issue17302

فونيكينوس: العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر الثقافة CULTURE 17 Issue 17302 - العدد Sunday - 2026/4/12 الأحد محمد رفيع ينحاز للإنسان في مجموعته الجديدة «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب تتخذ مجموعة «المــسـافـة صـفـر»، لــــلــــقــــاص والــــــــروائــــــــي المـــــصـــــري مــحــمــد رفـيـع مــن آثـــار الــحــروب مـوضـوعـا لها، لــيــس فــقــط الــــحــــرب الأخــــيــــرة فــــي غــــزة، رغــــم حــضــورهــا بــقــوة بــــدءا مـــن عــنــوان المــجــمــوعــة الـــــذي يـحـيـل إلــيــهــا بــجــاء، وكــــــــذا تــــبــــرز هـــــــذه الـــــحـــــرب فـــــي بـعــض الـقـصـص، لـكـن الأهـــم عـلـى مـــدار معظم الـنـصـوص هـو الـحـرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تـخـص حـربـا مـــحــددة، إلـــى فـكـرة إبـــادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فـضـا عــن آلــيــات مـقـاومـة الـفـنـاء، ومجابهة المـــوت، فقد اسـتـطـاع الكاتب أن يــــوســــع الــــفــــكــــرة، ويـــضـــفـــي عـلـيـهـا أبـــعـــادا فـلـسـفـيـة ووجــــوديــــة، عـــن الـحـق والـــخـــيـــر والـــجـــمـــال، الــــوجــــود والـــعـــدم، الـــحـــرب والــــســــام، الـــجـــاد والـضـحـيـة، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الـــدلالـــي، لــم يــحــدد مـديـنـة بعينها، بل كــان حريصا على أن تـكـون الـفـضـاءات المــكــانــيــة بـــا اســـــم، كــــأن يـــقـــول المــديــنــة أو الـقـريـة، لتنسحب الأحــــداث على أي مــديــنــة تـشـهـد حـــروبـــا وقــصــفــا يصيب أطـفـالا ونساء عُـــزلاً، ولا قـدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشـعـال فتيلها، لكنهم أول مـن يكتوي بنيرانها. كل أبطال قصص المجموعة تقريبا يـــعـــيـــشـــون عـــلـــى الـــتـــخـــوم بــــن الـــحـــيـــاة والمـــوت، يـمـارسـون حياتهم على حافة الــخــطــر، فـــي انــتــظــار رصـــاصـــة طـائـشـة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غــيــاب أجــســادهــم، فـثـمـة تــبــادل واضــح لـلـحـضـور والـغـيـاب يتبدى فـي أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن المــــــوتــــــى وضــــحــــايــــا الـحـروب من الكلام، مــــــن الــــتــــعــــبــــيــــر، مــن الـــــغـــــنـــــاء حــــتــــى فــي قـــــــــــــبـــــــــــــورهـــــــــــــم، فـــــي مـــقـــابـــل أن الأحـــيـــاء يـلـتـحـفـون الـصـمـت المــشــحــون بـالـخـوف والـــــرهـــــبـــــة، وتــــوقــــع الانتقال العبثي إلى الـضـفـة الأخـــــرى من الـــوجـــود، دون ذنـب اقـــتـــرفـــوه، يــرحــلــون بـوصـفـهـم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر. المجموعة صـادرة عن دار «روافـد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون مـــــن خــــمــــس وعــــشــــريــــن قــــصــــة قـــصـــيـــرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشا من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعا من الخبز الناشف، يقول الـطـفـل: «أنـــا لا أفـهـم، كـل شــيء فـي هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمـم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاسـتـنـكـاري مــن الـطـفـل، الـــذي لا يفهم حــكــمــة تـــصـــرف الأب إلا حــــن يـصـيـب القصف بيتهم، ويـمـوت أبـــوه، ويخرج هـــو مـــن تــحــت الــــركــــام وفــــي يــــده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى. وفــي إطـــار الـتـوسـع الــدلالــي، تأتي قصص أخرى بعيدا عن الحرب، لكنها لا تـخـلــو مـــن دلالات الــقــهــر والــعــســف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ مـنـحـى أقــــرب إلــــى الـــعـــوالـــم الـغـرائـبـيـة، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تـحـديـد، عــن مـديـنـة لا أحـــد فيها يملك ظــاً، فأهلها جميعا بـا ظــال، رغـم أن الـشـمـس فـيـهـا لا تـغـيـب، لكنها تسقط عليهم عمودية فـوق الـــرؤوس، لكن في يــــوم غـــائـــم شـــهـــدت المـــديـــنـــة مـــولـــد طفل خــرج مـن رحــم أمـــه، وحــن رأتـــه القابلة وجــــدتــــه يـــحـــمـــل ظـــــــاً، وعـــــــاش حــيــاتــه وظله لا يفارقه، فصار منبوذا بوصفه خـــارجـــا عــلــى قـــواعـــد المـــديـــنـــة، وخـضـع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظـلـه، كـمـا يخلع الــحــذاء على العتبات، أن يسلّمه فـي كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تـــــشـــــرق». فــــي نـــقـــد واضــــــح وتـفـكـيـك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنويا إلــى جثة فـي قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نــتــيــجــة الـــــحـــــروب فــــقــــط، بــــل يـــمـــكـــن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً. تــــحــــفــــل المـــــجـــــمـــــوعـــــة بــــكــــثــــيــــر مـــن القصص الـتـي تتخذ مثل هــذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكــــلــــهــــا تــــنــــحــــاز لـــــإنـــــســـــان، ومـــفـــعـــمـــة بــالــحــمــولات الـــرمـــزيـــة، ومــنــهــا قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الـــدرس الأخير في المدينة الأخـيـرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«المـــــــوتـــــــى يـــلـــعـــبـــون الــــــنــــــرد» و«قــــتــــل الــحــواس»، وغيرها مـن القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولا إلى تصفية الإنسان وإفــراغــه مـن وجـــوده، مثل قتل حواسه فـــي إحـــــدى الـــقـــصـــص، وهـــنـــاك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هـذه القيم، مثلما يتبدى فـــي قـصـة «كـــتـــاب مـــا لـــم يـــحـــدث»، الـتـي تـروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يـكـتـبـون وصـايـاهـم الأخـــيـــرة، اسـتـعـدادا لـــــــلـــــــمـــــــوت فـــــــــــي أي لـــــــحـــــــظـــــــة، وكـــــلـــــهـــــا وصـــــــــــــايـــــــــــــا تـــــلـــــيـــــق بطفولتهم البريئة، مـثـل «لـــو مـــت خـلـوا بابا يضحك شوية، قـــولـــوا لأخـــويـــا إنــي مــــــش زعــــــــــان مـــنـــه، ادفـــنـــونـــي بــالــحــذاء الأحــمــر، خـلـوا ماما تـــنـــام عــلــى ســريــري يــوم بــس»، فتنتشر فــــي المــــديــــنــــة كــتــابــة الأطــــــفــــــال لـــوصـــايـــا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صــــغــــيــــرة، وســـــرعـــــان مـــــا تـــتـــحـــول إلـــى الكتابة على الـجـدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قــــصــــص المــــجــــمــــوعــــة، لـــكـــنـــهـــا شــــديــــدة الاتـــــصـــــال بــــالــــواقــــع وقــــضــــايــــاه، يــقــول الــــراوي: «وفـــي صـبـاح خريفي رمـــادي، اســــتــــيــــقــــظ الــــجــــمــــيــــع عــــلــــى صـــــــوت فــي السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل فــــي مـــنـــاقـــيـــرهـــا الـــقـــصـــيـــرة قـــصــاصـــات صـــغـــيـــرة... واحــــــدة فــقــط ســقــطــت على رأسـي. فتحتها، فوجدت مكتوبا بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي». إلـــــــى جــــنــــب الــــغــــرائــــبــــيــــة، نــهــضــت المـــجـــمـــوعـــة عـــلـــى قــــــدر كـــبـــيـــر مـــــن عـــدم التحديد، فـــإذا كــان المـكـان عائما وغير مـتـعـن فـــي الأغـــلـــب، فـــإن الـــزمـــان أيـضـا بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يــوجــد زمــــن تــاريــخــي مــرجــعــي مــحــدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضا تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بـــل أقـــــرب إلــــى أدوار وظـيـفـيـة أو دوال رمــزيــة، أطــفــال أو كــبــار، أو شخصيات تـعـرف بـأعـمـالـهـا ووظـائـفـهـا، أو جثث غـيـر مــســمــاة. وهــــذا الـــنـــزوع نـحـو عـدم الـتـحـديـد المـكـانـي والـــزمـــانـــي، وكــــذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غـيـر مــحــددة بـحـادثـة واحــــدة ولا حـرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازا للإنسان وحياته في كل مكان وزمان. عمر شهريار في زمن القلق الجماعي أعمال أدبية تتخذ من الفكاهة سلاحها الأول لماذا نحتاج إلى الضحك؟ La( » خصّص برنامج «المكتبة الكبرى »5 ) عــلــى قـــنـــاة «فـــرنـــس Grande Librairie حلقتَه الأسبوعية لـسـؤال يبدو فـي ظاهره خـفـيـفـا، لـكـنـه يـــمـــس فـــي حـقـيـقـتـه أعـــمـــق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدبــــاء منذ أرسـطـو إلــى يومنا هـذا عـاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي فـي هــذه المـرحـلـة تـحـديـداً، وكـــأن الـزمـن يُلح عليه مــن جــديــد، حـيـث لــم يـعـد الـضـحـك من الذات والعالم ترفا ثقافياً، بل بات شكلا من أشــكــال المــقــاومــة الـصـامـتـة فــي عـصـر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية. اســتــقــبــل المــــقــــدّم أوغــــوســــتــــان تـــرابـــنـــار فـــي بـــرنـــامـــج «المــكــتــبــة الـــكـــبـــرى» نــخــبــة من الــكــتّــاب والـــروائـــيـــن، وعــلــى رأســـهـــم ديـفـيـد فــــونــــيــــكــــيــــنــــوس الــــــحــــــاصــــــل عـــــلـــــى جـــــائـــــزة «رونــــودو»، الــذي قــدّم روايـتـه الـجـديـدة «أنـا )، (دار غـالـيـمـار). Je suis drôle( » مـضـحـك وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شـــيء أكــثــر إضـحـاكـا مــن الــشــقــاء». هـذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة فـي الضحك: إنــه ليس نقيض الألـــم، بـل هو أحيانا وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقــــد أكــــد فـونـيـكـيـنـوس فـــي حــــواراتــــه حــول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غـنـى عــنــهــا»، وأن الـعـصـر الــــذي نعيشه، بكثافته وتــوتــراتــه، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر». غـــــيـــــر أن هـــــــــذا الــــــــســــــــؤال لـــــــم يـــنـــتـــظـــر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في الــــقــــرن الــــســــادس عـــشـــر حــــن صـــــاغ عــبــارتــه الخالدة في مقدمة «غـارغـانـتـوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلنا بذلك ثورة جمالية ومـعـرفـيـة تـــجـــاوزت حــــدود الـفـكـاهـة لتمس صميم التعريف الإنساني، ولـم يكن رابليه يــــقــــرّر ظــــاهــــرة بـــيـــولـــوجـــيـــة، بــــل كـــــان يُــعـلـن موقفا فلسفيا وهــي أن قـــدرة الإنــســان على الضحك تفصله عـن الـحـيـوان، وهــي الدليل عـــلـــى حـــريـــتـــه فــــي مـــواجـــهـــة الـــــضـــــرورة. فـي روايـة «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غــــارغــــانــــتــــوا لمــــجــــرد الـــتـــســـلـــيـــة، بــــل يـكـشـف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولـهـذا عد ميلان كونديرا الـروائـي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قـد بـدأ مـع ضحك رابليه، عـــادّا بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج بــــرنــــارد شــــو، الـــكـــاتـــب الآيـــرلـــنـــدي المـــعـــروف فـــقـــد جـــعـــل مــــن الـــســـخـــريـــة ســــاحــــه الأدبــــــي الأبــــرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع الــــبــــرجــــوازي ومـــؤســـســـاتـــه. فــــي مـسـرحـيـتـه «بـيـجـمـالـيـون»، يـسـتـخـدم الـسـخـريـة ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الــفــتــاة الــفــقــيــرة إلــــى «ســـيـــدة» لــيــس بسبب مـــواهـــبـــهـــا الـــخـــاصـــة، بــــل بــــــــأدوات المـجـتـمـع وقــيــمــه المـصـطـنـعـة، والــضــحــك هــنــا يكشف الـنـفـاق الاجتماعي وأثــــره. أمــا فـي «الـسـاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش مــــوضــــوع الـــخـــيـــر والــــشــــر، مــــن خـــــال قــصّــة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الـــحـــضـــارة المـــعـــاصـــرة. هــــذه الــــرؤيــــة تحمل تـنـاقـضـهـا الـــداخـــلـــي: الــضــحــك يـــحـــرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شـو، كـان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بـالـغـة الأهـمـيـة بـعـنـوان «جــوهــر الـضـحـك»، ) أنواع الضحك التي يراها Essence du rire( إمــــــا: «كـــومـــيـــديـــا مـــعـــنـــويـــة» أخـــاقـــيـــة تـنـقـد المجتمع، وإمـــا «كـومـيـديـا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بـعـيـدا عــن أي مصلحة فــي الإصــــاح. وهــذا التمييز البودليري يُــضـيء لنا ســر الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحـــد: إنـهـم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله. وفي التراث العربي، خط المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الـشـهـيـر: «وكـــم ذا بمصر مــن المـضـحـكـات... ولـكـنـه ضـحـك كـالـبـكـاء» فالضحك الـعـربـي، فـــي أعــمــق تـجـلـيـاتـه الأدبــــيــــة، لـــم يــكــن يـومـا ضـــحـــك الــــراضــــي ولا ضـــحـــك المـــنـــتـــصـــر، بـل كــان فـي الـغـالـب ضحك المــجــروح الـــذي وجد فــي الـسـخـريـة طـريـقـه الـوحـيـد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقــد أدرك الجاحظ، الـــذي يــعــدّه كثير مــن الـنـقـاد مــؤســس الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه ســـردا فكاهيا لحياة الـبـخـاء ونفسياتهم، لـكـنـه فـــي جـــوهـــره تـشـريـح اجـتـمـاعـي دقـيـق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والـوهـم. كما وظّــف نجيب محفوظ الفكاهة الاجــتــمــاعــيــة فـــي أعـــمـــالـــه بــوصــفــهــا عــدســة كاشفة لـلـفـوارق الاجتماعية والطبقية في المــجــتــمــع المــــصــــري، حــتــى إن الــســخــريــة في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحيانا حد المأساة، وتُذكّرنا بأن الحد الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً. والـــــواقـــــع أن الـــكـــاتـــب الــــــذي يــلــجــأ إلـــى الـضـحـك لا يـفـعـل ذلـــك لأنـــه فـــوق الـــجـــرح أو بمنأى عـنـه. بـل إنــه فـي أحـيـان كثيرة يلجأ إلــيــه لأنـــه غــــارق فــي الــجــرح إلـــى الــحــد الــذي لا يـــرى مـعـه مـخـرجـا ســـوى تـحـويـل الـوجـع إلــــى لــغــة قــابــلــة لـــلـــتـــداول. وهـــــذا مـــا لاحـظـه فـــونـــيـــكـــيـــنـــوس حـــــن قـــــــال فـــــي حــــــــــواره مــع برنامج «المكتبة الـكـبـرى»: «كثيرا مـا يربط الـــظـــرفـــاء بـــن طـفـولـتـهـم الــقــاســيــة والــرغــبــة فـــي إضـــحـــاك الآخــــريــــن. وكـــــأن الــضــحــك هو وسيلة لشفاء الأحــــزان ومـــلء غـيـاب مـــا...». فـــبـــطـــل روايــــــــة فـــونـــيـــكـــيـــنـــوس طـفـل يـتـيـم فـــي الـخـامـسـة مـــن عـــمـــره، يـكـتـشـف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنة وهـــويـــة يـتـحـوّل إلـــى فـــخ يلتصق بصاحبه كــالــقــنــاع بـــالـــوجـــه، يـسـتـحـيـل خــلــعــه. وهـــذه الـــصـــورة لـيـسـت اخـــتـــراعـــا روائـــيـــا خـالـصـا، فـتـاريـخ الـكـومـيـديـا الـكـبـرى مـلـيء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الـــذي كتب «المــريــض بـالـوهـم» وهو يحتضر فعلا على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية فــي قصصه الـقـصـيـرة، وصــــولا إلـــى بيكيت الـــذي قـــرّر فــي مـسـرحـيـاتـه أن الـشـقـاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مـسـرحـيـتـه الــشــهــيــرة «فــــي انـــتـــظـــار غــــودو» يـضـحـكـون لأنـــهـــم لا يـــجـــدون مـــا يـفـعـلـونـه، ويضحكون لأن الضحك أهـــوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي. وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب فــي الــســنــوات الأخـــيـــرة هــو ارتـــفـــاع حــــاد في الأعـــمـــال الــتــي تـتـخـذ مـــن الـفـكـاهـة والـتـهـكـم أدوات رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بـــأنـــهـــا مــــن أشــــــد مــــراحــــل الـــقـــلـــق الــجــمــاعــي وتـــــراجـــــع الـــثـــقـــة بـــالمـــســـتـــقـــبـــل. وهــــــــذا لـيـس مـــصـــادفـــةً؛ إذ أشـــــار الــفــيــلــســوف الأمــيــركــي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» ) إلــــى أن الــفــكــاهــة الحقيقية On Humour( تنطوي دائما على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافة بين الذات والواقع، لكي تجعل الـواقـع قـابـا للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنـــه يــســأل عـــن الـتـكـلـفـة، وعـــن الــثــمــن، وعـمـا يُــخـفـيـه الــضــحــك ومــــا يُــفــصــح عــنــه فـــي الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه. رابليه ديفيد فونيكينوس جورج برنارد شو بودلير باريس: أنيسة مخالدي الحرب في مرآة طه حسين يكشف كـتـاب «سلطة الكلمة - مسالك لـدراسـة أدب طه حسين وفـكـره»، الـذي يضم عـددا من الـدراسـات القيمة لثلاثة من النقاد والـبـاحـثـن التونسيين هــم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يـرى فيها أداة لتخريب الـبـلـدان والـحـضـارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس. ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيــــــــام» تـــأثـــر فـــي ذلــــك بــمــجــريــات الــحــرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودمــــــــاء ســـالـــت حـــتـــى كــــــادت تــغــطــى كــوكــب الأرض، فـعـبـر عـــن نـــفـــوره مـنـه عـبـر روايــتــه «أحـــام شــهــرزاد»، والـتـي ســاق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة». تـــســـعـــى تـــلـــك الــشــخــصــيــة حــثــيــثــا إلـــى تـجـنـب الـــحـــرب مـــع أعـــدائـــهـــا كــمــا صـــورهـــا، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومـدن أعدائها حـفـاظـا عـلـى حـضـاراتـهـا وعـمـرانـهـا بــل إنـه أجـــــرى عــلــى لـسـانـهـا أنـــهـــا «لــــن تـــغـــزو أحـــدا فـي مستقره، ولكنها ستغزوهم حــول هذه المدينة». ويـواصـل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحا على أن دور الجيوش ليس التحطيم والـتـهـديـم، بــل الـبـنـاء والتشييد، ذلـك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور. تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفـــإن جُنبتم الـحـرب وضُــمـنـت لكم السلامة تـــضـــجـــون وتـــعـــجـــبـــون؟ مــــن شـــــاء مــنــكــم أن يــغــامــر فــلــيــغــامــر بـنـفـسـه لا بـــالأبـــريـــاء من جنده». هـكـذا أضـحـت شخصية «فـاتـنـة» التي بــعــثــهــا طــــه حـــســـن إبـــــــان الــــحــــرب الــعــالمــيــة الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الــذي لا يقي شعبه ويـات الحروب، وهي بمواقفها هــــذه تـعـلـمـه الـــرفـــق بـــالـــنـــاس، وتـــدعـــوه إلــى نـبـذ المـــغـــامـــرات الـعـسـكـريـة الــتــي تـزيـنـهـا له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموما ً. وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول: «ولـــكـــن المـــلـــوك أثـــــــاروا حـــربـــا ظـــالمـــة لم تـقـتـضـهـا مـصـلـحـة عـــامـــة، ولــــم تــــدع إلـيـهـا مـنـفـعـة عـاجـلـة أو آجــلــة لأمـــة مـــن أمـمـهـم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة». ولــــعــــل المـــــؤلـــــف يـــشـــيـــر ضـــمـــنـــيـــا بـــكـــام «فــاتــنــة» إلـــى قــــادة الــنــازيــة وقـــــادة الـفـاشـيـة الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خـدمـة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الـدمـار بـالـكـون كــلــه، وأضـــــروا بـالـفـكـر والــحــضــارة، فـــكـــانـــوا شــبــيــهــن بـــالـــذيـــن اتـــــحـــــدوا لــحــرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلـى مدنهم، ولكنها رغـم مـا أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها. دعــــــت الـــبـــطـــلـــة الــــروائــــيــــة إلــــــى حــمــايــة الـــشـــيـــوخ والأطـــــفـــــال والــــنــــســــاء مــــن تــبــعــات الــحــرب، ولا يـكـون ذلــك ممكنا فـي رأيـهـا إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والــــقــــفــــار وتـــــركـــــوا المـــــــدن الآهــــلــــة بــالــســكــان مـطـمـئـنـة، وفـــي هـــذه الـــدعـــوة دون شـــك نقد بـأسـلـوب الــرمــز لـقـصـف الــطــائــرات الألمـانـيـة للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفا في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان. واعـتـبـر طــه حـسـن هـــذا الـقـصـف عملا حـريـبـا يـضـر أشـــد الــضــرر بـحـضـارة مصر، وخــاصــة بـآثـارهـا؛ لـذلـك أصــر عـلـى أن ينال مقترفه عقابا رادعـــا، فجعل «فاتنة» تقترح عـلـى أبـيـهـا وعـلـى قـائـد جيشها إنــــزال أشـد الــعــقــوبــات بـالـحـاكـم الــــذي يـــزج بـشـعـبـه في حــــرب لا طـــائـــل مـــن ورائــــهــــا تــضــر بـعـمـرانـه وحضارته. تـــقـــول «فـــاتـــنـــة» لــقــائــد جــيــشــهــا: «فــــإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بـن المـــوت أو بـن أن يـشـهـدوا على أنفسهم بالطغيان وإهــــدار حـقـوق الـشـعـوب، فأيهم اخــتــار المــــوت فــجــرّعــه كـأسـهـا وأيــهــم اخـتـار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه». وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمـــز فــي مـقـال لـــه، عـنـوانـه «مستقبل الـديـمـقـراطـيـة»، دعــا فيه إلــى اقـتـحـام حـدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقابا لهم على مـا اقـتـرفـوه مـن آثـــام فـي حـق البشرية، فـهـم فـــي رأيــــه قـــد خـــربـــوا الــعــمــران وأضــــروا بالحضارات. القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky