فبراير 28 مع انــدلاع الحرب في إيــران في (شــــبــــاط)، كــــان الـــعـــالـــم قـــد غــــرق تــــوا فـــي أتـــون الحروب. فقد شهدت السنتان السابقتان حروبا - سواء داخل الدول أو بينها - أكثر من أي فترة أخــرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد حلّت حالة «الوضع الطبيعي الجديد» المتمثلة في تصاعد الصراعات. والآن، مـع اسـتـمـرار الـحـرب فـي أوكـرانـيـا، وتــوقــف الــحــرب الأمـيـركـيـة والإسـرائـيـلـيـة ضد إيـــــران فـــي ظـــل وقــــف هـــش لإطــــاق نــــار، نشهد عـــــودة ظـــاهـــرة أخـــــرى غــيــر مـــرغـــوب فــيــهــا إلــى الـــســـاحـــة الـــعـــالمـــيـــة: الــــحــــرب الـــعـــالمـــيـــة. أصــبــح صراعان كبيران في قارتين مختلفتين مسرحين للمنافسة الاستراتيجية بـن الـقـوى الكبرى. كـــان لـديـنـامـيـات كــل حـــرب تـأثـيـر مـبـاشـر على الأخرى، وكلتاهما جرّت دولا تابعة إلى ساحة الصراع. وبينما يقل حجم الصراعات وشدتها مــجــتــمــعــن بــكــثــيــر عــــن الــــحــــربــــن الــعــالمــيــتــن المــدمــرتــن الـلـتـن انـدلـعـتـا فـــي الـــقـــرن المــاضــي، فقد نشأت عـن نفس رد الفعل الخطير: الـدول المتنافسة التي تتبنى القوة العسكرية بالكامل كــوســيــلــة أولــــــى وأســـاســـيـــة لمـــمـــارســـة الـسـلـطـة وبسط النفوذ. دخـلـت روسـيـا والــولايــات المـتـحـدة الحرب لأســــبــــاب مــخــتــلــفــة. ســـعـــى الـــرئـــيـــس الـــروســـي فـاديـمـيـر بـوتـن إلـــى تـوسـيـع نـطـاق سيطرته الإقليمية واسـتـعـادة الأراضـــي التي - فـي رأيـه - تنتمي إلى المجال الروسي. تباينت الأهداف المـعـلـنـة لــدخــول الـــولايـــات المــتــحــدة الــحــرب في إيــــران، لـكـن الـرئـيـس تـرمـب أكـــد بـاسـتـمـرار أنـه لا يمكن السماح لإيـران بالحصول على سلاح نــووي. ومـع ذلــك، اعتقد كل من بوتين وترمب أن الـنـجـاح سيكون سـهـاً، وأن هدفهما يبرر أي مستوى من العنف تقريبا - حتى لو تجاوز حدود القانون الدولي. فـــــي غــــضــــون أســــابــــيــــع قـــلـــيـــلـــة، أصـــبـــحـــت الـــصـــراعـــات فـــي أوكـــرانـــيـــا وإيــــــران تـعـبـيـرا عن المـنـافـسـة الــجــاريــة بـــن الـــقـــوى الـعـظـمـى. وفـي كـــــا المــــســــرحــــن، دعــــمــــت روســـــيـــــا والــــــولايــــــات المـتـحـدة خـصـوم بعضهما. تــواصــل الــولايــات المتحدة تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتخطيط فـي معركتها ضد روســـيـــا. وأفــــــادت الــتــقــاريــر بـــأن روســـيـــا تفعل الشيء نفسه لإيران من خلال توفير معلومات عن الأهداف، وخرائط لمواقع الجيش الأميركي، وإرســـــال الــطــائــرات المــســيّــرة إلـــى طـــهـــران. وفـي حـن أن الــولايــات المـتـحـدة وروســيــا لا تطلقان النار مباشرة على بعضهما، فإن القوتين قامتا بشكل أساسي بتعبئة وتوجيه الأسلحة التي يطلقها الآخرون. وقـــــد أثــــــرت كــــل حـــــرب عـــلـــى الأخــــــــرى. فـقـد أصبحت الـصـدمـة الـتـي أصـابـت أسـعـار النفط العالمية جراء إغلاق إيران مضيق هرمز مكسبا مــالــيــا غــيــر مــتــوقــع لـــروســـيـــا، ســـــواء مـــن خــال ارتـــفـــاع أســـعـــار نـفـطـهـا، أو مـــن خـــال تخفيف الـعـقـوبـات المـفـروضـة عـلـى ذلـــك الـنـفـط مــن قبل إدارة ترمب التي كانت تسعى جاهدة لخفض الأسعار العالمية. ومع تحويل الانتباه والموارد إلى إيران، شنت روسيا هجوما ربيعيا يهدف إلــى توطيد وتـوسـيـع مكاسبها الإقليمية في أوكرانيا. وفـي الوقت نفسه، عرضت أوكرانيا خـبـرتـهـا فـــي الـــدفـــاع ضـــد الـــطـــائـــرات المــســيّــرة، الـــتـــي اكـتـسـبـتـهـا فـــي مـعـركـتـهـا ضـــد روســـيـــا، عـلـى الـــولايـــات المـتـحـدة والـــــدول الـعـربـيـة التي تستهدفها إيران. وقــد جــر كـا الـصـراعـن دولا أخـــرى إليه. ففي أوكرانيا، لطالما دُعّمت الجهود الحربية الروسية بفضل الدعم الاقتصادي والتقني من الصين، والمساهمات المباشرة بالقوى البشرية مـن كـوريـا الشمالية، والـطـائـرات المـسـيّــرة من إيــــــران. وقــــد لــعــب الــحــلــفــاء الأوروبــــيــــون دورا مـــتـــزايـــد الأهـــمـــيـــة فــــي تــســلــيــح أوكــــرانــــيــــا، بـل تـــولـــوا زمــــام المـــبـــادرة فـــي تـلـك الــجــهــود خـال الــعــام المــاضــي. ورغـــم أن دول حـلـف «الـنـاتـو» لم تستجب لدعوة ترمب للمساعدة في إبقاء مـضـيـق هـــرمـــز مــفــتــوحــا، فــــإن أنــظــمــة الـــدفـــاع الــصــاروخــي الـتـي يـديـرهـا «الــنــاتــو» أسقطت الشهر الماضي صواريخ إيرانية كانت موجهة نـحـو تـركـيـا. وقـــد جـــرّت الــصــواريــخ الإيـرانـيـة التي استهدفت دولا خليجية عـدة تلك الـدول إلى الصراع، في حين هاجمت إسرائيل «حزب الله» في لبنان، وأطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل. شـــــهـــــدت الـــــحـــــربـــــان الــــعــــالمــــيــــتــــان الأولـــــــى والـثـانـيـة مـشـاركـة مـايـن الـجـنـود مــن الـقـوى العظمى فـي قـتـال مباشر ضـد بعضهم، مما أســفــر عـــن ســقــوط مــايــن الـقـتـلـى. لـكـن ليس كل الحروب العالمية ستشبه هذين الصراعين المدمرين، بل إن تلك الأحـداث لم تكن حتى في الــحــربــن الـعـالمـيـتـن الأولـــــى والــثــانــيــة. كـانـت حــــرب الـــســـنـــوات الــســبــع فـــي مـنـتـصـف الــقــرن الثامن عشر والـحـروب النابليونية في أوائـل الـــقـــرن الــتــاســع عـشـر صـــراعـــات عـالمـيـة أيـضـا؛ إذ شـمـلـت حــروبــا منفصلة وقــعــت فــي قـــارات مـخـتـلـفـة، وشـــاركـــت فـيـهـا قـــوى عـظـمـى كـانـت إمــا تقاتل مـبـاشـرة أو تنسق فيما بينها في الصراعات. تعد حرب السنوات السبع التي دارت بين مفيدة لفهم معنى الحرب 1763 و 1756 عامَي الـعـالمـيـة كـمـا تــحــدث الـــيـــوم. دارت الـــحـــرب في المقام الأول في أوروبـــا، حيث وقفت بريطانيا وبــروســيــا إلـــى جــانــب، وفـرنـسـا والـنـمـسـا إلـى الـــجـــانـــب الآخــــــــر. ونــــظــــرا لامــــتــــاك بــريــطــانــيــا وفرنسا إمـبـراطـوريـات عالمية، امـتـدت المعارك عبر قارات متعددة. وكان هذا أيضا وقتا كانت فـيـه الــــدول تتبنى اســتــخــدام الــقــوة العسكرية لتأكيد قوتها الوطنية. يقول البعض إن الحرب الباردة كانت حربا عـالمـيـة. مــن المــؤكــد أن فـكـرة أن الــحــرب الــبــاردة كانت فعلا «باردة» هي فكرة خاطئة. فقد كانت فترة من الصراع الشديد الذي طال أجزاء كثيرة من العالم. لكن صراعات الحرب الباردة افتقرت إلـى الترابط والتزامن اللذين ظهرا في أوروبـا والـــشـــرق الأوســــــط. والأهـــــم مـــن ذلــــك أن الــقــوى العظمى خــال تـلـك الـفـتـرة مـارسـت الـحـذر في استخدام القوة العسكرية، مما قيّد تحركاتها. ويـــرجـــع ذلــــك إلــــى حـــد كــبــيــر إلــــى الــتــرســانــات النووية التي كانت تجمعها. إن الـــنـــظـــر إلـــــى كــيــفــيــة ارتـــــبـــــاط الـــحـــروب ببعضها يظهر ضـرورة أن يفكر قادتنا بشكل عالمي في عالم متعدد الأقطاب ناشئ تتنافس فـــيـــه الــــقــــوى عـــلـــى الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى المـــنـــاطـــق أو مـجـالات الـنـفـوذ. ومــن شبه المـؤكـد أن الـصـراع في منطقة ما سينتقل إلى منطقة أخـرى. وقد يعني تخصيص الموارد لمعركة ما تقليل الموارد المخصصة لمعركة أخـرى، مما يقوض الجهود الرامية إلى ردع تهديد ما، أو مساعدة حليف في حاجة إلى المساعدة. إن عدم إدراك النطاق الـعـالمـي للقضايا الأمـنـيـة هــو بالضبط مــا قد يدفع الدول من حرب محدودة اختارت خوضها إلى حرب عالمية لم تكن في مرادها. سـنـة عـلـى انـتـهـاء 80 مــــرّت الــعــام المــاضــي الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة. لا يـــزال الــدمــار الــذي خلّفته تـلـك الــحــرب غـيـر مـسـبـوق، وينبغي أن نأمل أن يظل الأمر كذلك. * خدمة «نيويورك تايمز» Issue 17302 - العدد Sunday - 2026/4/12 الأحد لــــو قُـــــــدّر لـــفـــاســـفـــة مـــثـــل جـــيـــل دلــــــوز أو بيار بـورديـو، وغيرهما مـن الفلاسفة الذين انشغلوا بصدمة ظهور التلفزيون قبل عقود مــــن الآن أن يــعــيــشــوا عــــوالــــم الـتـكـنـولـوجـيـا التي تتفجّر في وقتنا الحالي، مـاذا عساهم سيقولون إذاً؟! مـن شبه المـؤكـد تقريبا أنهم ربما سيصابون بالذهول. الاكتشافات التي تحدّث عنها الفلاسفة فـــي ذلــــك أصـــابـــهـــا الــضــعــف وفـــقـــدت بـريـقـهـا ولـــم تـعـد قــــادرة عـلـى إثــــارة الـدهـشـة، لــم تعد كما كـانـت، بـل حتى التلفزيون بــات مطيعا ومنصاعا للتقنيات الحديثة مثل التطبيقات والمـنـصّــات الـرديـفـة الـتـي وضعته على الـرف وفـــــي الــــهــــامــــش. أولــــئــــك الـــفـــاســـفـــة اعـــتـــبـــروا التلفازَ، ومن ثم السينما، من ذروات التقنية الــحــديــثــة، لــكــن الــتــكــنــولــوجــيــا بــعــد انــطــاق عـــصـــر الإنـــتـــرنـــت تــــطــــورت كـــثـــيـــرا وتـــحـــوّلـــت إلــى أكسجين يستحيل الاستغناء عـنـه، لقد صارت مثل الضوء والماء والهواء. إن نقطة الـتـحـوّل الأسـاسـيـة ليست في التقنية الـتـي نعيشها الآن بوصفها تحكم أعمالنا وتوجه عمليات التواصل فيما بيننا، وإنــمــا بتحوّلها إلـــى نـمـط تــوريــط مستهلك للوقت، فهي تسحبك معها في شبكاتها من معلومة إلـى فيديو، إلـى مقطع ضاحك، إلى نــوادر من محاضرة بالأبيض والأســـود، إلى فقرة لحيوان يقفز، وهكذا دواليك. إنها تجرّك مـعـهـا أيــنــمــا يـمـمـت وجـــهـــك ومــهــمــا حــاولــت الإفلات منها. المنظّر فـي علاقة الإعـــام والمجتمع نيل كتابا بعنوان: 1985 بوستمان ألّــف فـي عـام «تسلية أنفسنا حتى المـــوت: الخطاب العام فــي عـصـر الــعــرض الـتـسـويـقـي»، وقـــد اعتنى بــه ولـخّــصـه الأســتــاذ يـوسـف عـسـيـري لمجلة «حكمة». مـــمـــا ورد فــــي الــــــذي كــتــبــه عـــســـيـــري أن «بوستمان يجادل في كتابه بــأن التلفزيون كــــــــــأداة ووســــيــــلــــة إعــــامــــيــــة نـــقـــلـــت الـــثـــقـــافـــة الأمـيـركـيـة إلــى أن أصبحت حلبة كـبـيـرة من العرض التسويقي الـذي يحتوي على كل ما يهم الشأن العام في شتى المجالات، مثل الدين والــســيــاســة والـتـعـلـيـم والاقـــتـــصـــاد وغـيـرهـا، حيث أصبح كل ذلك من أجل التسلية». لكن لمــاذا صعّد المـؤلـف ضـد الإربـــاك في علاقات التكنولوجيا بالوعي في كتاب ألّفه فـــي مـنـتـصـف الـثـمـانـيـنـات؟! يـجـيـب المـتـرجـم عـسـيـري بـــأن بـوسـتـمـان «يــضــرب مــثــالا بـأن التكنولوجيا للوسيلة الإعلامية هي مثل المخ بالنسبة للعقل، فالتكنولوجيا هــي الـجـزء المادي للمحتوى الذي يمثل المجاز أو المعنى، فــجــاءت النتيجة غـيـر متعمدة ولا متوقعة للتغير الهائل في التكنولوجيا لأنها غيرت طــرائــق الـتـواصـل والـنـقـاش فـي الـــرأي الـعـام، واستحالت بذلك إلـى عقيدة تفرض نفسَها كنمط للحياة». وأعلق على هـذا العرض باختصار بأن التفوّق التكنولوجي هو بلا شك مؤثر على «بـنـيـة الــخــطــاب» وعـلـى الأســـس المـعـرفـيـة أو أسئلة الحكمة، لكن التكنولوجيا لـن تأخذ دور الإنـــســـان فـــي بــنــاء الــخــطــاب أو صياغة الحقيقة، وآية ذلك أن التطوّر التقني غيّر من سرعة البحث العلمي، ومن أساليب التعليم، ومن طريقة الاقتناع بالأفكار، إلا أنه لم يذهب بــعــيــدا لــيــكــون صــانــعــا لـلـخـطـاب أو مـبـتـكـرا للحقيقة. ولا يزال الإنسان أقوى من التقنية، حـتـى وإن لـــم يـسـيـطـر عـلـيـهـا بـشـكـل مطلق. لقد كان هيدغر متنبئا حين رجّح أن التقنية ستكون مفيدة ما دامت تحت هيمنة الإنسان وسيطرته، وبرأيي أن الإنسان لا يزال يسيطر حتى على الذكاء الاصطناعي. الـــخـــاصـــة؛ أن الـــتـــفـــوّق الــتــقــنــي مــربــك، وربــمــا تشعّبه مـقـلـق، كـمـا أن انـفـاتـه يبدو مــزعــجــا، وشـبـكـاتـه الــتــي تـطـوّقـنـا تخنقنا، غير أن هذا ثمن تفوّق العقل البشري، وحين نخاف لا بد أن نـواجـه، لا أن نهرب. نعم في الأزمــــات تـتـبـدّى مشكلات كـبـرى مـع التقنية بــوصــفــهــا دخــــــول إعــــاقــــة لا دخــــــول إضـــافـــة، لـكـن الأكــيــد أن الـتـهـويـل الـنـظـري الـــذي طُــرح حول عوالمها معظمها تهاويل، وآيـة ذلك أن القوانين الصارمة والقوّة البشريّة استطاعت أن تـحـد مــن هيمنتها عـلـيـه، وبـالـتـالـي فـإن درســهــا والـسـيـطـرة عليها أهـــم مــن الهجوم الـــعـــامـــي، إنـــهـــا مــثــل الـــطـــوفـــان الــهــائــج لا بد مــن الـتـعـامـل مـعـه بــطــرق قـانـونـيـة وبتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية وبدعمها بالأطر النظريّة الحكيمة. يـــقـــف لـــبـــنـــان الــــرســــمــــي بـــــن حـــافـــتـــي الانـــقـــســـام الداخلي والـتـفـاوض الصعب الـخـارجـي. فـي الـداخـل، تتعالى أصوات الاعتراض على المفاوضات السياسية المـــبـــاشـــرة مـــع إســـرائـــيـــل، وهــــو الأمـــــر الـــــذي دخــــل إلــى خانة المحرمات في لبنان منذ إسقاط اتفاق السابع ، وبعد أن خضعت البلاد 1983 ) عشر من مايو (أيـــار لوصاية النظام السوري السابق لسنوات، تم خلالها ربــــط المـــســـار الـلـبــنـانــي مـــع المـــســـار الــــســــوري. وتــأخــذ الحركات الاحتجاجية على المفاوضات طابع التخوين والاتهام بالعمالة، لا سيما بحق رئيسي الجمهورية والحكومة، جوزيف عون ونواف سلام، وهي أدبيات لـــطـــالمـــا ركـــــن إلـــيـــهـــا «مــــحــــور المـــمـــانـــعـــة» فــــي لـحـظـات «الحشر» (الاحتدام السياسي). أمــــا الـــتـــفـــاوض الـــخـــارجـــي الــصــعــب فـــإنـــه يتصل بطبيعة السلوكيات الإسرائيلية الـتـي لا تُقيم وزنـا للموقف الرسمي اللبناني، وقد تغاضت عن الدعوات الـــرســـمـــيـــة المـــتـــكـــررة لـــلـــتـــفـــاوض مـــنـــذ نـــحـــو شــهــريــن، وواصــلــت قصفها للبنان، لا بـل صـعَّــدتـه بشكل غير 1500 مـسـبـوق، مــا أفـضـى إلـــى سـقــوط مــا يـزيـد عـلـى شهيد، قسم كبير منهم من المدنيين الأبـريـاء. وليس هناك مـا يـوحـي، أو يـؤكـد، أن إسرائيل سـوف توافق على وقـف إطــاق النار قبل البدء بالمفاوضات، وهو المطلب اللبناني المنطقي والطبيعي، أو أنـهـا تنوي الانــســحــاب عسكريا مــن الـنـقـاط الـخـمـس الـتـي كانت أو مـن المـسـاحـات الجديدة 2024 احتلتها منذ حــرب التي تحتلها تدريجيا (ولو بصعوبة) راهناً. ثمة أصـــوات لبنانية تطالب بــأن يـكـون منطلق المفاوضات اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل من دون الدخول في اتفاقية سلام شامل، 1949 سنة تتضمن تطبيعا للعلاقات السياسية والاقتصادية، فـي حـن تذهب أصـــوات أخــرى أكثر تطرفا للمطالبة بمعاهدة شاملة تفتح صفحة جديدة من العلاقات، وتـتـغـاضـى تـمـامـا عــن كــل مــا قــامــت بــه إســرائــيــل في المـــراحـــل الــســابــقــة، وصـــــولا إلـــى الـــحـــرب الــتــي لا تـــزال مشتعلة الآن. ويتوسل بعض أولئك أساليب مختلفة للتسويق لوجهة نظرهم التي لا تخلو من «التطبيع» الإعـــامـــي وســـواهـــا مـــن المـــواقـــف الـــتـــي لا تـــتـــاءم مع طـبـيـعـة الـتـصـنـيـف الـسـيـاسـي والــقــانــونــي الـلـبـنـانـي لإسرائيل بأنها «عدو». قليلة هي الأوراق التي يمتلكها لبنان الرسمي فـي مفاوضاته المرتقبة مـع إسـرائـيـل، تماما كما هي قليلة الــخــيــارات الأخــــرى المــتــوفــرة أمــامــه إذا أراد أن تنتهي هذه الحرب، إلا إذا كان المطلوب إغـراق البلاد في دوامة لا تنتهي من الحروب المتتالية التي لن يكون التعامل معها يـسـيـراً، خصوصا بعد تـبـدّل مـوازيـن القوى الإقليمية والتفوق الإسرائيلي والدعم الأميركي اللامحدود لتل أبيب. مـن المـفـارقـات العجيبة أن أذرع إيـــران فـي لبنان كــــانــــوا يـــجـــوبـــون شــــــــوارع بــــيــــروت وضـــواحـــيـــهـــا فـي تحركات احتجاجية رفضا للمفاوضات، رافـعـن كل أنواع شعارات التخوين المبتذلة، في الوقت الذي كانت طائرة وفـد إيــران المفاوض تحط في إسـام آبـاد لبدء الـتـفـاوض مـع واشـنـطـن. طبعاً، كـل الـكـام السياسي الإيـرانـي عـن استئناف الـحـرب أو تعليق المفاوضات السياسية ما لم يتم التوصل لوقف إطــاق النار في لبنان ذهــب مـع الــريــح، وتـبـن بما لا يقبل الـشـك، أن إيـــران لـن تضحي فـي سبيل لبنان وتشعل جبهاتها مـــجـــدداً، خـصـوصـا أن الــضــربــات الــتــي تلقتها كانت موجعة، ولــو أنها لـم تقصّر فـي إيـــذاء إسـرائـيـل وفي تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. عـــلـــى الـــصـــعـــيـــد المـــحـــلـــي الـــلـــبـــنـــانـــي، يـــبـــقـــى مـن الـــضـــروري تـوسـيـع مـــروحـــة الــتــوافــق الــداخــلــي حـول خيار التفاوض، لأن المسألة ليست مسألة صلاحيات ســيــاســيّــة أو دســـتـــوريـــة عــنــد هــــذه الــســلــطــة أو تـلـك، بقدر ما هي تتصل بالخيارات الاستراتيجية للبنان للسنوات المقبلة. وعمليّاً، يبدو غياب هـذا التوافق، مهما كان صعباً، أنه سيكون بمثابة مقدمة لتفجير الـوضـع الـداخـلـي لإسـقـاط هــذا الخيار أو الاتـفـاق في حال تم التوصل إليه. وسبق أن حدثت تجارب مماثلة فـــي المـــاضـــي فـــي هــــذا المــــجــــال، إلا أن الــــظــــروف الــيــوم مختلفة تماماً. قــد يـبـدو الــطــرح طــوبــاويــا بـعـض الـــشـــيء، ولكن لــعــلــه مـــن المــثــيــر الــتــفــكــيــر حــقــا فـــي إمــكــانــيــة الـبـحـث الجدي في سبل الاستفادة من ورقة مقاومة الاحتلال المستجد للأراضي اللبنانية على أن يكون ذلك حصرا تحت كنف الدولة وبإشرافها، وهذا يتطلب من «حزب الـلـه» الإقـــاع عـن تلبية الـرغـبـات الإيـرانـيـة والالتفات إلـى المصلحة الوطنية اللبنانية، وهـو الـذي لم يفعل ذلك أقله في برهان واضح ثبُت خلال الحرب الأخيرة، فأشعل الحرب انتقاما لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني، بعد أن كان توقف عن الرد طوال خمسة عشر شهرا من دون الانتقام لأمينه العام أو لكل الضربات الموجعة التي تلقاها! لا يـسـتـطـيـع «حــــزب الـــلـــه» أن يـــواصـــل سـيـاسـة إشــــاحــــة الـــنـــظـــر عــــن مــقــتــضــيــات الـــــوفـــــاق الـــوطـــنـــي الـــلـــبـــنـــانـــي، وأن يــبــنــي خـــطـــابـــه الـــســـيـــاســـي حــصــرا على أدبـيـات التخوين والاتـهـام بالعمالة في تكرار ممجوج لأسطوانة مل منها اللبنانيون، لدرجة أن بعضهم بـــات يـؤيـد التخلص مــن هـــذه السلوكيات المــرهــقــة بــــأي ثـــمـــن! ولا يـسـتـطـيـع الـــحـــزب أيـــضـــا أن يــواصــل سياسته بـتـوريـط لـبـنـان بــحــروب لا طائل لـه فيها، مـا يــؤدي إلـى تهجير أبـنـاء الجنوب مـرارا وتــــكــــراراً، ومــــن ثـــم يـسـتـفـز الــبــيــئــات الــتــي تحتضن هؤلاء النازحين وتستضيفهم! ما يمر به لبنان راهنا صعب، وصعب جداً، وهو يتطلع إلى الدعمين العربي والدولي له، لاجتياز هذه المـرحـلـة الـصـعـبـة، وهـــي مـحـطـة مفصليّة قـاسـيـة في تاريخه المعاصر، تُهدد وجوده السياسي واستقراره وسلمه الداخلي. ولعل الـدول العربية تدرك أن تكلفة دعم لبنان والحفاظ على استقلاله ووحدة أراضيه أقل من تكلفة انفجاره الداخلي أو إسقاطه بفعل الضربات الإسرائيلية التي لا تتوقف! فهد سليمان الشقيران رامي الريّس *بول بوست OPINION الرأي 14 لبنان في عواصف التحديات الداخلية والخارجية عوالم «التكنولوجيا» ومخاوف الإنسان حلول حقبة جديدة من الحروب العالمية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky