issue17355

Issue 17355 - العدد Thursday - 2026/6/4 الخميس كتب BOOKS 17 ًمحمد عبد النبي يعيد رسمها في «شيء إلهي» اللعب على وتر الحدود روائيّا فــــي روايـــــــة «شــــــيء إلــــهــــي» يـــبـــدو فـعـل الابتكار مهيمنا بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والـروائـي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد لـلـعـبـور بــن مـسـتـويـات نفسية وفـانـتـازيـة وجــســديــة مــعــقــدة تــخــص بـطـلـه «ســـامـــة»، الـــذي تـبـدو أزمــتــه الشخصية بــوابــة لكثير مـــن الـــتـــســـاؤلات حــــول الــــوحــــدة، والـــغـــرابـــة، والــتــســلــيــم، وحـــــدود الــجــســد والـــهـــويـــة، بل حــدود مـا يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله. تُــــحــــيــــل الـــــــروايـــــــة الـــــــصـــــــادرة عــــــن دار «المـــــحـــــروســـــة» بــــالــــقــــاهــــرة، لــبــنــيــة الـــعـــالمـــن الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجـهـن لـاغـتـراب نفسه، فالعزلة النفسية الــتــي يـعـيـشـهـا الــبــطــل الأربــعــيــنــي الأعــــزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته لـــــإجـــــازات، وتــجــنــبــه المـــــواصـــــات الـــعـــامـــة، ونــــفــــوره مـــن المـــقـــاهـــي والاخــــتــــاط بــصــوره كـــافـــة، ضـمـن مــحــاولاتــه الــدائــمــة للسيطرة عـــلـــى عــــالمــــه المـــحـــيـــط الــــــــذي يـــشـــعـــر داخـــلـــه بالتهديد والارتـبـاك، لتصبح حياته «يوما وحيدا مُتكررا منذ سنوات». في المقابل، يسلط السرد الضوء على مـدى استغراق «سـامـة» فـي أحــام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي مــنــهــا المـــعـــرفـــة والـــبـــهـــجـــة، حــتــى تــصــوراتــه الانهزامية عن الحب: «لم ير «سلامة» رجلا فـــقـــيـــرا أســــــود يـــحـــب ويــــتــــزوج عـــلـــى شــاشــة الـتـلـفـزيـون»، وهـــي مرجعية يكشف الـسـرد عـن أن «سـامـة» يتبناها بـصـورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحو تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم». أرضية نفسية مــــن هـــــذا الـــعـــالـــم المُــــشــــبّــــع بـــالـــخـــيـــالات الــبــديــلــة، يـــبـــدأ الـــســـرد فـــي زحـــزحـــة الـــواقـــع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ لـه أرضيته الـنـفـسـيـة، عـبـر شخصية اعـــــــــتـــــــــادت الـــــعـــــيـــــش بـــن الــواقــع وظـالـه المتخيلة، وهــكــذا يفتح الــبــاب أمــام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جـــــســـــده، رغـــــــم تــركــيــبــتــه الـــنـــافـــرة أصــــا مـــن الآخـــر الغريب. وتــــــــــنــــــــــهــــــــــض هــــــــــذه المــــــــفــــــــارقــــــــة عــــــلــــــى خـــلـــق مــســتــويــات مــتــداخــلــة من الـدهـشـة، إذ يمهد الـسـرد تدريجيا لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعـــبـــه كــــامــــا إزاء هـــــذا الــــصــــوت الـــداخـــلـــي الأخرس الذي يُخبره بأن روحا حيّة تسكن بداخله الآن، روحا أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه». غـــيـــر أن الـــــروايـــــة لا تــتــعــامــل مــــع هـــذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثا فـــانـــتـــازيـــا، بـــقـــدر مــــا تــجــعــلــه أداة لـتـفـكـيـك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والـــهُـــويـــة الــجــســديــة، وبــــن مـــا يـنـتـمـي إلــى الـداخـل ومـا يُفترض أنـه يأتي مـن الـخـارج، بـحـيـث يــتــحــوّل الالـــتـــبـــاس نـفـسـه إلــــى أحــد المحركات الأساسية للرواية. خيال تعويضي يُـــعـــزز عــبــد الــنــبــي مـــن تــأثــيــر الــتــاريــخ الشخصي والعائلي لبطله «سـامـة»، عبر اسـتـدعـاء ذكـريـاتـه الممتدة مـع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولا إلــــى دلالـــــة اســـمـــه نــفــســه، المـسـتـمـد مـــن أحــد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تـعـلّــق والــــده الـــراحـــل بـمِــخـيـال تـلـك الـسـيـرة القائم على البطولة والفروسية، إلـى الحد الـــــذي يــدفــعــه إلــــى إطـــــاق أســـمـــاء أبـطـالـهـا عـلـى أبـنـائـه كـنـوع مــن التقمص الـوجـدانـي والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها. يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يـــعـــوّض تـهـمـيـشـه فـــي الــــواقــــع، ولا يـتـوقـف هـــذا المــيــل إلـــى تــجــاوز الـــواقـــع عـنـد الـسـيـرة الـشـعـبـيـة أو أحــــام الــيــقــظــة، بـــل يـمـتـد إلــى عــاقــة «ســـامـــة» بـــالـــصـــورة الـفـوتـوغـرافـيـة نــفــســهــا، بــوصــفــهــا مــســاحــة قــابــلــة لإعــــادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادرا على استعادتها. بـعـد ظــهــور «شـــــيء»، بـمـا يـفـرضـه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نــفــســه، ومــــع تــصــاعــد حـــضـــوره كشخصية تُقاسم «سـامـة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقا بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح مـتـعـلـقـا بـطـبـيـعـة هــــذا الـــوجـــود نــفــســه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عـــنـــه؟ لا ســيــمــا أن الــــســــرد لا يـــتـــوقـــف عـنـد تقديمه بوصفه مـجـرد عـــرَض غـرائـبـي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شـيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة. علاقة جنينية كــــمــــا يـــســـتـــثـــمـــر عــــبــــد الــــنــــبــــي الآصـــــــرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شــــــيء» حـــضـــورا مـــتـــزايـــدا داخـــــل الــــروايــــة، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثرا بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «الـعـاقـة الجنينية» بـكـل مــا تـنـطـوي عليه مــن اعـتـمـاد وتــشــارك حــسّــي، وهـــي مشاهد تسهم فـي ترسيخ «شـــيء» بوصفه وجــودا حيا يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلا لشخصية البطل، بل يعمل تدريجيا على منحه وجــوده الخاص؛ فهو يمتلك مـسـارا للنمو، ووعـيـا يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الــــــرأي، بـــل تــكــويــن عــاقــة خــاصــة بـالـعـالـم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه فـــي الـــوقـــت نـفـسـه مـعـرفـة وخــــــبــــــرة لا تـــتـــنـــاســـبـــان مــــــــــع حــــــــــداثــــــــــة وجـــــــــــــوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «الــتــابــع» لـيـقـتـرب من مـــوقـــع الـــشـــريـــك الـــســـردي الكامل. ويـــتـــمـــثـــل أحـــــد أبــــرز تـحـديـات الـسـرد فـي بناء ســــيــــاق لــــغــــوي يـــتـــجـــاوز ثــــنــــائــــيــــة «المـــــــونـــــــولـــــــوغ» و«الــــــــــــديــــــــــــالــــــــــــوغ» مـــــعـــــا، لـــيـــؤســـس عــــاقــــة لــغــويــة ثــــــالــــــثــــــة بــــــــن «ســـــــامـــــــة» و«شــيء» الـذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحـيـانـا «الــتــخــاطــر»، فـيـمـا تــبــدو أقــــرب إلـى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بــن الـطـرفـن، وتكتسب تـدريـجـيـا ذاكـرتـهـا وقــامــوســهــا الـــخـــاص، كــــأن الــــروايــــة تجعل اللغة نفسها جـــزءا مـن فعل الـخـلـق، بحيث يــتــشــكّــل الـــكـــائـــن ولــغــتــه وعـــاقـــتـــه بـالـعـالـم بــــالــــتــــوازي، إلــــى أن يــصــبــح «شــــــيء» قطبا مـــوازيـــا لـــ«ســامــة» داخـــل الـبـنـيـة الـسـرديـة، فـــيـــتـــبـــادلان الـــحـــديـــث الــــبــــدائــــي بـــــدايـــــة مـن «صباح الخير» وصولا إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة». تعزيزا لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شـيء» مطَّلعا على أدق تفاصيل «سلامة» الـداخـلـيـة؛ أحــامــه، وهــواجــســه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك مـعـرفـة تـتـجـاوز خـبـرتـه المــبــاشــرة بـالـعـالـم، بما يمنحه حضورا يتجاوز مجرد الكائن الـبـيـولـوجـي أو الــصــوت الـنـفـسـي، ليقترب أحيانا مـن كـيـان مــاورائــي قـــادر على قــراءة الداخل الإنساني. يـــضـــاعـــف الــــســــرد مــــن اتــــســــاع «شـــــيء» كـــكـــيـــان روائـــــــــي عـــبـــر الـــجـــمـــع بـــــن الـــطـــابـــع المــــــاورائــــــي لــــحــــضــــوره، والإيـــــحـــــاء بـــقـــدرات عـقـلـيـة ومــعــرفــيــة تــتــجــاوز شــــروط وجــــوده الـــبـــيـــولـــوجـــي، فـــفـــي أحـــــد المـــشـــاهـــد يُـــحـــدّث «شـــيء» صاحبه «سـامـة» عـن أنـــواع نــادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظل «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعــي يبدو أكثر اتساعا وتعقيدا للكائن الذي يتخلّق من داخله. القاهرة: منى أبو النصر وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام» فـي روايـتـه الـجـديـدة «غـرنـاطـة... آخر الأيـام»، يواصل الكاتب‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي ‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في ‌ في الأندلس، مختتما بها ‏رباعيته الأندلسية بــــعــــد أعــــمــــالــــه «صــــقــــر قـــــريـــــش» بــــجــــزأيــــه، ‏قـرطـبـة»، و«خــريــف إشبيلية»، ‌ و«مـواعـيـد التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي. وتــتــنــاول الـــروايـــة الـفـصـل الأخــيــر من الـــوجـــود الــعــربــي الإســـامـــي فــي‏الأنــدلــس، مــن خـــال اسـتـعـادة الـسـنـوات الأخــيــرة من حـكـم بـنـي‏نـصـر‏فــي غـرنـاطـة، وصــــولا إلـى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏فـــي لـحـظـة تــاريــخــيــة أنـــهـــت ثـمـانـيـة قـــرون مـــن الـــحـــضـــور‏الـــعـــربـــي فـــي‏شــبــه الــجــزيــرة الإيبيرية. ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة،‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خير من ‏مجلس‏السلطان»، في إشــارة إلـى التحول القاسي من سلطان كان يحكم‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين. ويعيد وليد سيف في الـروايـة تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيدا عن ‏الـصــورة ‏التقليدية الـتـي اختزلته فـي رمز لـلـهـزيـمـة وضـــيـــاع الأنــــدلــــس، فـــالـــروايـــة‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي. ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم‏المسؤولية التاريخية، ويــعــيــد مــســاءلــة الــــروايــــات الــشــائــعــة الـتـي ‏بـــــذاكـــــرة ســــقــــوط غــــرنــــاطــــة، ومــنــهــا ‌ عـــلـــقـــت المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابك كالنساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال»،‏إذ‏ينفي بطل الـروايـة صحتها، مقدما والدته بوصفها شخصية‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته. وتــمــنــح الــــروايــــة شـخـصـيـة أبــــي عبد الله بعدا إنسانيا مأساويا ً، إذ‏يظهر فيها وريــثــا لـلـهـزائـم لا لــأمــجــاد، مـــطـــاردا بثقل ‏وبـــأصـــداء الـــثـــورات والانـقـسـامـات ‌ المــاضــي التي عصفت بالأندلس منذ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف. تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخــــــل الـــبـــيـــت الـــحـــاكـــم فــــي‏غــــرنــــاطــــة، بـن الآبـــــــاء والأبـــــنـــــاء والإخــــــــوة والأعـــــمـــــام، فـي ‏حـضـور قـصـص الـحـب والتضحية ‌ مـقـابـل والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بـعـده الإنـسـانـي، يـقـدم مـن خلالها الكاتب ‏عالما كاملا يتداعى سياسيا ‌ مدينة غرناطة وأخلاقيا وإنسانياً. كــمــا تـحـضـر المـــــرأة بـوصـفـهـا عـنـصـرا مـحـوريـا فــي الـبـنـاء الـــدرامـــي،‏وفـــي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الـحـرة، إلى ‏القشتالية، ومريمة زوجـة أبي ‌ جانب ثريا عــبــد الـــلـــه، والمــلــكــة إيـــزابـــيـــا الـــتـــي‏يـقـدمـهـا الــعــمــل بـوصـفـهـا صــاحــبــة مـــشـــروع، هـدفـه ‏ســلــطــتــهــا وطــــرد ‌ تـــوحـــيـــد إســـبـــانـــيـــا تـــحـــت الـعـرب والـيـهـود منها. وفــي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏لـلـمـقـاومـة الـشـعـبـيـة الــتــي يـمـثـلـهـا مـوسـى ‏وحــامــد الـثـغـري، ‌ الـغـسـانـي وعــلــي الــعــطــار بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والـــــدفـــــاع عــــن غـــرنـــاطـــة فــــي مـــواجـــهـــة واقــــع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضا سـؤال الحضارة والتحولات التاريخية،‏إذ يستعيد الكاتب صـورة الأنـدلـس بوصفها ‏فـي وقــت كـانـت فيه ‌ ، مـنـارة للعلم والـثـقـافـة الـوفـود الأوروبــيــة تفد إلــى قرطبة للتعلم، قبل‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب ‏وانقسامهم. ‌ مع تراجع العرب روايـــة «غـرنـاطـة.. آخـر الأيـــام» صـدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، ‏صفحة من القطع المتوسط. ‌565 وتقع في دمشق: «الشرق الأوسط» أوليفيي رونو يكتب عن مونمارتر التي انتزعت لقب «عاصمة باريس» من تاريخ المدن إلى سير الأحياء تـــــعـــــيـــــش المــــــــــــــدن بــــــأســــــمــــــائــــــهــــــا، أي بـــتـــفـــاصـــيـــلـــهـــا؛ بـــأحـــيـــائـــهـــا وشــــوارعــــهــــا ومقاهيها، وأصــداء من سكنوها أو مروا بـــهـــا؛ أســـمـــاء تــحــافــظ عــلــى نــظــارتــهــا ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عـــتـــبـــاتـــهـــا. لــــــذا تـــعـــيـــش بـــعـــض الأحــــيــــاء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا فــــي أعــــطــــاف مـــديـــنـــة «أم». وحـــــن تـتـبـدل تـقـاسـيـم المـــــدن أو تــشــيــخ، وعــنــدمــا يـطـرأ عليها غــربــاء، أو يمر بها غـــزاة عـابـرون، تـــفـــقـــد الـــكـــثـــيـــر مــــن مـــعـــالمـــهـــا ومـــفـــرداتـــهـــا وســــمــــات أهـــلـــهـــا، تـــطـــفـــو تـــدريـــجـــيـــا عـلـى السطح كتل وامــتــدادات شائهة، وأحيانا تــــتــــحــــول إلـــــــى هــــيــــاكــــل، لـــكـــنـــهـــا تــتــشــبــث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس بــه عليها. وحـتـى حــن تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شــعــر وصـــــور أفـــــام قــديــمــة، وفــــي مـامـح أبــطــال يقتنصون تفاصيلها فــي فصول روايات خالدة. مـــــــــن داخـــــــــــــــل حـــــــــي «مـــــــونـــــــمـــــــارتـــــــر» )، حــــيــــث تــــمــــتــــرس ثـــــوار Montmartre( كــمـــونـــة بــــاريــــس، وطــــالــــب إمـــيـــل زولا فـي «الأســــبــــوع الــــدامــــي» بــهــدمــه عــلــى رؤوس «المــتــمــرديــن الـسـفـلـة»، نــشــأت إحــــدى أكثر المــعــالــم الــعــمــرانــيــة احــتــضــانــا لـأسـاطـيـر الباريسية، ذلـك مـا دعـا الكاتب الفرنسي المختص Olivier Renault أوليفيي رونــو في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لــــعــــاصــــمــــة الأنـــــــــــــوار إلــــــــى إصـــــــــــدار كـــتـــاب بــعــنــوان «مـــونـــمـــارتـــر: أمــكــنــة الأســاطــيــر» )Montmartre: Les lieux de légende( ،)2026 ، (مـــنـــشـــورات بـــاريـــغـــرام، بـــاريـــس لـــتـــأريـــخ مــــحــــال ودور وأزقــــــــة وســــاحــــات وبــــــــــــــارات ومـــــطـــــاعـــــم ومــــــــراســــــــم، ســكــنــت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر. يــــتــــقــــدم الــــكــــتــــاب لــــقــــارئــــه بـــتـــواضـــع مـخـاتـل، دونــمــا ادعـــــاءات مـعـرفـيـة كـبـرى، قــــــــصــــــــاراه ســـــــــرد حـــــكـــــايـــــة فــــــضــــــاء ألــــيــــف وخـالـب لـأذهـان، فبدا مزيجا مـن «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نـشـأة حـي كــان عـبـارة عـن قـريـة تقع خـــــارج حـــــدود بـــاريـــس الإداريـــــــــة، تـمـيـزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والـــطـــواحـــن، وبـــيـــوت الــعــمــال والمـــزارعـــن الـــــبـــــســـــطـــــاء. قــــبــــل أن تــــعــــيــــد مـــخـــطـــطـــات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في بـاريـس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة فــــي الــــحــــزام الـــهـــامـــشـــي، الآهــــــل بــالــشــطــار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الـــدائـــرة الـثـامـنـة عـــشـــرة. ومـــوطـــن المــواقــع التي صنعت قسطا غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مـــورو، وشـــارع ليبيك، أمـــام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف بـراك في شـارع سيمون ديـرور. إننا لا نعرف دائما أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحب فيها كــــل مـــــن: بـــيـــكـــاســـو، وبـــــونـــــار، وبـــاســـكـــن، وكاركو، وموديغلياني، وبـروان، وماكس غــــاكــــوب، ومـــارســـيـــل إيـــمـــيـــه، وريـــفـــيـــردي، .)12 وسيلين» (ص وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جـادة كليشي وروافـــده»، والثاني وســـم «هـضـبـة مــونــمــارتــر»، يـقـوم الكتاب بـــاســـتـــنـــطـــاق الأمـــكـــنـــة عـــبـــر الـــحـــديـــث عـن سـاكـنـيـهـا، مـــن كُـــتَّـــاب ورســـامـــن، وأنـــاس عـــاشـــوا فـــي الـــظـــل أيـــضـــا: مـــن مــثــل تـجـار الأصـــــبـــــاغ الــــذيــــن يـــصـــبـــح أحــــدهــــم فـــجـــأة صــاحــب رواق فــنــي، أو أصــحــاب المـطـاعـم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعا زمنا ما. وسرعان مــا تتجلى مـبـاحـث الـفـصـلـن وفقراتهما المــــؤثــــثــــة بــــالــــلــــوحــــات الـــفـــنـــيـــة والـــــصـــــور الــــفــــوتــــوغــــرافــــيــــة لأبــــنــــيــــة وشـــخـــصـــيـــات وشــــوارع وحــدائــق مـن أزمـنـة شـتـى، حيزا لاستحضار أسـمـاء رمـزيـة، قـــادت الكاتب تدريجيا إلـى الحديث عـن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنـــبـــيـــاء، إلــــى الـتـكـعـيـبـيـة والــســوريــالــيــة والمستقبلية... عـامـات فـارقـة فـي تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء. الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كــــمــــا ســــعــــى لـــنـــســـج مــــعــــالمــــهــــا أولـــيـــفـــيـــي رونــــو، تـقـصـدت تجميع الـــتـــراث المــجــازي والــــحــــســــي لـــلـــحـــيـــز المــــديــــنــــي المـــــؤلـــــف بـن الـسـحـر والــقــســوة، والـــوقـــوف عـنـد عتبات تـكـون الأســطــوريــات الـحـيـة، مــن المــفــردات إلـــى الــوصــفــات الـحـيـاتـيـة، ومـــن الأطــبــاق والــروائــح إلــى الــجــدران المحيطة بمواطن الــســهــر: «لــــم يــكــن الأمــــر مــجــرد أســـطـــورة؛ فـــمـــن فـــــان غـــــوخ إلـــــى أوتــــريــــلــــو، كـــــان هـــذا الحي حقاً، وأكـثـر مـن أي حـي آخــر، معقل البوهيمية. وعلى هـذه المرتفعات، التقى جـــيـــان أو ثـــاثـــة مـــن الــفــنــانــن والــكــتــاب الــذيــن مــــأوا الـدنـيــا ضـجـيـجـا. وفـــي هـذه الـكـوكـبـة الـامـعـة، يـــرى الـبـعـض الــيــوم أن أعمالهم كـانـت لـتـدر عليهم المـايـن، غير أن بداياتهم - وأحـيـانـا نهاياتهم - كانت صـعـبـة فـــي الـــغـــالـــب، تـــغـــرق فـــي الـــعـــوز أو الفقر المــدقــع. وإذا كــان ديـغـا أو بـونـار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غـــاكـــوب أو ريــفــيــردي أو فـــان دونـــغـــن، قد .)13 ذاقوا مرارته حقا في هذا الحي» (ص إنـــــــهـــــــا المـــــنـــــطـــــلـــــقـــــات الـــــــتـــــــي مــــكّــــنــــت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقبا لا يخلو من حس غرائبي، هــو «عـاصـمـة بـــاريـــس». الـــذي يحيل على مــــا اكـــتـــنـــزه المـــحـــيـــط الـــعـــمـــرانـــي مــــن مـــاذ حسي وذهـنـي، حيث كـان صخب المقاهي والمــاهــي الليلية يـتـصـادى مــع الاخــتــراق الــــتــــشــــكــــيــــلّــــي والمـــــوســـــيـــــقـــــي والمــــســــرحــــي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيـضـا ذاكـــرة كـبـرى لـألـم، أرخـــت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الـــشـــهـــيـــرة الــــتــــي صـــنـــعـــت مـــــجـــــده، كـــانـــت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، فـي «بـاتـو لافـــوار» مـثـاً، أو في شـــارع «كـــورتـــو»، وتمكن الـكـتـاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضا موطن النبيذ الرخيص، والطعام الـذي قد يدفع حسابه الآخــرون، وكـان أصحاب المطاعم، مـن مثل «الأرنـــب» أو «الشاليه» يمنحون الـــفـــنـــانـــن مــــن ذوي الــــعــــوز المــــزمــــن (وهــــم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً. تــدريــجــيــا يــتــحــول الــكــتــاب إلــــى شبه ســـيـــرة لــحــي فـــي مـــواجـــهـــة بـقـيـة بـــاريـــس، وفـي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح الـــتـــخـــيـــيـــلـــي، فــــــي مـــــواجـــــهـــــة الـــعـــقـــانـــيـــة والـــســـطـــوع الــبــراغــمــاتــي لأحـــيـــاء الـنـخـبـة الأخـــرى، وظـل كذلك حتى الحرب العالمية الأولـى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزا جديدا للإبداع التشكيلي والشعري والمـــســـرحـــي والــــــروائــــــي... هــجــر الــشــعــراء والـفـنـانـون تـلّــة مـونـمـارتـر تـدريـجـيـا، ولم يــســلــك الـــطـــريـــق المـــعـــاكـــس ســـــوى قـــلـــة مـن السرياليين الـذيـن كـان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء. ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط فـي ذاكــرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساسا في لغة الأدب والفن، ومـهـمـا تــعــددت الـتـحـويـرات والاخـــتـــزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحـد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. بــاريــس هــي جـمـاع تـفـاصـيـل كـبـرى تمتد مــــن «مـــــوبـــــرنـــــاس» إلــــــى «ســـــــان مــيــشــيــل» ومـن «الحي اللاتيني» إلـى «بير لاشيز»، ومـن «الشانزيليزي» إلـى «مونمارتر»...، وقـــــد تـــتـــاشـــى المــــــدن وتـــبـــقـــى تـسـمـيـاتـهـا المـعـجـونـة بـالـنـكـهـات والألــــــوان والـــحـــرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الــداخــل العميق؛ إذ هـي جــزء مـن صناعة الـــقـــدر الــشــقــي أو الــســعــيــد الـــــذي نـسـائـلـه يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بـحـق هـــو فـــن تـحـويـل المـــجـــال إلـــى روايــــة، هـو تشكيل نـوعـي لفتنة الـــذات الداخلية بمحيطها كـمـا يـدركـهـا صـاحـبـهـا، وكما يـتـمـثـلـهـا زمـــنـــيـــا. ولــــن يـسـتـطـيـع الـــســـارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونـمـا إعـــادة تركيب وتـولـيـف وتــصــرف فــي مـامـح المـــدن التي اسـتـوعـبـت نـزقـهـا وتـقـلـبـاتـهـا، وبـغـيـر ما قـيـمـة مـضـافـة تـجـسـر المــســافــة بـــن الـــذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبــركــات ضـائـعـة، قـد تـقـول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فـتـنـتـهـا، وقــــد تُــكــتــب مـــواســـاة لـــلـــذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهرا من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بــأحــيــاء عـتـيـقـة، وقـــد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والــشــرفــات والمــبــانــي والـــوجـــوه بالأبيض والأسود. شرف الدين ماجدولين يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها ًمن كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky