً، وبــتــاريــخ عُـــــمـــــان عــــلــــى نــــحــــو أخـــــــــص، ودارس لـــلـــتـــاريـــخ، وأظــــــن أن تـــاريـــخـــنـــا مــــادة خــام لـم نحسن، حتى الآن، توظيفها فــي أعــمــال أدبــيــة وفـنـيـة، بـمـا فــي ذلـك المسرح والسينما، لكن من المهم التنبه إلى أن الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية وحدهما لا يكفيان لكتابة روايـــــة أو إنـــتـــاج عــمــل فـــنـــي، بـــل ربـمـا يكون التاريخ معيقا لذلك، إذا لم نمتلك الــقــدرة على نقد الـتـاريـخ ومساءلته، وإذا لم نمتلك حرية الخيال في تهشيم المـــقـــدس فـــي تــاريــخــنــا وفــــي مـاضـيـنـا وجعله عادياً، بل ومادة للعب». من أجواء الرواية «هــــــل شـــعـــرنـــا بــــالإحــــبــــاط لأنـــهـــا أخـــــذتـــــه مــــنــــا؟ نــــعــــم، ولــــكــــن بــــدرجــــات متفاوتة، تفاوت المكانة التي يحتلها كــــــل واحــــــــــد مــــنــــا فــــــي الـــــــــروايـــــــــة، كــمــا ســتــكــتــشــفــون بــأنــفــســكــم، إذا مــــا عـــاد إلـــى الــكــتــابــة، وإذا مـــا قُـــــدّر لمـصـائـرنـا أن تمضي إلــى نهايتها، ولـلـروايـة أن تنشر». الدمام: ميرزا الخويلدي كاظم غيلان يكتب سيرة الناس والمدينة في زمن المحنة واليأس هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد مــقــاصــد أســـاســـيـــة انـــطـــوى عليها 3 كـــتـــاب يـــومـــيـــات كـــاتـــب عــــرايــــض: «كـــوديـــا » للكاتب 2026 : للنشر والتوزيع – بغداد والــشــاعــر الــعــراقــي كــاظــم غـــيـــان. يتَّصل الأول بــــــالأصــــــل «الــــشــــعــــبــــي» المـــقـــصـــود لــوظــيــفــة «الــعـــرضـــحـــالـــجــي»، وهــــي مهنة كـتـابـة «الـــعـــرايـــض» أو «الـــعـــرائـــض» التي يـتـولاهـا «شــخــص» متعلِّم يـعـرف أصــول كــتــابــة «الـــشـــكـــاوى» بــصــيــاغــات قـانـونـيـة مـعـروفـة. وكـاتـب «الــعــرايــض» يـأخـذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حـكـومـيـة، غــالــبــا، حـــال المـشـتـكـي. وكـتـاب «غـــيـــان» يـلـتـزم فـــي أغــلــب مـفـاصـلـه بـهـذا المــعــنــى والــوظــيــفــة لــكــاتــب الــــ«عـــرايـــض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيرا فـي الـدلالـة الـسـرديـة لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية لــلــكــاتــب والمــجــتــمــع الـــعـــراقـــي الـــــذي عــاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المــحــاصــريــن. وهــــو، كــذلــك، ســيــرة ثقافية لـلـبـاد ومـثـقـفـيـهـا. وفـــي الـــدلالـــة الأخــيــرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «الـــتـــدويـــن» الـــيـــومـــي، الـــعـــشـــوائـــي، ربــمــا، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور. كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟ فـــــي الــــــبــــــدء، ثــــمــــة خـــشـــيـــة أولــــــــــى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مــمــاثــلــة لمــنــطــق شـــــاع فــــي عــــــراق مــــا بـعـد صـــــدام، وفـــي زمـــن مـحـايــث لـــه أيـــضـــا، عن كـتـابـة «المــــذكــــرات» و«الــســيــر» الشخصية لــشــخــصــيــات ســيــاســيــة، وحـــتـــى ثـقـافـيـة، غلب عليها الـكـذب والافـتـعـال، بـل الرغبة الـــشـــديـــدة بــالانــتــقــام وتــمــريــر «بـــطـــولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المـذكـرات في مـجـتـمـعـات مـــا بـعـد الــديــكــتــاتــور؛ فنجده يــســأل نــفــســه: «مـــــاذا ســأكــتــب؟ سيغضب الـــبـــعـــض... وربـــمـــا يـــفـــرح الـــبـــعـــض». فهل هـــذا مــســوِّغ كــــاف لـكـتـابـة تـخــوض عميقا فـــي «الــــشــــر» و«الـــخـــيـــر» عــلــى الــــســــواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتما كثيرا بالإجابة قدر اهتمامه بـإظـهـار أقـصـى قــدر مـن الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كـــاتـــب عــــرايــــض، فــيــعــدنــا بــــــأن: «ســـأقـــول مــا يمليه عــلــي ضـمـيـري ولـلـوقـائــع التي عشتها». لــكــن الــكــتــابــة عـــن حـــافـــة المـــــوت قـهـرا وتــعــســفــا لا تــــســــاوي مـــســـألـــة الــــصــــدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما فـي حـالـة الكتابة السيرية فـي ظـل سلطة قــــاهــــرة، وعــنــهــا لاحـــقـــا؛ ثــمــة مـــا هـــو أهــم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الــــذاتــــيــــة كـــمـــا يـــفـــتـــرض فــيــلــيــب لـــوجـــون. والمــيــثــاق هـنـا يــتــحــدَّد بـــالأصـــول الـثـاثـة الــرئــيــســة الــتــي بـــدأنـــا بــهــا هــــذه المــراجــعــة لـــكـــتـــاب أســــاســــي كـــمـــا نـــــــرى. وهـــــو كــذلــك لأنـــه يتخطى عقبة الــثــأر أو الانــتــقــام من كــتَّــاب ومـثـقـفـي الـعـهـد الـبـعـثـي، لينشغل بـمـا هــو أســاســي، بالضبط بـمـا، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بـحـيـاة الــنــاس فــي ظــل حـكـم الـديـكـتـاتـور. هـــذا أمـــر ذو فـــائـــدة أســاســيــة. ولــكــن لمـــاذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كـبـرى لسببين. يـخـتـص الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّانا يجمع شكاوى الــنــاس الـيـومـيـة، الشخصية والـرسـمـيـة، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية. وفـــي تـلـك «الـــعـــرايـــض» نـجـد الـحـيـاة الـيـومـيـة الـحـقـيـقـيـة لـلـنـاس بـــا زيـــــادة أو نـــقـــصـــان. وقــــــد تــــكــــون تـــلـــك «الــــعــــرايــــض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثارا يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همسا في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أن العريضة تُكتب بـــمـــوجـــب مــــوافــــقــــات حـــكـــومـــيـــة أصـــولـــيـــة، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيرا فـي حياة الـنـاس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُــــعــــد ولا تُـــحـــصـــى. ويــــؤلــــف «الـــشـــكـــل» الـلـسـانـي للعريضة سببا ثـانـيـا لمـا يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فـــهـــي بـــعـــض خــــطــــاب الـــســـلـــطـــة، وبـــعـــض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الــشــعــبــيــة. نـــحـــن، هـــنـــا، إزاء «يـــومـــيـــات» منتظمة يـؤلـفـهـا كــاتــب «الـــعـــرايـــض»، كل صـــبـــاح يــعــيــد صـــيـــاغـــة حـــكـــايـــات الـــنـــاس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أم تشكو أبــا «يــزنــي»، يوميا بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب الـعـفـو الأول وهــــو، ذاتــــه، الــوحــيــد الــقــادر على إنـهـاء حياة أي «مـواطـن» فـي بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد. حــــيــــاة كــــامــــلــــة نــــتــــعــــرَّف عـــلـــيـــهـــا فــي يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغـــــم ذلــــــك، فــــي بـــــاد الـــــــواق واق، نــعــرف مـنـهـا «الـــوجـــه الآخـــــر» لــحــيــاة عـــراقـــي في أقـــســـى الأزمـــــنـــــة، زمـــــن الــــجــــوع والـــحـــاجـــة المـاسـة للفرار مـن الـبـاد، وهـو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب الـــعـــرايـــض يــعــود بــنــا إلــــى لـحـظـة عـراقـيـة سابقة سبق لــي، شخصياً، أن استمعت لمـلـخـصـات عـنـهـا، كـــان ذلـــك بُــعـيـد احـتـال الــــبــــاد، وكــــــان صــاحــبــهــا فــــــؤاد الــتــكــرلــي يـــشـــرح لـــــي، فــــي مـــكـــان بــعــيــد عــــن الـــبـــاد التي طحنتنا، كيف أن باب المحكمة التي دخـلـهـا قــاضــيــا، هـــو نـفـسـه بـــاب الـحـكـايـة المختلفة فــي عـــراق الـخـمـسـيـنـات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجـه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخـــر»، كناية كلية عـن المنظور المختلف لـــلـــحـــكـــايـــة، عـــــامـــــة، ولـــلـــقـــصـــة المـــــفـــــارِقـــــة، جــذريــا، عـن قصص الـيـسـار الـعـراقـي ذات الـصـيـاغـات الــســرديــة الــجــاهــزة. كـــان بـاب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي فــــي تـــلـــك الـــحـــقـــبـــة، والمـــحـــكـــمـــة وعـــوالمـــهـــا الرهيبة كـانـت هـي روح وجـوهـر «الـوجـه الآخـــر» فـي قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب الـعـرايـض؛ فقد أعفته مـن ذلـك الــ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحــكــايــاتــهــم «عـــرائـــضـــهـــم»، وهــــو نـفـسـه، ربما، عالم السلطة القبيح. عن حياة الليل الشحيحة فــــي مـــقـــابـــل حــــيــــاة الــــنــــهــــار المــشــبــعــة بــــالــــيــــأس والمـــــراقـــــبـــــة والــــتــــحــــايــــل، أيـــضـــا ثـمـة عــالــم الـلـيـل وحــيــاة المـديـنـة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات الـسـكـارى والمـشـرديـن وصعاليك الـــحـــيـــاة والـــشـــعـــر عــلـــى الـــــســـــواء. لا فــــرق؛ فالليل أرشـيـف الـحـكـايـات المـؤجـلـة، وهو كـــذلـــك مـــيـــدان زوار الــلــيــل وبــــوابــــة كـبـرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح الــســيــرة الأخـــــرى لـلـمـديـنـة، مــمــا لا يمكن ذكـــره أو مـعـاقـرتـه نــهــاراً. أفــكِّــر بـــأن حياة المـديـنـة لـيـا هــو يومياتها المـلـغـاة، وهـي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبد بالبلاد وناسها. هذا بعض مــا تــقــدِّمــه يـومـيــات المـديـنــة الـنـائـمـة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نـفـسـهـا؛ ثـمـة صــــورة بــانــورامــيــة موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونـرى في تفاصيلها وجـوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع. أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعرا شعبيا قـــادمـــا مـــن هـــوامـــش الـــجـــنـــوب الــعــراقــي الــفــقــيــر والمـــقـــصـــي إلــــى مــديــنــة مـسـيَّــجـة بـالـحـرس والـلـيـل والـشـكـوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة الــبــاد، وهـــي مـكـان السلطة بأجهزتها المختلفة. هــذه حقيقة أسـاسـيـة حاكمة ومتحكمة بإشكالية أيــة «يـومـيـات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً. أتحدَّث هنا عن «المـكـان» أو «الموقع» الــــذي ســيــرى مــن خــالــه الــكــاتــب للمدينة الــتــي تـقـصـيـه، بينما يــرتــاب بــه حاكمها وعــســســه. المـلـمـح الأول والأســـاســـي شكل الـــســـكـــن ومـــوقـــعـــه. أقــــــول «شــــكــــل» الـسـكـن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره مـن شعراء وكــتَّــاب الـهـوامـش الـعـراقـيـة، لا يـجـد بيتا يـــســـتـــأجـــره ونــــجــــده يـــتـــخـــذ مــــن الـــفـــنـــادق الرخيصة مكانا للسكن والحياة. وسكان أو شـاغـلـو الــفــنــادق، لا سـيَّــمـا الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الـطـارئـون عليها المـعـرَّضـون للطرد منها في أي لحظة. وســــيــــكــــون الــــفــــنــــدق الــــرخــــيــــص فــي «المـــــيـــــدان»، وســــط بـــغـــداد، مــوقــعــا مـثـالـيـا لــلــكــتــابــة ورؤيـــــــة هــــوامــــش بــــغــــداد. هــكــذا سيكتب المهمشون أنفسهم عـن فنادقهم وحياتهم الـرثـة، وسيكتب الـراحـل «ناظم الـــســـعـــود» عـــن ظـــاهـــرة «أدبــــــاء الـــفـــنـــادق»، كما سيكتب المسرحي والـشـاعـر العراقي «عــبــد الــخــالــق كــيــطــان» عـــن الــظــاهــرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. مـن تلك الغرفة الفقيرة سنرى بـغـداد في لـيـالـيـهـا المـلـتـهـبـة. ورغــــم ذلـــك لا نـجـد في يوميات كـاتـب الـعـرايـض بغضا للمدينة ولا كرها لناسها؛ ولِــم الـكـره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحـه في بـغـداد الـشـاسـعـة. ولا شــيء ســوى الشعر وشـــكـــاوى الـــنـــاس والــخــمــر الــرخــيــص في الليالي المتخمة باليأس. «يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حـقـا؛ أسـهـمـت عــوامــل كـثـيـرة فــي صناعة هـذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه مــن شـجـاعـة استثنائية يـنـدر أن نجدها لــدى كـتَّــاب عـراقـيـن عـاشـوا محن الـبـاد، وخـــرجـــوا مـنـهـا بــيــد وقــلــب وضــمــيــر حي ونـظـيـف، وأحــدهــم كـاظـم غـيـان، الساخر المــــتــــفــــرِّد مــــن آلامـــــــه الـــشـــخـــصـــيـــة، غـــالـــبـــا، ومــن مكائد أصـدقـائـه الألــــدَّة؛ فـنـراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقـد ختم بـــهـــا تـــصـــديـــر يـــومـــيـــاتـــه: «أتــــمــــنَّــــى نــومــة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لـــي... كـي أسـامـحـكـم». هذه الـيـومـيـات سـيـعـود إلـيـهـا مــؤرخــون كُــثـر؛ فقد كُتبت بالجمر والألـــم حـد المــوت قهرا ويــأســا، وهـــي عــن محنة الــنــاس والــبــاد، كـمـا أنـهـا عــن محنة حـاكـم المـديـنـة كـذلـك؛ لِم لا؟! حمزة عليوي نجد في «العرايض» الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان وقد تكون الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها في ظل حكم الديكتاتور «منازل البلجيكي»... لهوشنك أوسي عن منشورات «إبييدي» في القاهرة، صـــدرت روايــــة جــديــدة لــلــروائــي والـشـاعـر الــــســــوري – الـبـلـجـيـكـي هــوشــنــك أوســــي، بعنوان «منازل البلجيكي». وتضم الرواية صــفــحــة من 363 فـــصـــا مـــوزعـــة عــلــى 36 القطع المتوسط. تــــبــــدأ أحــــــــداث الـــــروايـــــة فــــي بـلـجـيـكـا وتـــنـــتـــهـــي فـــــي فـــلـــســـطـــن، وتـــــحـــــديـــــدا فــي مدينة القدس، مـرورا بمدن عديدة، منها: أنـــتـــويـــربـــن، بـــاريـــس، جـــنـــوة، إسـطـنـبـول، حـــيـــفـــا، الـــخـــلـــيـــل، إربـــــــد، عــــمّــــان، بـــيـــروت، دمشق، وبروكسل. تـرصـد الــروايــة حـيـوات أربـعـة أجيال لأســــرتــــن: الأولـــــــى فـلـسـطـيـنـيـة مـقـدسـيـة مــــن أصــــــول أيـــوبـــيّـــة (كـــــرديـــــة)، والــثــانــيــة بـــلـــجـــيـــكـــيـــة يــــــهــــــوديــــــة. تــــضــــطــــر الأســــــــرة الأخـــــيـــــرة إلـــــى الـــــنـــــزوح مــــن بــلــجــيــكــا إلـــى فـلـسـطـن والاســـتـــقـــرار فـــي الـــقـــدس بسبب الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لبلجيكا، بينما تُجبر الأسرة الفلسطينية على النزوح من القدس إلى الخليل تحت ضغط وتهديد «الهاغاناه». ويمتد مسارا النزوح المتعاكسان؛ اليهودي من الشمال إلــى الـجـنـوب، والفلسطيني مـن الجنوب إلـــى الـــشـــرق (الأردن)، ثـــم شـــمـــالا وصـــولا إلـــى بـلـجـيـكـا، عـبـر سـلـسـلـة مـــن المـفـاجـآت والأهــوال والأحــداث الدرامية التراجيدية، وماذا حل بالمنازل والبيوت. كـتـب الـنـاشـر عـلـى الــغــاف الخلفي لـــلـــروايـــة تـــصـــديـــرا مـقـتـضـبـا، جــــاء فـيـه: «كـيـف ولمــــاذا أُطـلـقـت صـفـة (البلجيكي) على النازح الفلسطيني في الأردن؟ وما هـــي الـــســـرديـــات والــخــلــفــيــات الــتــي تقف وراء ذلـك؟ في روايــة (مـنـازل البلجيكي) لــهــوشــنــك أوســـــــي، ســـتـــجـــدون مــحــاولــة لـــإجـــابـــة عــــن هــــــذه الأســــئــــلــــة، وغـــيـــرهـــا مــن الأسـئـلـة الـشـائـكـة المتعلقة بالهوية وطبقاتها، وكيف أسهمت التراجيديات الــــكــــبــــرى والـــــصـــــغـــــرى، الـــــفـــــرديـــــة مــنــهــا والجماعية، فـي تشكيل الـهـويـة. وكيف يـمـكـن لضحية فــي مــكــان مــا أن تتحول إلــــى جــــاد وظـــالـــم فـــي مــكــان آخــــر؟ وهــل يمكن لأحــفــاد الـضـحـايـا والــجــاديــن أن يتصالحوا ليبنوا مستقبلا أفـضـل من مـاض شديد القسوة والـدمـويـة؟ هـذا ما تـــحـــاول (مـــنـــازل الـبـلـجـيـكـي) مـعـالـجـتـه. وبالتالي، أنتم على موعد مع الكثير من الأسـئـلـة والأفــكــار الـتـي تُــحـدث خـلـا في السرديات الرسمية المُصدَّرة والمترسخة في الأذهان». يـــكـــتـــب هــــوشــــنــــك أوســــــــي بــالــلــغــتــن الــــعــــربــــيــــة والــــــكــــــرديــــــة، وروايــــــــــــة «مــــنــــازل البلجيكي» هي روايته السابعة. ويـجـمـع أوســــي بـــن الـشـعـر والـقـصـة الـقـصـيـرة والـكـتـابـة الـصـحـافـيـة والـبـحـث والنقد الثقافي والسياسي، بالإضافة إلى الكتابة الروائية، وصدر له حتى الآن نحو كتابا في هذه الأجناس الأدبية. 20 لندن: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky