issue17303

Issue 17303 - العدد Monday - 2026/4/13 االثنني اإلعالم 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز قادة قطاع اإلعالم في جميع أنحاء القارة يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين ال ثالث لهما إما التكيف أو الزوال ترند هل كانت «قرية ماكلوهان الكونية» وهماً؟ حــن أطـلـق مـــارشـــال مـاكـلـوهـان مـفـهـومـه الـشـهـيـر عن «الـقـريـة الـكـونـيـة»، فـي مطلع ستينات الـقـرن الـفـائـت، كان يرى في وسائل االتصال الحديثة، آنـذاك، ما يشبه الجهاز العصبي املركزي لإلنسانية جمعاء، شبكة ستمتد خيوطها بي القارات، لتجعل العالم أكثر تواصال وإدراكًا مشتركًا من أي قرية ريفية صغيرة عرفها التاريخ. كـــان الــوعــد مُــبـهـجـ وطـاغـيـ فــي إغـــرائـــه؛ يـتـحـدث عن إنسانية واحـدة تتنفس في فضاء رمـزي مشترك، يتشارك أفـــرادهـــا الــصــور واألفـــكـــار واالنـــفـــعـــاالت فــي آن واحــــد، كما يـتـشـارك أبـنـاء الـقـريـة الــواحــدة أخـبـار مـا جــرى عند النهر صبيحة يـوم مـا. غير أن الـتـاريـخ، كما اعـتـاد فـي كثير من األحيان، لم يلتزم بالنبوءات التي حاولت تطويعه وتأطير مساراته. ذلك الحلم البسيط لم يتحطم دفعة واحـدة، بل تشقق ببطء، كجدار يتصدع على مدى سنوات قبل أن يسقط. فمع تسارع الثورة الرقمية وانفتاح الفضاء اإللكتروني ملاليي املـسـتـخـدمـن، لــم تــتــوسّــع الــقــريــة لـتـسـتـوعـب الـجـمـيـع، بل انفجرت إلى أرخبيل من الجزر املتناثرة التي تتجاور من دون أن تتالقى، وتتواصل دون أن تفهم إحداها األخرى. لــم تـعـد هــنــاك ســاحــة عــامــة واحــــدة تـجـمـع الــنــاس في الهواء الطلق، بل صارت لكل جماعة حجرتها املُغلقة، ولكل حجرة مرآتها التي ال تعكس إال وجـوه أصحابها. وهكذا بـاتـت املشكلة ال تكمن فــي شُـــح اإلفـــــادات، بــل فــي تنوّعها وتصادمها وتشظّيها الوفير، الذي يُعيد تشكيل الوعي في قوالب متباعدة ال تلتقي. ال يمكن فـهـم هـــذا الـتـحـول دون الـنـظـر فــي ديناميات الـخـوارزمـيـة، التي باتت تحكم تـوزيـع املـعـرفـة، وتـحـدد ما يرى كل امـرئ وما يُحجب عنه. فهذه الخوارزميات ليست أدوات مـحـايـدة تنقل املعلومة مـن مـكـان إلــى آخـــر، بـل هي محرّكات اجتماعية بامتياز، تعمل وفق منطق االستحسان واالستمرار. إذ تغذي املتلقي بما يميل إليه مرة بعد مرة، حـتـى تــغــدو الـفـقـاعـة الــســرديــة الــتــي يـعـيـش فـيـهـا سميكة كجدار وصلبة كحقيقة. واملفارقة أن هذه الفقاعة ال تُفرض بـالـقـوة وال تُــســوَّر بـسـيـاج، بــل تُــبـنـى طـوعـ ومـحـبـة، حي يختار اإلنسان ما يريح عقله ويؤكد قناعاته ويـردد عليه ما يؤمن به مشفوعًا بـ«أدلة» جديدة. من هذه البنية الخوارزمية نشأت ما باتت الدراسات اإلعالمية تسميها «مجتمعات االعـتـقـاد»، وهـي جماعات معرفية مغلقة ال تشترك مع جيرانها في الفضاء الرقمي فــي مـرجـعـيـة واحــــدة وال فــي نـسـق مـعـرفـي واحــــد. ومثلما كانت القبائل القديمة تحمل أساطيرها وترويها ألبنائها جيال عن جيل، تحمل هذه الجماعات رواياتها عن العالم، وتعيد إنتاجها يوميًا، في تدفق متواصل من املنشورات والـتـعـلـيـقـات واملـــشـــاركــات. وحـتـى إذا تــم غــض الـبـصـر عن التآمر أو التدليس فـي هـذه الدينامية، فستبقى الطبيعة الــبــشــريــة تـــزودهـــا بــطــاقــة انـــحـــراف مـــتـــجـــددة؛ عــبــر ميلها الواضح إلى البحث عن األلفة ورفض القلق املعرفي. وتـتـجـلـى تــبــعــات هــــذا الـتـفـكـك فـــي الــحــقــل الـسـيـاسـي الدولي تجليًا يصعب إغفاله. فحي تشتعل الحروب اليوم، ال تدور معاركها على األرض فحسب، بل في سماء الروايات املـتـضـاربـة الـتـي تــصــوّر األحــــداث ذاتــهــا بـصـور متناقضة تناقضًا جذريًا، بحيث يحكي كل طرف القصة من منظوره وبلغته، ويُقصي املقاربات املُضادة عن الساحة تمامًا. وقد أسهمت في هذا املشهد ظاهرة تراجع املؤسسات اإلعـــ مـــيـــة الـــكـــبـــرى، الـــتـــي كـــانـــت تـضـطـلـع بـــــدور الـوسـيـط الـعـمـومـي، تـلـك الـصـحـف واملـنـصـات اإلعــ مــيــة، الـتـي رغـم مــثــالــبــهــا وانـــحـــيـــازاتـــهـــا الـــكـــبـــيـــرة، كـــانـــت تــصــنــع مـرجـعـ مشتركًا، وتنظم سـرديـة مـركـزيـة ولــو مثيرة لـلـجـدل. فمع تآكل الثقة بها، وانحسار جمهورها، وانفتاح أبواب النشر أمام الجميع، تبخّر ذلك الوسيط ولم يُعوَّض بشيء يؤدي وظيفته، وحـل محله فضاء هائل من األصــوات املتشابكة، التي ال يجمعها ضابط، وال تفصل فيها لجنة تحرير، وال يتحمل أصحابها في الغالب مسؤولية ما يقولونه. وهكذا تُطرح املسألة الكبرى في عمقها الفلسفي: هل كـان وعـد «القرية الكونية» وهمًا فـي أصـلـه، أم أن التقنية الرقمية حوّلت أداة كانت قــادرة على الجمع، رغـم عيوبها الكبيرة، إلى آلة وظيفتها التشتيت؟ ولعل اإلجابة األصدق تقع بي االحتمالي معًا. فقد كان ماكلوهان مُحقًا في رؤيته أن وسيلة االتصال هي الرسالة، لكنه لم يستوعب بما يكفي أن التوسع األفقي لهذه الوسائل سيُنتج درجـة هائلة من التعدد غير املــدروس وغير املتجانس، وأن الجمهور حي يُمنح حق االختيار الكامل كثيرًا ما يختار «الدفء والراحة» على حساب الحقيقة، ويؤثر املألوف على النقدي واملُغاير واملُزعزع. ربما لم تمت قرية ماكلوهان بالضرورة، لكنها تشظّت إلى ألف قرية متجاورة تتكلم في وقت واحد دون أن تسمع إحــداهــا األخــــرى، وتـتـصـاخـب دون أن تـتـحـاور، وتـتـشـارك االهــتــمــام بـقـضـايـا مـــا، لـكـن لـكـل مـنـهـا مـنـظـورهـا الـخـاص والصلب وغير القابل للتفاهم أو املراجعة أو النقد. من معالمها نهاية البرامج المجدولة «ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا تعكف آسيا اليوم، على إعـادة كتابة قواعد الــتــلــفــزيــون بــــهــــدوء. وفــــي خــضــم هــــذا الـتـغـيـيـر، يـــتـــ شـــى تـــدريـــجـــيـــ الـــنـــمـــط الـــقـــديـــم املــتــمــثــل فـي «تــشــغــيــل جـــهـــاز الــتــلــفــزيــون فـــي تـــمـــام الـتـاسـعـة مساء ملتابعة األخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصـــــول األخــــبــــار. وبــــــدال عـــن ضــبــط الــتــلــفــزيــون فــي وقـــت مــحــدد، أصـبـح املــشــاهــدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت. ، بـاتـت آسيا 2026 ومـــع انـطـ قـنـا عـبـر عـــام الــســاحــة الـرئـيـسـة لـعـالـم «مـــا بـعـد الـتـلـفـزيـون». وبفضل التحوّل املتواصل إلى منصات البث عبر ) والطلب املتزايد على املعلومات OTT( اإلنترنت «فــي أي وقـــت»، لـم تعد آسـيـا مـجـرد مـشـارِكـة في الــتــحــول الــعــاملــي نــحــو االســـتـــهـــ ك عــبــر الـهـاتـف املحمول، بل أصبحت تقوده. إعادة هيكلة جذرية في الـواقـع، إننا نعاين اليوم تحوال هائالً، وتــشــيــر الــتــوقــعــات الـصـنـاعـيـة الــحــديــثــة إلــــى أن انـتـشـار مـنـصـات الـبـث عـبـر اإلنــتــرنــت فــي آسـيـا، .2029 فــي املــائــة بـحـلـول عـــام 62.5 سـيـصـل إلـــى في الوقت ذاتــه، نشهد في الوقت الـراهـن انتقال مئات املاليي من املشاهدين من أنظمة «الكايبل» واألقــمــار االصطناعية التقليدية إلــى الـبـث عبر اإلنترنت. وكـــــذلـــــك، ال تـــقـــل الــــتــــداعــــيــــات االقـــتـــصـــاديـــة املترتبة على هــذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الـــذي تشير تـقـديـرات إلــى تـراجـع عـائـدات قنوات مليارات 8 التلفزيون التقليدي في املنطقة بنحو دوالر خــــ ل الـــســـنـــوات الــقــلــيــلــة املــقــبــلــة، تشهد عائدات الفيديو عبر اإلنترنت ارتفاعًا صاروخيًا؛ مليار دوالر عام 70 إذ مـن املتوقع أن ترتفع مـن مليار دوالر بحلول نهاية العقد. 89 إلــى 2025 ويكشف ذلــك عـن أن هــذا ليس مـجـرد تغيير في امليول والتفضيالت، وإنما إعــادة هيكلة شاملة القتصاد اإلعـ م. وحقًا، أصبح من النادر اليوم، أن تـــكـــون الـــشـــاشـــة الـــتـــي يــتــابــعــهــا املـــشـــاهـــدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله املرء باستمرار بيده. ومع أن محطات الـبـث ال تـــزال حريصة على عــرض نـشـرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات واملـوجـزات ومنصات التواصل االجتماعي. البث عبر اإلنترنت ونهاية الجداول الثابتة من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر اإلنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هـــــذه الــتــطــبــيــقــات ســــاحــــات األخــــبــــار الـــجـــديـــدة. ومـع انحسار اعتماد املشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض املـشـاهـدون عـن التنقل بي القنوات، بالتصفح بي التطبيقات. داخـــــــل األســــــــــواق الـــنـــاضـــجـــة مـــثـــل الـــيـــابـــان وكـــوريـــا الـجـنـوبـيـة، تُـــضـــاف خـــدمـــات الــبــث عبر اإلنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث املباشر تجربة الفيديو املنظمة األولى ملاليي املشاهدين. ومـــــن جـــانـــبـــهـــا، تـسـتـجـيـب شــــركــــات االتــــصــــاالت وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خالل إعـــــادة تـسـمـيـة تـطـبـيـقـاتـهـم لـتـصـبـح «مـجـمّــعـات فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني املباشر OTT والـريـاضـة واألخــبــار فـي تطبيقات واحــــدة. ومع انـــتـــقـــال جــمــيــع قـــنـــوات املـــحـــتـــوى إلــــى تـطـبـيـقـات الهواتف املحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في ًالتالشي. التوجّه الرقمي أوال قـادة قطاع اإلعــ م في جميع أنحاء القارة، يــــدركــــون الـــيـــوم أن املـــؤســـســـات الــتــقــلــيــديــة أمـــام خيارين ال ثالث لهما: إما التكيف أو الــزوال. في هذا اإلطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لـشـركـة «ديـــش تــي فــي الـهـنـد»، إن الـتـلـفـزيـون لن يبقى محوريًا، إال إذا انـدمـج تمامًا مـع منصات البث عبر اإلنترنت والتطبيقات. وباملثل، أعرب راسـمـوس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والـــبـــاحـــث الــخــبــيــر، عـــن اعـــتـــقـــاده بــــأن االعــتــمــاد عــلــى املــنــصــات لـــ طـــ ع عــلــى األخــــبــــار، يُـــقـــوّض بشكل جـذري النماذج التقليدية املتمركزة حول التلفزيون. وفــــــي الـــــوقـــــت نـــفـــســـه، تـــــتـــــردد أصـــــــــداء هـــذا الــــــرأي داخـــــل الـــصـــن. وكـــمـــثـــال، ذكـــــرت «جـمـعـيـة الـــصـــحـــافـــيـــن لـــعـــمـــوم الــــــصــــــن»، فـــــي تـــقـــريـــرهـــا الـسـنـوي، أن قـطـاع اإلعـــ م فـي طــور الـتـحـول من نــمــوذج الــبــث الـتـقـلـيـدي، إلـــى نــمــوذج املـنّــصـات، وأن تقنيات الذكاء االصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع. وهــــكــــذا، أصـــبـــح لـــــدى شــــركــــات عـــمـــ قـــة فـي مـجـال اإلعـــ م، مثل «تنسنت فيديو» و«يـوكـو»، دور محوري في كيفية استهالك األجيال الشابة لــأفــ م الـوثـائـقـيـة واألخـــبـــار. وبــــات املـشـاهـدون الصينيون يـعـتـمـدون عـلـى الـبـث املـبـاشـر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلي برامج التلفزيون الحكومية. بــــل، والـــ فـــت أنــــه حــتــى فـــي الـــيـــابـــان، حيث لـطـاملـا كــانــت ظـلـت سـوقـهـا اإلعــ مــيــة محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على األخبار عبر اإلنترنت يوميًا، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف املطبوعة. مـثـ ً، فـي صحيفة «أسـاهـي في املائة من 70 شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من القراء إلى املحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلـــى نـقـطـة تــحــول حـاسـمـة فــي اعـتـمـاد اسـتـهـ ك املحتوى عبر الهواتف املحمولة. تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل االستوديوهات على صعيد عملية اإلنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة دقيقة. بل بدال من ذلك، يُصمِّم 30 واحـدة مدتها املحرّرون املحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف املحمولة لالستهالك السريع، فـيـديـو عــمــودي لـوسـائـل الــتــواصــل االجـتـمـاعـي، تـنـبـيـه نــصــي قـصـيـر لـتـطـبـيـقـات املـــراســـلـــة، مثل «واتساب». بـالـتـالـي، نـحـن نـشـهـد راهــنــ لـيـس التخلي عـــن الـحـنـن إلـــى املـــاضـــي فـحـسـب، وإنـــمـــا نشهد ثورة شاملة في اإليرادات تُغير وجه اقتصاديات اإلعــــــ م فـــي جــمــيــع أنـــحـــاء آســـيـــا. ومــــن املــتــوقــع أن تـنـمـو ســــوق خـــدمـــات الــفــيــديــو حــســب الـطـلـب ) من قرابة أربعة مليارات دوالر أميركي SVoD( . ومــن 2029 مــلــيــار دوالر بــحــلــول عــــام 20 إلــــى املـتـوقـع كــذلــك أن تـرتـفـع ســـوق خــدمــات الفيديو )، من AVoD( حسب الطلب املدعومة باإلعالنات مليار دوالر خالل الفترة 24 مليارات دوالر إلى 9 نـفـسـهـا، مـــع تــحــول املـعـلـنـن واملـسـتـهـلـكـن على حـد سـواء من التلفزيون التقليدي، إلـى منصات تعتمد على الـخـوارزمـيـات وتُــركـز على الهواتف املحمولة. فــيــمــا مـــضـــى، كـــانـــت الــهــيــمــنــة مــــن نـصـيـب قـنـوات البث مـن خـ ل بيع فـتـرات بـث ثابتة. أما الـــيـــوم، فـتُــقـدم األخـــبـــار والــبــرامــج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومة فــي املـائـة 90 بـانـتـشـار الــهــواتــف الــذكــيــة بنسبة تقريبًا فــي معظم أنــحــاء منطقة آسـيـا واملحيط فـــي املـــائـــة فـــي وقـت 15 الـــهـــادئ، وزيــــــادة بـنـسـبـة مشاهدة الفيديو عبر الهواتف املحمولة منذ عام . ومــن املـنـظـور االقـتـصـادي، بــالــذات، يُعيد 2023 هذا التحول توجيه قيمة اإلعالنات واالشتراكات من فترات البث التلفزيوني املجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حـول املنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير واملشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه. شعار شركة «ريالينس» الهندية (رويترز) نيودلهي: براكريتي غوبتا تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة اإلنتاج المرئي في المؤسسات اإلعالمية عــززت شركة «غـوغـل» تطبيق «غـوغـل فيدز» املعني بإنتاج الفيديو بـــأدوات جديدة من شأنها تشجيع الـنـاشـريـن وصُــنــاع املـحـتـوى عـلـى إنـتـاج مـزيـد مـن املـحـتـوى املـرئـي باحترافية أعـلـى ووقـت وجهد أقل. وبينما عد خبراء هذه الخطوة «تحوال جذريًا في آليات عمل غرف األخبار»؛ فإنهم حذَّروا مــــن أن «طـــمـــس الـــــحـــــدود بــــن املـــحـــتـــوى الــبــشــري والتقني قد يضع مصداقية املؤسسات على املحك ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة». «غــوغــل» كـانـت قـد ذكـــرت فـي أبـريـل (نيسان) الـــجـــاري أن «الــتــحــديــثــات الــتــي شـهـدهـا التطبيق تـــشـــمـــل تـــولـــيـــد فــــيــــديــــوهــــات بـــــجـــــودة أعــــلــــى عـبـر أدوات إلنـــتـــاج املــوســيــقــى املــخــصــصــة، بــاإلضــافــة إلــــــى شـــخـــصـــيـــات افــــتــــراضــــيــــة مــــدعــــومــــة بـــالـــذكـــاء االصــطــنــاعــي». وتـسـمـح هـــذه «الــحــزمــة للناشرين بتحويل املحتوى الصحافي إلــى مـــادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم». وحقًا يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تـيـك تــــوك»، الـتـي تــطــوّر تـقـنـيـات مـشـابـهـة تشمل ممثلي رقميي للترويج والبيع. الــدكــتــور حـسـن مـصـطـفـى، أســـتـــاذ الـتـسـويـق الـــرقـــمـــي والـــــذكـــــاء االصـــطـــنـــاعـــي فــــي فـــــرع جـامـعـة روتشستر للتكنولوجيا بـدبـيّ، أوضـــح لـ«الشرق األوســــــــط» أن «اإلشـــكـــالـــيـــة الـــجـــوهـــريـــة تــكــمــن فـي تـــصـــاعـــد الــــتــــوتــــر بــــن الــــســــرعــــة والـــــــدقـــــــة... إذ إن التحديثات الـجـديـدة تضاعف الضغط على هذه املعادلة؛ ألن األدوات باتت أسرع من قدرة اإلنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها». وحذر مصطفى «من تعامل غرف األخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بـوصـفـهـا مُــســرعــ لـــهـــا... ذلــــك أن الــحــل يـكـمـن في نـمـوذج واضـــح، فـــاألداة تنتج مـسـودة والصحافي يعتمدها مــع االلــتــزام بـمـراجـعـة إلـزامـيـة للسماء واألرقام والتواريخ واملصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقًا، حيث ينتقل مــن مـجـرد كـاتـب خـبـر إلـــى مــراجــع للسياق وضابط للنبرة البصرية ملنع التضليل... والذكاء االصطناعي قد يكون دقيقًا في املعلومة، لكنه قد يضلل في العرض». وعــــن الـــجـــدوى االقـــتـــصـــاديـــة، أشــــار الــدكــتــور مـــصـــطـــفـــى إلـــــــى أن هـــــــذه األدوات تـــحـــقـــق ثـــ ثـــة مــكــاســب رئــيــســيــة هــــي: «إنــــتــــاج أســــــرع، وتــحــويــل سـهـل للمحتوى إلـــى عـــدة صـيـغ، وتـقـلـيـل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «االعتماد الزائد» الــذي قد يــؤدي إلـى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه املحتوى بي املؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة ملنصات «غوغل». وحـــســـب الــــدكــــتــــور مــصــطــفــى فـــــإن «الــتــقــنــيــة الــجــديــدة مــحــايــدة، والـثـقـافـة املـؤسـسـيـة هــي التي تُــــحــــدد نــتــائــجــهــا، واملــــؤســــســــات اإلعـــ مـــيـــة الــتــي سـتـنـجـح لـيـسـت تــلــك الـــتـــي تـتـبـنـى أدوات الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي بــأكــبــر ســـرعـــة، بـــل تــلــك الـــتـــي تُــطــور نــهــجــا تـــحـــريـــريـــ نـــاضـــجـــ يـــعـــرف مـــتـــى يـسـتـخـدم األداة، وكـيـف، ومتى يضع اإلنـسـان فـي املـقـدمـة... فـــالـــصـــحـــافـــي الـــــــذي يـــفـــهـــم مــــا تــســتــطــيــع الـتـقـنـيـة فعله -ومــا ال تستطيعه- هـو األصــل الحقيقي ألي مؤسسة إعالمية في هذا العصر». مــــن جـــهـــة ثـــانـــيـــة، خـــــ ل حــــــوار مــــع «الـــشـــرق األوســـــــط» رأى رامـــــي املــلــيــجــي، مــســتــشــار اإلعــــ م الـــرقـــمـــي والـــــذكـــــاء االصـــطـــنـــاعـــي، أن الـــعـــ قـــة بـن «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحًا أن «غوغل ســـيـــرش» ال يــــزال يـعـتـمـد فـــي جـــزء كـبـيـر مـنـه على محتوى الناشرين، لذا تهتم املنصة بإطالق أدوات مخصصة لهم. وأضــــــاف املــلــيــجــي أن املـــؤســـســـات اإلعــ مــيــة أصـبـحـت مـلـزمـة بـتـطـويـر مـحـرريـهـا ملـواكـبـة مبدأ «اإلغـــــــــراق» الـــــذي تـحـكـمـه خــــوارزمــــيــــات الــتــواصــل االجــتــمــاعــي، إذ إن «مـــن يُــنـتـج أكــثــر يـظـهـر أكــثــر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط االقتصادية، تتيح هذه األدوات إنتاجًا غزيرًا بأقل طاقة بشرية؛ لكن االسـتـخـدام يجب أن يـكـون محوكمًا وفــق ضوابط أخــــ قــــيــــة». وحـــــــدد، مــــن ثـــــم، ثـــ ثـــة مــــحــــاور لــهــذه الحوكمة، هـي: احـتـرام الحقوق األدبـيـة واالمتناع عـــن انــتــهــاك مـلـكـيـة املــحــتــوى، والـشـفـافـيـة املطلقة عـــبـــر اإلفــــصــــاح لــلــجــمــهــور عــــن اســـتـــخـــدام الـــذكـــاء االصطناعي، وتحديد نوعية املحتوى املناسب. املليجي رأى أن «الــذكــاء االصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات املعمقة والقصص اإلنسانية واملقابالت العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة». القاهرة: إيمان مبروك النص الكامل على الموقع اإللكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==