يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17321 - العدد Friday - 2026/5/1 اجلمعة عن المساحة المشتركة بين األنماط الفنية العازف اللبناني العالمي يتحدَّث لـ إبراهيم معلوف يعزف لقاء العوالم... موسيقى تولد بالتالقي خارج الحدود يـفـتـح الـــعـــازف الـلـبـنـانـي الـعـاملـي إبــراهــيــم مـعـلـوف تـعـاونـه الـجـديـد مع املـــغـــنّـــي األمـــيـــركـــي جــيــســون ديـــرولـــو، والـــرابـــر األمـيـركـي كيفن غـيـتـس، على احـــتـــمـــال مــوســيــقــي يـــقـــوم عــلــى سعي الـــعـــوالـــم املــخــتــلــفــة إلـــــى فـــهـــم بـعـضـهـا بــعــضــا. فــالــلــقــاء الـــــذي يــجــمــع الــبــوب الــــعــــاملــــي والـــــــــــراب األمــــيــــركــــي ونَــــفَــــس مــــعــــلــــوف اآلتــــــــي مـــــن ذاكــــــــــرة لــبــنــانــيــة ومـــوســـيـــقـــى عـــــابـــــرة لــــلــــحــــدود، يـــقـــدّم سؤاال فنيا عن معنى أن يخرج الفنان مـن بيته املوسيقي مـن دون أن يخلع صوته. في حديثه إلى «الشرق األوسـط»، يــقــول مـعـلـوف إن هـــذا الــتــعــاون «وُلـــد ببساطة وبشكل طبيعي» مـن فضول مُـــتـــبـــادل ورغـــبـــة مـشـتـركـة فـــي الــلــقــاء. لــــم يـــكـــن األمـــــــر، كـــمـــا يــــوضــــح، نـتـيـجـة حسابات ثقيلة أو هندسة مُسبقة، إنما جـاء حني شعر بـأن ال تـصـوّرات مُعدَّة سلفا وال حـواجـز بـ األطــــراف، «فقط موسيقى ورغبة صادقة في خلق شيء حـقـيـقـي». عـنـد تـلـك الـلـحـظـة، أدرك أن اللقاء يستحق التحوُّل إلـى عمل. ثمة لـقـاءات، فـي رأيـــه، ال تحتاج إلـى شرح كثير، ألنها تحمل إمكانها في داخلها وتعلن نفسها من النغمة األولى. ال يـتـعـامـل مــعــلــوف مـــع الــتــعــاون الفني على أنه مساحة نفوذ، وال يعد الهوية أشبه بقلعة مُغلقة. يفضّل أن يــرى املوسيقى حــــوارًا، وليست أرضـا لـــلـــدفـــاع. «لــــذلــــك، حــــ أدخـــــــل تـجـربـة مشتركة، ال أسعى إلى فرض حضوري وال إلــى الـتـراجـع حتى االخـتـفـاء. أبـدأ من اإلصغاء»، يقول. من هذا اإلصغاء تولد «مساحة ثالثة» ال يتخلَّى فيها أحد عن صوته، ويقبل الجميع التحرُّك قـــلـــيـــا مـــــن أمــــاكــــنــــهــــم. وفــــــي املــنــطــقــة الـرهـيـفـة، حـيـث تـتـزحـزح الـــحـــدود من دون أن تُمحى، يرى معلوف أن املعجزة الصغيرة للموسيقى يمكن أن تحدث. مــعــلــوف آت مـــن تــجــربــة مُــشـبَّــعـة بـطـبـقـات الــهــويــة والــــذاكــــرة والـتـكـويـن املـــنـــضـــبـــط، أمـــــا الـــعـــمـــل فــيــنــتــمــي إلـــى زمــن موسيقي سـريـع اإليــقــاع وشديد االنتشار. ومع ذلك، ال يرى بني العمق والـــســـرعـــة مـــواجـــهـــة حــتــمــيــة. «الــعــمــق بــالــنــســبــة إلـــــي ال يــرتــبــط بــالــشــكــل أو بسرعة االنتشار، إنما بالنية»، يقول. يـسـتـعـيـد نــشــأتــه فـــي بـيـئـة موسيقية صـــارمـــة، بـــ املــوســيــقــى الـكـاسـيـكـيـة واملــــســــابــــقــــات الــــعــــاملــــيــــة والــــعــــمــــل مــع أوركسترات وقـادة كبار، ثم يضع إلى جـانـبـهـا فــضــولــه الـــدائـــم تـــجـــاه الــجــاز والـــراب والـبـوب واملوسيقى التقليدية مـــن أنـــحـــاء الــعــالــم. هـــذا الـخـلـيـط، كما يـــشـــرح، هـــو مـــا صــنــع هــويــتــه الـفـنـيـة، ولـــــذلـــــك يــــــحــــــاول، حــــتــــى ضــــمــــن إطـــــار سريع، أن يقدّم شيئا نابعا من الداخل وراسخا في أساسه. وال يضع معلوف هذا التعاون في خــانــة الــتــحــوّل املــفــاجــئ. يــــراه «لحظة حـرّة» قائمة بذاتها، وفي الوقت عينه امــتــدادًا طبيعيا ملسار لطاملا ذهــب به إلـــى أمــاكــن لــم يـكـن الـجـمـهـور يتوقّعه فـيـهـا. بـالـنـسـبـة إلـــيـــه، لـيـس االنـفـتـاح خـــطّـــة مــــدروســــة بـــقـــدر مـــا هـــو طـريـقـة عـيـش. لـذلـك ال يـتـعـامـل مـــع الـتـجـربـة على أنها قطيعة مع ما سبق، وال بداية انقلب في املسار، فهي حلقة إضافية في طريق مفتوح على االحتماالت. ويعترف بأن كل لقاء يترك أثرًا في صـاحـبـه. وهـــذه الـتـجـربـة، كـمـا يـقـول، ذكّــرتـه بقدرة املوسيقى على أن تكون مباشرة وغريزية، تستطيع اختصار املسافات بني عوالم شديدة االختلف. قد يأتي الفنانون من لغات موسيقية متباعدة، ومـع ذلـك يلتقطون اإلشــارة بـــســـرعـــة حــــ تـــكـــون الـــنـــيّـــة واضـــحـــة. وهـذا في نظره سبب إضافي كي يظل مـنـفـتـحـا، وأال يــقــول لـنـفـسـه إن هـنـاك مساحة فنية ال تخصّه. عــــلــــى الــــضــــفــــة األخـــــــــــرى مــــــن هــــذا التعاون، يستعد معلوف لحفل ضخم ، أمــــام عــشــرات 2027 فـــي بـــاريـــس عــــام اآلالف مـــــن املــــتــــفــــرّجــــ . هـــنـــا تـنـتـقـل املــوســيــقــى مـــن حـمـيـمـيـة االســـتـــوديـــو إلــى طَــقْــس جـمـاعـي هــائــل. يـصـف هـذا الـتـحـوّل بـأنـه قـــوي، ألن اللحظة التي تـــبـــدأ داخـــلـــيـــة وصـــغـــيـــرة تـصـبـح على املـسـرح تجربة مشتركة مـمـتـدّة. ومع ذلـك، يبقى الهدف أن يصل اإلحساس الحقيقي، سـواء إلـى مستمع واحـد أو إلى جمهور كبير. وال يُــــخــــفــــي مــــعــــلــــوف قــــلــــقــــه مــن ضـخـامـة الـــعـــروض. نـسـألـه: هــل يمكن لـــلـــصـــورة أن تـبـتـلـع الــــصــــوت؟ جــوابــه يقوم على الـتـوازن. فالصورة في رأيه تستطيع أن تخدم املوسيقى ما دامت ال تطغى عليها: «األهم أن يبقى الفنان يقظا ومتواضعا، ويتذكر سبب وجوده على الخشبة. حني تظل املوسيقى في املركز، تصبح العناصر األخـرى سندًا لها، وليست عبئا عليها». يـريـد إبـراهـيـم مـعـلـوف أن يُــكـرِّس عبر هذا العمل معنى االنفتاح، فيُدرك املـسـتـمـعـون أن الـــحـــدود بـــ األنــمــاط املوسيقية ليست ثابتة: «لقاء العوالم املختلفة قادر على خلق لغة جديدة من دون خوف أو أحكام مُسبقة». بيروت: فاطمة عبد هللا في فنّه ظِل وطن ال يبهت مهما ابتعد (إبراهيم معلوف) : األرشيف في السعودية مادة خام لبناء سرديات جديدة فاسكيز لـ «بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعدرحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي داخـل صـاالت العرض وفي مختلف أنـحـاء حـي جـاكـس، واصــل الــــزوَّار، حتى الـسـاعـات األخــيــرة مـن «بينالي الدرعية »، استكشاف األعمال 2026 للفن املعاصر الـفـنـيـة، واملــشــاركــة فــي الـــــورش، وتــبــادل لحظات ينسجها اإلبداع والتفاعل. يوما، أخذت 92 وعلى مدى أكثر من الـدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جــــاءت بــعــنــوان «فـــي الــحــل والـــتـــرحـــال»، زوارهـــــــا فـــي رحـــلـــة الســتــكــشــاف مـفـهـوم الـتـنـقـل، واضــعــة إيــاهــم فــي حــالــة حركة مــســتــمــرة عـــبـــر مــــســــارات مــتــشــابــكــة بـ الثقافات والتعبيرات الفنية. وقد عكست هذه املسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تـبـلـور فــي أروقـــتـــه، حـيـث الـتـقـت تـجـارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهدًا فنيا متفاعل ينصهر في بوتقة واحـدة، تعكس وحدة التجارب اإلنسانية. وعـــبـــر فــــضــــاءات مـــتـــعـــددة، ولـــغـــات مـــتـــنـــوعـــة، ومـــــســـــارات مـــتـــقـــاطـــعـــة، جـمـع »2026 «بـيـنـالـي الـدرعـيـة للفن املـعـاصـر هــذا التنوع فـي مساحة مشتركة، حيث الـــتـــقـــت الــــحــــكــــايــــات، وتــــقــــاربــــت الـــــــرؤى، وتــحــولــت الــحــركــة إلــــى حــــوار حـــي عـابـر للثقافات واملسافات والزمن. «األرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل وفــــــي خــــتــــام الـــفـــعـــالـــيـــات الـــرئـــيـــســـيـــة الـتـي احتضنها «الـبـيـنـالـي»، بـــرز تـسـاؤل يتجاوز حدود اللوحات واملنحوتات: كيف يـمـكـن لـــلـــذاكـــرة أن تــتــحــول إلــــى مــــادة خــام للمستقبل؟ وذلك من خلل مشروع «حراس الـــزمـــن: األرشـــيـــف فــي حــالــة تـــحـــول»، الــذي أطلقته مؤسسة «بينالي الـدرعـيـة» ضمن مسارها الفكري والفني. وكـــشـــفـــت ســـيـــبـــيـــل فـــاســـكـــيـــز، مـــديـــرة الــبــرامــج الـثـقـافـيـة والــعــامــة فـــي «مـؤسـسـة بينالي الدرعية» بالسعودية، عن الفلسفة الـــكـــامـــنـــة وراء هــــــذا الــــتــــوجــــه، مــــؤكــــدة أن األرشــيــف لـم يعد مـجـرد رفـــوف غـبـاريـة أو ســـجـــات مــنــســيــة، بـــل نـــظـــام حـــي يتنفس فــي ظــل الــتــحــوالت الـكـبـرى الـتـي تشهدها السعودية. وأوضــحــت أن اخـتـيـار شـعـار «حــراس الـــزمـــن» جـــاء اسـتـجـابـة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بـصـفـتـنـا مـؤسـسـة، يـمـر عـبـرنـا كـــم هائل من األفكار والبحوث والحوارات، وسرعان مــا نـــدرك أن القليل منها يبقى ثـابـتـا؛ من هـنـا بـــرزت الـحـاجـة إلـــى تـعـريـف األرشـيـف بوصفه كيانا يتشكل بنشاط في الحاضر، ال كوعاء ساكن للماضي». ويتقاطع مفهوم األرشيف بعمق مع اإلطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والـتـرحـال»، حيث تشير فاسكيز إلـى أن «األرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والــــــتــــــحــــــوالت؛ فــــهــــو مـــــلـــــيء بــــالــــثــــغــــرات والتعديلت، وننظر إليه بوصفه فضاء انتقاليا بني املاضي واملستقبل». وأضـــــافـــــت أن الـــفـــنـــانـــ املـــشـــاركـــ اســـــتـــــكـــــشـــــفـــــوا هـــــــــــذه املـــــــســـــــاحـــــــات عـــبـــر مـــــــوضـــــــوعـــــــات الـــــــــــنـــــــــــزوح، والـــــــــــذاكـــــــــــرة، والـسـرديـات املـتـطـورة، مـا حـــوَّل األرشـفـة من مجرد «توثيق» إلـى «ممارسة فنية» تجمع بـ العمق الشخصي والتقنيات املعاصرة. ومـع تـسـارع التحوالت الرقمية، ترى فاسكيز أن دور األرشيف تجاوز الحفظ إلى الـتـأثـيـر، مـوضـحـة: «لـقـد جعلت التقنيات األرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: مــــــاذا نــحــتــفــظ؟ بــــل كـــيـــف نــتــعــامــل مــــع مـا نحتفظ بــه؟»، مشيرة إلـى أن األرشيف في السعودية اليوم بـات مـادة خاما يُعيد من خللها املمارسون بناء سرديات جديدة. وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مـــكـــانـــتـــه، لـــيـــس بـــوصـــفـــه مـــنـــصـــة لـــعـــرض الـفـنـون فــقــط، بــل بـوصـفـه مـخـتـبـرًا وطنيا يــعــيــد تــعــريــف الـــعـــاقـــة بـــالـــزمـــن، ويـــحـــوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد. يـنـايـر (كــانــون 30 وخــــال الــفــتــرة مــن ، فـي حي 2026 ) مـايـو (أيـــار 2 الـثـانـي) إلــى جاكس اإلبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر األعمال واألفكار التي تناولت عاملا يتَّسم بالحركة والتغير املستمر. وقدمت تصورًا لعالم يتشكل عبر الـــتـــرحـــال ال الـــثـــبـــات، ومــــن خــــال مــســارات متقاطعة من الطرق واإليقاعات والعلقات، تجسدت فـي أعـمـال مــأت قـاعـات العرض، 37 فنانا يمثلون أكثر من 68 وشـارك فيها دولـــة، لتتلشى بينها الـحـواجـز وتتوحد في سرد إنساني مشترك. البينالي جمع بين أطراف العالم إلكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية) الرياض: عمر البدوي بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب اإلنسانية (بينالي الدرعية) عبر أماكن ولغات ومسارات جمع «بينالي الدرعية» التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية) لم يعد السؤال: بماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==