الثقافة CULTURE 17 Issue 17344 - العدد Sunday - 2026/5/24 الأحد يوميات مخرج صربي في مصر اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنوانا لافتا ليومياته في مصر، تحديدا حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديرا بشركة «ساتشي وســـاتـــشـــي» لـــإعـــانـــات الــشــهــيــرة، وجـــاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كـشـذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي. المـــدهـــش أن الــيــومــيــات لا تـخـلـو من الــنــقــد الـــذاتـــي الـــحـــاد، ويــــــــعــــــــتــــــــرف المـــــــؤلـــــــف بـــــســـــقـــــوطـــــه أحـــــيـــــانـــــا ضحية لفخ العنصرية الـــــــــغـــــــــربـــــــــيـــــــــة تـــــــجـــــــاه الــــشــــرق ووهـــــــم تــفــوق الــــعــــرق الأبــــيــــض ومـــا يصاحبه من استعلاء وغـــــــرور، لـكـنـهـا تـقـدم فــــــي المـــــقـــــابـــــل صــــــــورة صـــادقـــة للمجتمعات مـــــن مــــنــــظــــور أجـــنـــبـــي وحــــيــــد يـــعـــيـــش بـحـي راق فـــــــي الــــعــــاصــــمــــة المـــصـــريـــة، حــيــث يـنـام تـحـت مــروحــة السقف الـــبـــطـــيـــئـــة غـــــارقـــــا فــي عــــرقــــه، خـــائـــفـــا مــــن أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو. ولا تـــخـــلـــو الـــيـــومـــيـــات مــــن لــحــظــات إنــســانــيــة مــتــنــوعــة، أبــــرزهــــا الــــوحــــدة في حـــيـــاة شــخــص تـــقـــدم بـــه الــعــمــر والـــوقـــوع أسـيـرا لأزمـــة إدمـــان الـكـحـول، مـع الأزمـــات الصحية المتفرقة، أيضا مع مواقف مبهجة فـــي المـــقــابـــل تـتـعـلـق بـــمـــحـــاولات اكـتـشـاف الثقافة المصرية من خـال الطعام والمـزاح والـــتـــعـــاون مـــع جــهــات رسـمـيـة فـــي إنـجـاز مــواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية. 3 وُلــــد بــوريــس ميليكوفيتسش فــي ، وهـــو أيـضـا كاتب 1956 ) أبــريــل (نـيـسـان روائــــــي وأكـــاديـــمـــي درّس فـــنـــون الإخـــــراج الـــســـيـــنـــمـــائـــي بــكــلــيــة الـــفـــنـــون المــســرحــيــة فــــي بـــلـــغـــراد فــــي الــتــســعــيــنــات، كـــمـــا عـمـل مـديـرا إبـداعـيـا لكبريات شـركـات الدعاية والإعلان، كما ظل مديرا إبداعيا في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة. ومن أجواء الكتاب نقرأ: «كـــــــــان اســـــــم خــــادمــــتــــي (مـــحـــفـــوظـــة) وهـــو الاســـم الأنــثــوي مــن (مـحـفـوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مـنـاداتـهـا (كـــوكـــا)، بـعـدهـا ظــل كــل الـعـرب الـذيـن يقيمون بالحي يـنـادونـهـا بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك. كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعـــرف كـيـف سمعت عـنـي ولا أظـــن أن أحـــدا قـد رشحها لـي أو أي شــيء مـن هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مـرة في صباح أحـد أيـام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد. كانت ترتدي فستانا صيفياً، نحيفة يـــغـــطـــيـــهـــا الــــعــــرق وخصلات قصيرة مــــــــــــــــن شــــــــعــــــــرهــــــــا الـرمـادي ملتصقة بــــــــجــــــــبــــــــهــــــــتــــــــهــــــــا. أمــــســــكــــت بـــيـــدهـــا طــــبــــقــــا بـــــــه رمـــــــان نـــصـــفـــه مــفــصــص والــــــــــــــــنــــــــــــــــصــــــــــــــــف الـــثـــانـــي كـــمـــا هـــو، وبــــــــابــــــــتــــــــســــــــامــــــــة وضـــــعـــــت الـــطـــبـــق إلـــــى جــــانــــب كـــوب مغطى من عصير البرتقال الطازج. فكرت يومها فــي أن (كـــوكـــا) قد رأت كــــثــــريــــن فــي حــيــاتــهــا مــمــن عـــانـــوا مـــن صـــــداع مـــا بعد الثمالة ويـشـعـرون بـالـحـرج، حيث قدمت لـــي المـــشـــروب الـــبـــارد وهــــى تــقــول وكـأنـهـا تحاول تجنب فتح الموضوع: - الحر... الرطوبة يا أستاذ! أجبتها: - نـــعـــم، شـــكـــرا لــــــك... أحـــســـن رمــــــان... شكرا على الرمان! بـــعـــد عــــــدة ســــنــــوات كـــنـــا عـــلـــى وشـــك مــغــادرة الــقــاهــرة، جـــاءت ابـنـة (كــوكــا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح الـــســـجـــاد وتــمــســح الأرض بــخــرقــة مبللة ثـم تنفض الـسـجـاد فـي الـشـرفـة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحا قالت لي: - ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى! ثـم توقفت عـن الـكـام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة: - الحر... الرطوبة يا أستاذ! ثم ناولتني العصير وطبق الرمان». القاهرة: «الشرق الأوسط» التونسي عباس سليمان يتتبع رحلة شاقة داخل متاهة النسيان «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب الــســرديــة الـعـربـيـة الــتــي انـشـغـلـت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الــــروائــــي الــتــونــســي أن يـجـعـل مـــن الإنـــســـان محورا أساسيا للكتابة، كاشفا عن معاناته، وتـــحـــولاتـــه الــنــفــســيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة داخــــل فضاءات مختلفة. وقـد تنوعت موضوعات الـــــروايـــــة الـــتـــونـــســـيـــة بــــن قـــضـــايـــا الـــهـــويـــة، والــعــاقــة المـعـقـدة بــن الــفــرد والمـجـتـمـع، مع اعـــتـــمـــادهـــا عـــلـــى تـــقـــنـــيـــات ســــرديــــة تـعـكـس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة الـيـومـيـة، كـمـا بـــرز الاهــتــمــام بالشخصيات الـهـامـشـيـة الـتــي تـعـيـش حــالــة مــن الـضـيـاع، والــتــنــقــل، مـمـا مـنـح الـــروايـــة بــعــدا إنـسـانـيـا واقعيا مميزاً. وفـــي هـــذا الـسـيـاق تــنــدرج روايــــة «زمــن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حــمــودة، ذلـــك الـشـيـخ الـــذي يجد نــفــســه فــــي رحـــلـــة تـــيـــه وتــــرحــــال بــــن أمـكـنـة مــتــعــددة، فيعيش تــجــارب مختلفة تكشف هـــشـــاشـــة الإنـــــســـــان، ووحــــدتــــه فــــي مــواجــهــة الحياة. تجليات التيه يـتـجـلـى الــتــيــه فـــي روايــــــة «زمـــــن حــمــودة الأخـــــيـــــر» مــــن خـــــال شــخــصــيــة حــــمــــودة الــتــي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فـقـد أصــبــح يتنقل بــن الأمــكــنــة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكانا نحو آخر مدفوعا بذاكرة متآكلة لـم تعد قـــادرة على حفظ تفاصيل حـيـاتـه، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حـــالـــة نـفـسـيـة إلــــى تــجــربــة وجـــوديـــة يعيشها الجسد، والوعي معاً. جــاء فـي الـنـص: «خـــرج مثل هبة الـهـواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصــوات. ثم عبر زقاقا طــويــا لا تــذكــره إلا قــدمــاه. وكـــان ذلـــك الـزقـاق يــنــتــهــي عـــنـــد مــحــطــة ســــيــــارات الأجــــــــرة، وهـــي محطة واسـعـة لا تفصلها عـن داره غير مئات .10 الأمتار». ص كــــان حـــمـــودة يــتــحــرك بـــا هــــدف واضــــح، مــدفــوعــا بـــذاكـــرة مـتـآكـلـة أفــقــدتــه الـــقـــدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يـسـيـر داخــــل عــالــم غــامــض لا يــعــرف مـامـحـه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن. صــور الكاتب حـمـودة بوصفه شخصية ضائعة فـقـدت صلتها بالعالم، وبـذاتـهـا، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم مــا يـجـري حـولـهـا، الأمـــر الـــذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحـدا واحــداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي مـن ذاكـرتـه. تمنى لـو عـرف واحـــدا منهم. أعـاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمـه. حتى الأبـدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند .56 إليها». ص وهـــكـــذا أصـــبـــح الــتــيــه جـــــزءا مـــن تـكـويـنـه الـــداخـــلـــي، لا يـقـتـصـر عـلـى ضـيـاعـه فـــي المـكـان فـــحـــســـب، وإنـــــمـــــا يـــمـــتـــد إلــــــى ضــــيــــاع الــــوعــــي، والــــــهــــــويــــــة، والـــــــــذاكـــــــــرة. ومــــــــن هــــنــــا تـــحـــولـــت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هـشـاشـة الإنـــســـان حــن يـفـقـد ذاكـــرتـــه، وقــدرتــه على الإمساك بحقائق حياته. ويـــظـــهـــر الـــتـــيـــه المـــكـــانـــي مــــن خـــــال تـنـقـل الـــشـــخـــصـــيـــة المـــســـتـــمـــر بــــــن الــــــفــــــضــــــاءات، إذ تـبـدو الأمـكـنـة غـريـبـة، ومــشــوشــة، ولا تمنحه الإحـــســـاس بـــالأمـــان، والاســـتـــقـــرار، فـالمـكـان في الرواية صار انعكاسا لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لــذلــك بـــدا حــمــودة كــأنــه يـعـيـش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل. كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعا داخليا بين بقايا الماضي، وضبابية الـحـاضـر، الأمـــر الـــذي عـمّــق شعوره بـالـوحـدة، والانـفـصـال عـن الـعـالـم: «مــر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصــم. لم يلتقط الــكــلــمــة كـــامـــلـــة، بـــل الــتــقــط مــنــهــا هـــويـــة فـقـط. عندها ارتـج شـيء في صــدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة .96 بقيت له حين ضاع الاسم». ص لـــقـــد أصــــبــــح عـــــاجـــــزا عـــــن فـــهـــم مـــــا يـــــدور حـولـه، واستيعاب حقيقة وضـعـه، الأمــر الـذي ولـد داخله إحساسا بالعجز، والانكسار، كما بـــدت الشخصية مثقلة بـالـحـيـرة، والارتـــبـــاك، وتـــتـــأرجـــح بـــن لــحــظــات مـــن الــتــذكــر الــخــافــت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مـع الـواقـع، وقـد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعــي متشتت متشظٍ، حتى غـدا أسير ذاكـرة تتلاشى شيئا فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعدا إنسانيا مؤلما يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات. البعد الإنساني يـتـمـثـل الــبــعــد الإنـــســـانـــي فـــي شخصية حــــمــــودة مــــن خـــــال المـــعـــانـــاة الــعــمــيــقــة الــتــي يـــعـــيـــشـــهـــا إثـــــــر تـــشـــظـــي ذاكـــــــرتـــــــه، وفــــقــــدانــــه الـــتـــدريـــجـــي لـــقـــدرتـــه عـــلـــى إدراك الـــعـــالـــم مـن حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنسانا هشا يــــواجــــه قــــســــوة المـــــــرض والـــعـــجـــز فــــي صـمـت مــؤلــم. فـقـد تـحـولـت حـيـاة حــمــودة إلـــى رحلة شــاقــة داخــــل مـتـاهـة الــنــســيــان، حـيـث يبحث فيها عن ذاتــه، وعـن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على اسـتـرجـاعـهـا. تكشف الــروايــة مـن خــال هذه الشخصية حـجـم الألـــم النفسي الـــذي يـرافـق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات. يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف الـــتـــي تــطــغــى عـــلـــى الـــشـــخـــصـــيـــة، إذ لــــم يـعـد حـمـودة قـــادرا على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمـر الـذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مــؤثــرة تـجـعـل الـــقـــارئ يـشـعـر بـعـمـق المــأســاة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كـــذلـــك حـــاجـــة الإنــــســــان الـــدائـــمـــة إلــــى الأمـــــان، والاحــتــواء، فحمودة لـم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كـان يبحث بصورة غير واعـيـة عـن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية. ومـن خـال هـذه التجربة قدمت الرواية صـــــــورة إنـــســـانـــيـــة مــــؤلمــــة عـــــن الـــشـــيـــخـــوخـــة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجا للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عــاجــزا عــن الــتــواصــل مــع الآخـــريـــن، أو الحفاظ على تـوازنـه النفسي، والاجتماعي. وقـد منح الكاتب الشخصية أبعادا إنسانية عــمــيــقــة جـعـلـتـهـا تـــتـــجـــاوز حــــــدود الــتــجــربــة الـــفـــرديـــة لـتـعـبـر عـــن مـــأســـاة إنــســانــيــة عـامـة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة. حــــمــــودة شــخــصــيــة تـــحـــمـــل انـــكـــســـارات داخلية، وأحلاما مؤجلة، وصراعا دائما مع واقــع يـــزداد قـسـوة. وهـو يبدو إنسانا مثقلا بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثــقــلــت نـظـرتـه إلـــى الــعــالــم، فـيـتـحـرك داخـــل الرواية محاولا التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه. *إلهام بلحاج الكاتبة الكويتية توثقها روائيا من نجد إلى الكويت منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة فــــي الـــطـــريـــق الــــصــــحــــراوي الــــــذي يــربــط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كــمــا تـــوثـــق الـــهـــجـــرات مـــن نــجــد إلــــى الـكـويـت خــصــوصــا، فـــي روايـــتـــهـــا الـــجـــديـــدة «جــلــوات سدير»، التي صدرت أخيرا عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبــل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار. ومــنــيــرة عـبـد الــرحــمــن الـــعـــيـــدان؛ كاتبة ،1982 وروائـــــيـــــة كـــويـــتـــيـــة مــــن مـــوالـــيـــد عـــــام وخـــريـــجـــة الــجــامــعــة الأمــيــركــيــة فـــي الـكـويـت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية). بـــــــدأت مـــســـيـــرتـــهـــا الأدبـــــيـــــة بـــالاهـــتـــمـــام بــالــتــراث الـكـويـتـي وأدب الـطـفـل، وصـــدر لها فـــي هــــذا الــحــقــل عــــدة مــؤلــفــات بــــــارزة، مـنـهـا: )، «سلمت 2014( » «نورة وأحذيتها السحرية ،)2016( » )، «قـــطـــار الأحــــــام 2015( » لـلـمـجـد .)2018( » «أرض الذهب وفـــــــي حــــقــــل الــــــــروايــــــــة: «بـــــــن المـــجـــمـــعـــة ،)2021( » )، «لــعــوب شــــرق 2017( » والمـــرقـــاب )، لتتوج هذا العطاء 2025( » «درب الفنطاس المــمــتــد بــروايــتــهــا الأخـــيـــرة «جـــلـــوات ســديــر» .)2026( هـنـا حـــوار معها عــن روايـتـهـا الـجـديـد، ومجمل أعمالها... كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية > الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟ - مـا يجمع هــذه الأعــمــال هـو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة الــتــي مـــرت بـهـا المـنـطـقـة، أكــثــر مــن اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والــتــنــقــل بـــن نــجــد والـــكـــويـــت، والــحــكــايــات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حــتــى طــريــقــة الـــــكـــــام... كــلــهــا بــالــنــســبــة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضا بسيكولوجية المــــرأة داخـــل هـــذه الـتـحـولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعـلـى علاقتها بـالمـكـان والـعـائـلـة والـــذاكـــرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنــهــا تـسـتـحـق الــتــوثــيــق، أســبــق نـفـسـي إلــى كـتـابـتـهـا. وكـــل هـــذه المـــوضـــوعـــات، الـهـجـرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية. كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟ > - جـاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله مـن نجد إلـى الكويت، وفقدانه لوالدته فـي طفولته. كما شــرح لـي كثيرا مـن الأمــور الــعــائــلــيــة الـــخـــاصـــة، الـــتـــي بــيّــنــت لـــي أبــعــاد وسيكولوجية صبي في سن أبطال الرواية. حتى وأنــا أكتب الـروايـة، كنت أرى وجـه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، مـــا دفـــع كـثـيـرا مـــن المـهـتـمـن لـلـتـواصـل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق. ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة > «الارتحال» وترك الديار طلبا للرزق؟ - هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسرا أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديما «الـــجـــلـــوات»، أي الـــرحـــات الــتــي يــتــرك فيها الــنــاس ديــارهــم طلبا لــلــرزق أو الـنـجـاة. كما وردت الكلمة فـي بعض القصائد والأشـعـار القديمة، فيُقال: «جلا فـان»، أي غـادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة مـن أحـــام أبـطـال الــروايــة ورحلتهم النفسية والجغرافية. الـــــــروايـــــــة اســــتــــنــــدت إلـــــــى رواة شــفــهــيــن > ومـؤرخـن من السعودية والكويت. كيف استطعت «فــك» التناقضات بين الـروايـات الشفهية والمـدونـات التاريخية الرسمية؟ - العمل على ربط ذلك كان ممتعا للغاية، خصوصا مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مــع مــؤرخــن مــن المملكة الـعـربـيـة السعودية ورواة شفهيين مـن السعودية والـكـويـت. في بعض الأحـيـان، كنت أواجــه عائقا اجتماعيا أو طقسا معينا لا أجـــد لــه مستندا واضـحـا فـــي المــــراجــــع الـــتـــاريـــخـــيـــة، فــأبــحــث عــنــه لــدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً. ذكـــرت فـي «التمهيد» أن الأحــــداث صيغت > تخيليا لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟ - هـــي مـبـنـيـة فـــي أغــلــبــهــا عــلــى قصص حـقـيـقـيـة، ولـكـنـي غـــيّـــرت الـــظـــروف والأحـــــوال كـــي لا آخــــذ أو أحـــــرّف أو أزل فـــي نــقــل حـيـاة أحــــد. وكــمــا ذكـــــرت، فــأنــا أســتــمــع مـــن الــــرواة لـلـقـصـص بــشــغــف، وتـــأتـــي بــعــض الـقـصـص تباعا للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحيانا متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية فــــي تـــلـــك المــــرحــــلــــة. الـــجـــمـــيـــل أن الـــعـــديـــد مـن الـــقـــرّاء، خــاصــة فــي الـــريـــاض، ربــطــوا القصة بقصص أهـلـهـم، بــل إن بعضهم جـــزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهـو مثل يُقال للأطفال، وقـد اتصل بي أحد الأشــخــاص فـرحـا قــائــاً: «لـقـد ذكّــرتِــنــي بهذا المثل الذي كانت تـردده والدتي المتوفاة، وقد ظـلـلـت أبــحــث عـنـه أو عــن مــصــدره لـسـنـوات، ووجدته الآن!». تمثل «الــروضــة» فـي الــروايــة فـضـاء طــاردا > ومــأزومــا طبقيا واجتماعيا لـأبـطـال، بينما تلوح «الـــكـــويـــت» كــــأرض الـــخـــاص. كـيـف وظـــفـــت ثنائية «الـضـيـق/ الاتـــســـاع» و«الــســجــن/ الـحـريـة» جغرافيا ونفسيا ً؟ - لـم تكن الـروضـة مكانا سيئا بـقـدر ما كانت مكانا ضيقا على أحلام بعض الأبطال، خصوصا مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجـتـمـاعـيـة آنــــذاك. لـذلـك بـــدت لـهـم الـكـويـت، رغـم مشقتها، كنافذة أوســع للحياة والــرزق وتــغــيــيــر المـــصـــيـــر. كـــنـــت مــهــتــمــة بـــــأن يــكــون الانــتــقــال جـغـرافـيـا ونفسيا فــي الــوقــت ذاتـــه؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات مـــن حــولــهــم، شـــعـــروا بــالاخــتــنــاق أو الـعـجـز. لكنني أيضا لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكانا يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول. الصحراء والعبودية عَبَر الأبـطـال فضاء الصحراء وعاشوا > مـــخـــاطـــر الـــعـــطـــش والـــــســـــراب وطـــعـــنـــات الـــغـــدر. هــل كـانـت الــصــحــراء فــي روايـــتـــك مـجـرد طريق جـــغـــرافـــي، أم اخـــتـــبـــارا ســيــكــولــوجــيــا لـتـطـهـيـر الشخوص من انكساراتهم؟ - للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نـهـايـتـهـا تـقـع أرض أحــــام الأبـــطـــال. كما أنـهـا تمثل المـصـيـر، وتحتل جـــزءا واسعا مــــن شـــبـــه الـــجـــزيـــرة الـــعـــربـــيـــة. وكـــمـــا كـــان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمـــــســـــاك بـــطـــرفـــه صــــعــــب، وقــــــد تــخــونــك أحيانا بانعدام معالمها، تماما مثل البحر، فتغدر بك وتضل الطريق، والضلالة هنا تعني المـوت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحن مما عهدتها سابقاً. منيرة العيدان الكويت: ميرزا الخويلدي أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky