الثقافة CULTURE 18 Issue 17318 - العدد Tuesday - 2026/4/28 الثلاثاء أصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح الحرب... اختفاء الجبهات لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعـان، ولا انتقال واضح من السلم إلـــى الـــصـــراع. مــا يــحــدث الــيــوم أقــــرب إلـى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفـعـال دون أن تتكوَّن منها صورة واحـــــــدة واضــــحــــة. نـــحـــن لا نــشــهــد بـــدايـــة يــمــكــن الإشـــــــارة إلـــيـــهـــا، ولا نــعــيــش ذروة يـمـكـن الاتـــفـــاق عـلـيـهـا، بـــل نــتــحــرك داخـــل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالا متعددة دون أن يستقر على هيئة واحـــدة. هـذا التحول لا يغير فقط طريقة انـدلاع الحرب، بل يبدل أيضا إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبــن غيرها مـن حـــالات الـتـوتـر أمـــرا أكثر تعقيداً، وأقــل قابلية للحسم أو التعريف المباشر. فـــي الــنــمــوذج الـــقــديــم، كــانــت الــحــرب تُــفــهــم مـــن خــــال نــقــطــة ارتــــكــــاز واضـــحـــة، جــبــهــة يــمــكــن تـــحـــديـــدهـــا مـــكـــانـــيـــا، وخـــط يــفــصــل بـــن مـــن يــقــاتــل ومــــن لا عـــاقـــة له بـالمـواجـهـة. هــذا الشكل منح الـعـالـم قـدرة عـلـى الـتـمـيـيـز، حـتـى فــي أقـسـى الــظــروف، بـن الـداخــل والــخــارج، بـن منطقة القتال وبـقـيـة الــحــيــاة. كـــان بــالإمــكــان أن يعيش الإنـــســـان خــــارج الـــحـــرب، أو عـلـى الأقــــل أن يتوهَّم ذلــك، لأن هناك حـــدودا تفصل بين الـفـعـل الـعـسـكـري وبـقـيـة أنــمــاط الــوجــود. هــذه الـحـدود لـم تكن دائـمـا صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضــح للحرب بــوصــفــهــا حـــالـــة اســتــثــنــائــيــة، لــهــا بــدايــة ونهاية يمكن تصورهما. فــي الــحــرب الــتــي جــسَّــدهــا فـيـلـم «كـل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هـــذه الـبـنـيـة بـــوضـــوح، خـــنـــادق مـتـقـابـلـة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمـن للحرب يمكن تـمـيـيـزه عــن زمـــن الـحـيـاة الـيـومـيـة. حتى العنف كان محصورا داخـل هندسة مـكـانـيـة قـابـلـة لـلـفـهـم، وكــــان بــالإمــكــان أن يُـــــــروى وأن يُـــفـــهـــم ضـــمـــن ســـيـــاق مـــحـــدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تــنــظّــم الــتــجــربــة وتــمــنــحــهــا شـــكـــا يمكن إدراكــــــــه، وتـــضـــع حــــــدودا واضـــحـــة لمـــا هو داخل الصراع وما هو خارجه. لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلـى تـداخـل ممتد بـن مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضـح بين الــضــربــة والـــــرد، أو بـــن الـفـعـل الـعـسـكـري وبــقــيــة الــبــنــى الاقـــتـــصـــاديـــة والـسـيـاسـيـة المحيطة بــه. الأحــــداث لـم تعد تتتابع في خــــط زمـــنـــي يــمــكــن تــتــبــعــه بـــســـهـــولـــة، بـل تــتــشــابــك فـــي شـبـكـة مـــن الـــتـــأثـــيـــرات الـتـي يـصـعـب فــصــل بـعـضـهـا عـــن بــعــض. بـهـذا المعنى، لم تختف الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقــرب إلـى بنية خفية تعمل من تحت السطح. حــــــن تــــتــــحــــرك الــــــــولايــــــــات المــــتــــحــــدة وإســـرائـــيـــل فـــي مــواجـــهــة إيـــــــران، لا يبقى الصراع محصورا في نقطة واحــدة يمكن متابعتها بصريا أو جغرافياً. الأثر ينتقل عــبــر مــســتــويــات مـــتـــعـــددة، تــتــداخــل فيها الــبــنــيــة الــعــســكــريــة مـــع المـــالـــيـــة والـتـقـنـيـة والإعــامــيــة، بحيث يفقد الــحــدث وحـدتـه الأولــــى. مـا يـبـدو فـعـا مــحــدودا فـي مكان معيَّ، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بـتـداعـيـاتـه غـيـر المـــبـــاشـــرة. بــهــذا المـعـنـى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيـلـت، بـل لأنها تـفـكـكـت إلــــى عــنــاصــر صــغــيــرة تـعـمــل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مــكــانــا، بـــل أصـبـحـت نـمـطـا مـــن الــتــداخــل، يــتــغــيَّــر بــحــســب الـــســـيـــاق ويــتــشــكَّــل وفـقـا لتفاعل قــوى مـتـعـددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة. هـــــذا الـــتـــحـــوُّل يــعــيــد تــشــكــيــل عــاقــة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خـارجـهـا بوصفها حـدثـا منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يــتــأثَّــر عـبـر تــدفــقــات الاقـــتـــصـــاد، وأســعــار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءا من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً. في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعا قائما بذاته، بل وضعا مستمرا فـي التكوين. مـا يبدو هـــدوءا ليس نهاية للتوتر، بل شكلا من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة. كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحــــدة، بـل عبر سلسلة أفـعـال جـزئـيـة، لا يبدو أي منها كافيا لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمرا غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثا يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها. فــــي مــــواجــــهــــة هــــــذا الــــــواقــــــع، تـصـبـح الــــحــــرب الـــحـــديـــثـــة أقــــــرب إلـــــى نـــمـــط إدارة مـسـتـمـر لـلـتـوتـر، لا إلـــى مــواجــهــة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضــحــن. هـي حالة تتغير صفتها أكـثـر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفــقــا لـلـظـروف الــتــي تمر بــــهــــا، وتـــــفـــــرض إيـــقـــاعـــهـــا الـــــخـــــاص عـلـى الجميع. ومـــــن هـــــذا المــــنــــظــــور، فـــــإن وعـــــي هـــذا الـــتـــحـــول لــيـــس تـــرفـــا فـــكـــريـــا، بــــل ضـــــرورة وطـــنـــيـــة، خـــصـــوصـــا لـــــــدول مـــثـــل المــمــلــكــة الــعــربــيــة الــســعــوديــة الـــتـــي أدركــــــت مـبـكـرا طـبـيـعـة هــــذا الــتــغــيــر. فـتـعـزيـز الاســتــقــال الاســتــراتــيــجــي، وتــنــويــع مـــصـــادر الــقــوة، وبــــنــــاء مـــنـــظـــومـــات اقـــتـــصـــاديـــة وتــقــنــيــة متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحـدة، بل في كل اتجاه. في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مــكــانــيــة أصـــــــاً. الــــســــؤال الأعــــمــــق يـتـعـلـق بطريقة تشكُّل الـصـراع نفسه، حـن يفقد شكله المـتـمـاسـك ويـتـحـوَّل إلـــى شبكة من الـتـأثـيـرات المـتـبـادلـة. وعـنـد هـــذه النقطة، لا يـعـود الإنـــســـان خـــارج الــحــرب كـمـا كـان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى فـــي الـلـحـظـات الــتــي يـظـن فـيـهـا أنـــه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها. * كاتب سعودي *خالد الغنامي تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن رثاثة التأسيس العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة قـــــــد يــــــبــــــدو الــــــــســــــــؤال عـــــــن ســــــرديــــــات الاقـــتـــصـــاد مـــفـــارقـــا، ومـــثـــيـــراً، وبـــاعـــثـــا على الـــــجـــــدل حــــــول عـــاقـــتـــه بـــتـــســـويـــق فــرضــيــة تـــقـــويـــض الأنـــــمـــــاط المـــهـــيـــمـــنـــة لـــاقـــتـــصـــاد، والــــســــيــــاســــات الــــســــانــــدة لــــهــــا، وبــطــبــيــعــة تغيراتها فـي التعاطي مـع مفاهيم السوق والاسـتـهـاك والإعــــان، فـضـا عـن علاقتها بـــمـــظـــاهـــر الـــــقـــــوة والــــســــيــــطــــرة المـــصـــرفـــيـــة والمـــعـــلـــومـــاتـــيـــة، فـــمـــا حـــــدث بـــعـــد الــصــدمــة أفـقـد العالم كثيرا من 2001 الأميركية عــام مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفا على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كـتـمـثـيـل اســـتـــحـــواذي لــــ«الـــزمـــن الأمــيــركــي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بـالآيـديـولـوجـيـا، والـسـيـاسـة بـــالأمـــن، على نحو جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تـــاريـــخ جـــديـــد»، بـــدا وكــأنــه مــعــادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة. هــــذا الـتـمـثـيـل كــــان أكـــثـــر وضـــوحـــا من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتـنـاقـضـات جيوسياسية صــادمــة، أثـــارت أســـئـــلـــة فــــارقــــة حـــــول تـــوصـــيـــف الــثــنــائــيــات الــقــديــمــة لــــ«الـــغـــرب والــــشــــرق» أو «الــشــمــال والـــجـــنـــوب»، إذ كـشـفـت هـــذه المـــفـــارقـــات عن معطيات بــدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّما في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفـكـار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غـايـاتـهـا تكمن بــالــخــروج بـنـتـائـج تتوخى تـحـويـل الـــقـــوة إلـــى أدوات قـــاهـــرة، مقبولة وخــادعــة، وإلـــى أســـواق غـاويـة للاستهلاك، وإلـى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلا عـن توظيفها على طريقة «فـوكـويـامـا» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلا آيديولوجيا لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية. ليس 2003 ما حدث في العراق بعد عام بـعـيـدا عــن ذلــــك، فــســرديــات الـــدولـــة الـكـبـرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحو أعطاها زخما وعنفا ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات الــيــســار والــيــمــن، والاشـــتـــراكـــيـــة والـقـومـيـة فــاعــلــة، ومــــا بــــرز فـيـهـا تـــبـــدى عــبــر صـعـود سريع وحاد لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تـاريـخ لها مـع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامـــــتـــــاك والاســـــتـــــحـــــواذ، لــتــصــعــد مـعـهـا رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقـتـصـادي وسـيـاسـي طفيلي ومـلـتـبـس، لم تصنع منه «الــدولــة الـجـديـدة» قــوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والـعـدل الاجتماعي. فــرغــم فـشـل تـلـك الــرســامــيــل فـــي أن تتحول إلــى رسـامـيـل كـبـرى، أو إلــى شـركـات عابرة لـلـقـارات، فــإن هامشيتها جعلت منها قوة عـنـيـفـة، تـسـلـل كـثـيـر مـنـهـا إلــــى مـنـظـومـات الـــســـلـــطـــة الـــرســـمـــيـــة، لـــتـــدخـــل فــــي نــظــامــهــا الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقـتـصـادهـا الــرخــو. وهـــذا مــا جعلها تلعب دورا فــــي صـــنـــاعـــة الاقــــتــــصــــادات الـــطـــارئـــة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمـسـتـدامـة، وفــي فشل نظامها المــــؤســــســــي، فــــضــــا عــــن تــــعــــرّض جـــهـــازهـــا الإداري إلــــى الـتـضـخـم والـــتـــرهـــل والــتــشــوه البنيوي. اســتــبــدال الـــســـرديـــات الـقـديـمـة بــإعــادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمـة والقومية والـــتـــاريـــخـــيـــة أفــــــرز أشـــــكـــــالا هــجــيــنــة لـتـلـك الــــســــرديــــات الـــصـــغـــيـــرة، ولمــــظــــاهــــر عـنـفـهـا واضـــطـــرابـــهـــا فـــي تـمـثـيـل المـــجـــال الــتــداولــي لــلــمــفــاهــيــم المـــــجـــــاورة الـــتـــي تـــخـــص الـــدولـــة والديمقراطية والـحـريـة والـعـدالـة والهوية والــــقــــانــــون، بــــاتــــجــــاه جـــعـــل مــــن الاجـــتـــمـــاع الـــســـيـــاســـي مــخــتــرقــا مــــن خـــــال انــتــهــاكــات عميقة، فقد معه تمثيله «الـوطـنـي» مقابل تـــحـــول بــعــض الــجــمــاعــات إلــــى قــــوى فـاعـلـة وضـــــاغـــــطـــــة، لا تـــجـــمـــعـــهـــا ســـــــوى مـــصـــالـــح الاســتــمــاك، ونـــزعـــات الاســتــهــاك الـكـبـيـرة، أي أن وجـودهـا ظـل رهينا بنزعات تشييد مــظــاهــر إدامــــــة هــــذا الاســـتـــهـــاك، مـــن خــال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهـلـيـة، مــــولات، الــشــركــات، نــــوادٍ، مــقــاولات، غيرها. وهـــذا مـا أسـهـم فـي تمهيد الطريق إلـى تضخم قـوة هـذه المـؤسـسـات، وتحويل علاماتها التجارية إلـى عـامـات رمـزيـة في صـنـاعـة «المـجـتـمـع الــظــل» الـــذي يـتـغـذى من خــال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال الـــتـــلـــويـــح بـــفـــرضـــيـــة الـــعـــنـــف الاقــــتــــصــــادي. تـلـك الـتـي تـكـرسـت عـبـرهـا نــزعــات الانـفـات عـن الـنـظـام الــعــام، وتـغـولـت مظاهر التفرد بـالاسـتـهـاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تـــشـــكـــيـــل الــــــــــدول الــــنــــاجــــحــــة، عــــبــــر ربـــطـــهـــا بـــالـــســـيـــاســـات الـــنـــاجـــحـــة والإدارة المـهـنـيـة الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين. تضخم مـظـاهـر الاسـتـهـاك كـشـف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حــدود التقدم والـبـنـاء الـدولـتـي، فرغم أنها ارتـــبـــطـــت بـــنـــشـــوءات طــــارئــــة، وبــتــشــوهــات صنعها الاقــتــصــاد الـطـفـيـلـي، فـــإن تغولها ارتـهـن إلــى ثـقـافـات هـشـة، عـلـى نـحـو أسهم بــجــعــل المــجــتــمــع الـــعـــراقـــي أكـــثـــر اســـتـــعـــدادا للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رســامــيــل غــامــضــة، وعــبــر تــشــكــات طبقية غـــائـــمـــة، وســــيــــاســــات مـــكـــرســـة لــحــمــايــتــهــا، حتى عبر أدلـجـات جعلت مـن العنف جـزءا من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومـتـعـالـيـة عـلـى جـمـاعـات تـعـيـش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة فـــي صــراعــاتــهــا وفــــي أوهـــامـــهـــا الـنـخـبـويـة والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك. سرديات الاستهلاك تـــاريـــخ الـــعـــراق مـــع الاقــتــصــاد الـريـعـي يـرتـبـط بـتـاريـخ الـتـشـوهـات الآيـديـولـوجـيـة للدولة العراقية منذ قـرار تأميم «الصناعة . فـمـع صــعــود الــدولــة 1964 الــعــراقــيــة» عـــام الـقـومـيـة، وأنــمــوذج حكمها الـديـكـتـاتـوري، تحول هـذا الاقتصاد إلـى مظاهر للهيمنة، وإلــى الخضوع لسياسات الـدولـة المركزية، وإدارتــــــهــــــا المــــركــــزيــــة، لــيــســهــم فــــي صــنــاعــة وتــكــريــس دولـــــة الاقـــتـــصـــاد، عــبــر تـسـمـيـات زائـــــفـــــة، مـــثـــل «الاقــــتــــصــــاد الاشــــتــــراكــــي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار. التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نــــــوع مـــــن رأســــمــــالــــيــــة الــــــدولــــــة، المـــحـــكـــومـــة بمركزية الأنــمــوذج الآيـديـولـوجـي المتعالي للخطاب القومي، الــذي يتغذى عبر شعار «الـثـروة ملك الشعب والأمـــة»، حيث القطاع الـــعـــام أو «الاشــــتــــراكــــي» يـــكـــون هـــو المــجــال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والــــحــــزب والمـــعـــســـكـــر، بـــمـــا فــيــهــا قــطــاعــات التعليم والصحة والتجارة والثقافة. مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المـفـاهـيـم، وكـذلـك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعــمــال الـقـطـاعـات الاقــتــصــاديــة والـتـجـاريـة والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات الــعــمــل، إذ تــحــولــت الـــدولـــة الــــى «مــصــرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والــعــامــة، لـيـبـرز «الاقــتــصــاد الاســتــيــرادي» السهل، بوصفه مجالا تعويضياً، لكنه كان مـــن أكــثــر مــظــاهــر الاقـــتـــصـــاد تــشــوهــا، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارتـــه من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز الـــســـيـــاســـي، لا بــالــجــهــاز الاقــــتــــصــــادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها. جانب من شارع المتنبي ببغداد علي حسن الفواز مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز غــيّــب المــــوت الأكـــاديـــمـــي والمـسـتـعـرب الــــبــــريــــطــــانــــي الـــــــبـــــــارز، الـــــدكـــــتـــــور فــيــلــيــب عاما بعد صراع طويل 82 سادجروف، عن مع المرض. بــــعــــد إكــــمــــالــــه دراســــــتــــــه الـــجـــامـــعـــيـــة كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخـدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصا فــــي الــــتــــاريــــخ والـــثـــقـــافـــة الـــعـــربـــيـــة. أحـــب ســادجــروف الـعـرب وثقافتهم وجـــال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه. شـــغـــل الــــراحــــل مــنــصــب رئـــيـــس قـسـم الـدراسـات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهــــام وأدنـــبـــرة، والـتـرجـمـة فــي جامعة هــيــريــوت- وات بــأدنــبــرة، وخــــال مسيرة الـدكـتـور ســادجــروف الأكـاديـمـيـة الـزاخـرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب. المــســرح الـعـربـي كـــان الـشـغـل الشاغل لـلـدكـتـور ســــادجــــروف، ويُـــعـــرف بتوثيقه الــدقــيــق لــتــاريــخ المـــســـرح الــعــربــي، خـاصـة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن )» الـــذي يـؤرخ 1882-1799( الـتـاسـع عشر لــبــدايــات المـــســـرح مـنـذ الـحـمـلـة الفرنسية ودور الــفــرق الـشـامـيـة والأجـنـبـيـة. يعتبر كتاب «المـسـرح المـصـري فـي الـقـرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعا أساسيا لدراسات المسرح العربي. اســتــخــدم الـــدكـــتـــور ســــادجــــروف في الـــكـــتـــاب مـــصـــادر لـــم يــتــم اســتــغــالــهــا من قــبــل لــيــقــدم تــاريــخــا شـــامـــا لـلـمـسـرح في مصر، منذ وقـت الحملة الفرنسية عليها ، وحــتــى الاحـــتـــال الـبـريـطـانـي 1798 عـــام ، متفحصا الأشــكــال التقليدية 1882 عـــام من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتــطــور المــســرح الأوروبــــــي فــي مــصــر، في بـــاكـــورة الـعـقـد الــثــامــن مــن الــقــرن الـتـاسـع عشر. يتناول الكتاب أيضا مشروع إنشاء مـــســـرح قـــومـــي فــــي مـــصـــر، ويـــــــروي قـصـة الــــفــــرق المـــســـرحـــيـــة المـــهـــاجـــرة الـــتـــي لـعـبـت دورا حاسما في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما الـعـربـيـة، ومـنـهـا مـسـرح يـعـقـوب صـنـوع، وكذلك المسرح العربي الـسـوري في مصر ويـــركـــز عــلــى نـــشـــاط الــجــالــيــات الأجـنـبـيـة والــفــرق الـسـوريـة وتـأثـيـرهـا على الحركة المسرحية المصرية. كـمــا يـنـسـب إلــــى الـــراحـــل الــفــضــل في اكــــتــــشــــافــــات بـــحـــثـــيـــة تـــتـــعـــلـــق بــنــصــوص مـــســـرحـــيـــة عـــربـــيـــة مـــبـــكـــرة، بـــمـــا فــــي ذلـــك أبـــحـــاثـــه حــــول أول نـــص مــســرحــي عـربـي جـزائـري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخط مغربي - جــزائــري، طبع على الآلـــة الحجرية عام صـفـحـة مـــن الـقـيـاس 62 وذلـــــك فـــي 1847 الصغير. إلــى جـانـب المــســرح، اهـتـم الدكتور سادجروف بجوانب أخـرى من الثقافة الـعـربـيـة، لا سـيـمـا الـصـحـافـة المكتوبة فــي مـصـر وغـيـرهـا مــن الــــدول العربية، وكـانـت لـه مساهمات فـي إثـــراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومــــــــقــــــــالات أصـــــبـــــحـــــت مـــــرجـــــعـــــا مــهــمــا للمتخصصين فيه. لندن:» الشرق الأوسط» فيليب سادجروف غلاف كتابه الشهير عن المسرح المصري النص الكامل على الموقع الالكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky