issue17302

الشهر المـاضـي، اخترقت مجموعة القرصنة الإيرانية «حنظلة» شبكات شركة «سترايكر»، وهي شركة متخصصة فـــي الـتـكـنـولـوجـيـا الـطـبـيـة ومــقــرهــا ولايــــة مـيـشـيـغـان، مما أسـفـر عــن مـسـح الـبـيـانـات وتعطيل آلاف الأجـــهـــزة، بـمـا في ذلــك بعض الأجــهــزة الـتـي يستخدمها الـعـامـلـون فـي مجال الطوارئ. وتفاخرت فرقة «حنظلة» على موقعها الإلكتروني بـــأن الــهــجــوم كـــان «مـــجـــرد بـــدايـــة لـعـصـر جــديــد مـــن الـحـرب السيبرانية». لكن هـذه الحقبة الجديدة تشبه إلـى حد كبير الحقبة القديمة. على الرغم من الضجة الإعلامية حول هجوم «بيرل سبتمبر (أيلول)» السيبراني، 11« هاربور» الرقمي أو هجوم فـــإن واقــــع الأمــــن الـسـيـبـرانـي مـمـل. فـقـد نـفـذت إيــــران جـرائـم إلكترونية، ونشرت دعاية رقمية، ونفذت عمليات تعطيل طـفـيـفـة، وهـــي سـمـات طبيعية لـلـصـراعـات فــي هـــذه الأيـــام. وبرغم التقارير التي تفيد بأن إيران تنسق بين البرمجيات الـخـبـيـثـة والـتـضـلـيـل الإعـــامـــي والـــضـــربـــات الــصــاروخــيــة، فإنها لم تُلحق بعد أضرارا جسيمة عبر الحرب السيبرانية وحدها. وكما تمت المبالغة في تقدير الترسانة السيبرانية لــروســيــا قــبــل غــــزو أوكـــرانـــيـــا، فــــإن الــهــجــمــات الـسـيـبـرانـيـة الإيرانية كانت مخيبة للآمال حتى الآن. وهذا أمر مُحير. فقد خلص التقييم السنوي للتهديدات الصادر عن أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى 2025 لعام أن «الـخـبـرة المـتـزايـدة لإيـــران واسـتـعـدادهـا لتنفيذ عمليات سيبرانية عدوانية تجعلها تهديدا رئيسيا لأمن الشبكات والـبـيـانـات الأمـيـركـيـة». وتـبـاشـر عــدة فــرق قرصنة ترعاها الأجــهــزة الـعـسـكـريـة والأمـنـيـة الإيــرانــيــة، بـمـا فــي ذلـــك فرقة «حنظلة»، اختراق الأنظمة الحيوية الأميركية منذ سنوات. وإذا كان هناك وقت مناسب لإيران للاستفادة من خبرتها، فكان يجب أن يكون ذلــك خــال حــرب تهدف لبقاء نظامها نفسه. من المحتمل أننا لم نسمع عن هجمات إيرانية سيبرانية لأنَّها لم تُكتشف أو لم يُبلغ عنها. ومـع ذلـك، فـإن الأنشطة غير المرصودة من المرجح أن تكون تجسسا - وهو أمر مهم، لكنه أقل تدميرا على المدى القريب - بدلا من التخريب، الذي يصعب إخفاؤه. ربما كان القراصنة الإيرانيون، بحلول وقت إعـــان وقـــف إطـــاق الــنــار يـــوم الـثـاثـاء المــاضــي، يستعدون بهدوء لشن هجوم كبير. ومـع ذلـك، تبدو الهجمات السيبرانية الملحوظة، مثل اخـــتـــراق «ســتــرايــكــر»، سـريـعـة وخــاطــفــة بــــدلا مـــن أن تـكـون عمليات منسقة بعناية. وقد أفـاد تقرير استشاري مشترك لــأمــن الـسـيـبـرانـي الأمــيــركــي صـــدر الــثــاثــاء أن الـهـجـمـات الإيـرانـيـة «أدَّت إلــى تعطيل العمليات وخسائر مالية» في حــالات قليلة، لكن هـذه كانت في الأســاس عمليات اختراق انــتــهــازيــة لأجـــهـــزة غــيــر مــحــمــيــة. وفــــي حـــن أنــــه يستحيل اسـتـبـعـاد المـــفـــاجـــآت، فــــإن الاخـــتـــراق الــعــشــوائــي الــــذي نـــراه يــعــكــس عــلــى الأرجــــــح الــــواقــــع. حــتــى لـــو كــــان جـواسـيـسـهـا الرقميون يعملون بهدوء، فإن حرب إيران السيبرانية حتى الآن لا توحي بالثقة في أنها بارعة في هذا المجال، سواء في العلن أو خلف الكواليس. والاحــتــمــال الأكــثــر تـرجـيـحـا هــو أن قــــدرة إيــــران على خـــوض الــحــرب السيبرانية إمـــا مـبـالـغ فيها أو مـتـدهـورة أو كـــا الأمــــريــــن مـــعـــا. فــقــد اســتــهــدفــت الــــولايــــات المــتــحــدة وإسرائيل الوحدات والعناصر السيبرانية الإيرانية بقوة خــال الــحــرب. وأعـلـنـت إسـرائـيـل أنـهـا قتلت رئـيـس جهاز الاســتــخــبــارات فـــي «الـــحـــرس الـــثـــوري» الإيـــرانـــي وقصفت مقر الـقـيـادة الإلـكـتـرونـيـة والـسـيـبـرانـيـة. ومــن شبه المؤكد أن الـقـيـادة السيبرانية الأميركية تنفذ عمليات مـضـادة. فالقراصنة الذين يعانون من الارتباك أو جنون العظمة أو العجز لن يتفوقوا في الحرب السيبرانية. والـــــحـــــرب الـــســـيـــبـــرانـــيـــة لـــيـــســـت رخـــيـــصـــة ولا ســهــلــة. ويستلزم النجاح فيها الوصول إلى البنية التحتية الضعيفة ومنظمات تقنية متطورة. تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بسنوات من الخبرة في دمج الحرب السيبرانية في العمليات العسكرية. وأفـادت التقارير بـأن إسرائيل اخترقت كاميرات المراقبة الإيرانية لتتبع واستهداف كبار الـقـادة الإيرانيين. وزعـــم مـسـؤولـون أن الـقـيـادة السيبرانية الأمـيـركـيـة عطلت وأعمت القوات الإيرانية في الأيام الأولى للحرب. عندما يتعلق الأمر بالحرب السيبرانية، لم تكن إيران تنافس في مستوى الولايات المتحدة وإسرائيل نفسه. وفي حالة اخـتـراق «سترايكر»، وجــدت فرقة «حنظلة» ثغرة في شبكة الشركة وتمكنت مـن تعطيل نظام الرعاية الصحية المدني. كما كُشف عن تعطيل إيران لوحدات التحكم المنطقية الـقـابـلـة لـلـبـرمـجـة وإصـــاحـــهـــا. وقـــد اخــتــرقــت إيـــــران أيـضـا كاميرات الشوارع وشاشات مراقبة السكك الحديدية وبعض الـشـركـات فـي إسـرائـيـل، وربـمـا تـكـون قـد تسللت إلــى مركز أبـحـاث نـوويـة فـي بـولـنـدا. فـي حـن تسببت هــذه الهجمات في بعض الأضــرار، لكن لا يبدو أن أيا منها جزء من حملة منسقة بصورة متماسكة. قد لا يكون للضعف النسبي لإيــران في مجال الحرب الـسـيـبـرانـيـة أهـمـيـة كـبـيـرة عـلـى المــــدى الــطــويــل. فـقـد كـانـت هـجـمـات إيــــران الـصـاروخـيـة والــطــائــرات المـسـيّــرة عـلـى دول الـــخـــلـــيـــج الـــعـــربـــي وإغــــاقــــهــــا لمــضــيــق هـــرمـــز أكــــثــــر زعـــزعـــة للاستقرار بكثير مما أدت إليه حربها السيبرانية، ويبدو أنــهــا منحتها الـــقـــدرة عـلـى الــحــصــول عـلـى شــــروط مـواتـيـة نسبيا في وقف إطلاق النار الأخير. وإذا استؤنفت المعارك، فقد تجد الولايات المتحدة وإسرائيل صعوبة أكبر في تكرار نجاحاتهما المــبــكــرة، مــع انــطــاق إيــــران لـتـعـزيـز دفـاعـاتـهـا والتكيف مع الوضع الراهن. فالبراعة السيبرانية لا يمكنها صنع معجزات استراتيجية - وبالتأكيد لا يمكنها إنقاذ الحكومات من الأخطاء السياسية الفادحة. * خدمة «نيويورك تايمز» أكثر من يخدمون إيران هم أولئك الذين يروّجون أن الخلاف معها، وأصل الصراع، مذهبي؛ خلاف شيعي - سنّي. هؤلاء، من حيث لا يدركونَ، يقعون في الفخ الذي ينصبه لهم النظام الإيراني بعناية: تفتيت المجتمعات، وتـقـسـيـمـهـا، وتــحــويــل الـــصـــراع الـسـيـاسـي إلـــى صـــراع هويات لا يمكن احـتـواؤه. فعندما يُختزل الخلاف في بُعد طائفي، يصبح غير قابل للحلّ، لأنَّــه يتحوَّل إلى معادلة صفرية: انتصار طائفة وهزيمة أخرى، أي إلى حـرب دينية. والـحـروب الدينية تتغذَّى على الضغائن الـدفـيـنـة والــغــرائــز الـعـمـيـقـة، ولا تـعـرف الـنـهـايـات، ولا يوجد فيها منتصر. هـــذه هـــي الاسـتـراتـيـجـيـة نـفـسُــهـا الــتــي اعتمدتها التنظيمات السّنية المتطرفة، مثل «القاعدة» و»داعش»: تـــوظـــيـــف الــــديــــن والـــطـــائـــفـــيـــة كــــوقــــود لـــلـــتـــدمـــيـــر. وهـــي الاسـتـراتـيـجـيــة ذاتـــهـــا الــتــي يـسـتـخـدمـهـا «حــــزب الـلـه» والمـيـلـيـشـيـات المــرتــبــطــة بــــإيــــران. الــخــطــاب واحـــــد، وإن اختلفت التسميات. إذن، الخلاف مع النظام الإيراني ليس مذهبيا ولا دينياً، بل سياسي في جـوهـره. وهناك أكثر من سبب يوضح ذلك. أولً، إن أكثر من يعارضون النظام الإيراني هم من داخــل إيـــران نفسها، وغالبيتهم مـن الشيعة. هــؤلاء لم يخرجوا إلى الشوارع لأنَّهم سُنّة، أو لأنَّهم يخوضون مــعــه صـــراعـــا مــذهــبــيــا، بـــل لأنَّـــهـــم مــواطـــنـــون إيــرانــيــون يرفضون نظاما أضر بهم، وأفقرهم، وأدخلهم في عزلة ودوامـــة مـن الـصـراعـات. النظام الــذي يـدّعـي أنَّــه حامي الشيعة هو مَن قتل الشيعة أكثر من أي نظام آخر. ثـــانـــيـــا، فـــي الــــخــــارج، يــقــف فـــي مــقــدمــة مــعــارضــي الـنـظـام الإيـــرانـــي إيــرانــيــون شـيـعـة يــــرون فـيـه مـشـروعـا تدميريا لبلادهم، لا ممثلا لهم. الملايين من الإيرانيين هـجـروا بلدهم مجبرين. وعـلـى المـسـتـوى الـعـربـي، فـإن من أشجع مَن واجهوا النفوذ الإيراني كانوا من الشيعة أيضاً، ودفع بعضهم حياته ثمنا لذلك. فعلوا ذلك لأنهم مـواطـنـون قبل أي شــيء آخـــر. مـراجـع ديـنـيـة، وسـاسـة، وكـتّــاب، ومثقفون. القائمة طويلة، لكن يكفي أن نذكر عالم الدين علي الأمين، والكاتب اللبناني الشجاع لقمان سليم، أو شخصيات سياسية عراقية بارزة، مثل فائق الشيخ علي. هـؤلاء لا ينطلقون من منطلقات طائفية، بل من مواقف وطنية خالصة. ومثلما يدافع الإيرانيون الوطنيون عـن بــادهــم، فإنهم يـدافـعـون عـن أوطـانـهـم، ويرفضون احتلالها، واختطاف الطائفة، وتوظيفها في مشروع سياسي عابر للحدود. ثـــالـــثـــا، فــــي ســلــوكــهــا الـــعـــســـكـــري والـــســـيـــاســـي، لـم تفرّق إيــران يوما بين سني وشيعي. صواريخها التي استهدفت دول الخليج لم تميّز بين طائفة وأخرى، كما أن تـدخـاتـهـا فــي الــــدول الـعـربـيـة الـتـي هيمنت عليها أدَّت إلــــى إفـــقـــار الــجــمــيــع وتـــدمـــيـــرهـــم، دون اســتــثــنــاء. بـل إن الـضـرر أصـــاب الشيعة فـي بعض الــحــالات أكثر مـن غـيـرهـم، كما يـحـدث فـي جـنـوب لـبـنـان، حيث هُجّر الآلاف من بيوتهم وقـراهـم. صحيح أن بعض الأحـزاب والميليشيات تدين له بالولاء، لكن هؤلاء ليسوا ممثلين لـطـوائـفـهـم أو متحدثين بـاسـمـهـا، بــل أدوات لمشروعه السياسي وتابعون له. ويشمل ذلك أفــرادًا من مختلف الطوائف، بل وحتى مسيحيين. تـدّعـي طـهـران الـدفـاع عـن الشيعة، لكنَّها تقمعهم فـــي الـــداخـــل، وتـــاحـــق مـعـارضـيـهـا مـنـهـم فـــي الـــخـــارج. والحقيقة أن «الـــدفـــاع عــن الـشـيـعـة» لـيـس ســـوى غطاء للشرعية، وأداة لاختراق المجتمعات وتوسيع النفوذ. الـهـدف الحقيقي هـو الحفاظ على السلطة فـي الداخل بأي ثمن، والتمدُّد في الخارج بأي وسيلة. الخلاف مع إيــران، إذن، ليس طائفيا ولا مذهبياً، بل هو خلاف حول طبيعة الدولة والنظام الإقليمي الذي تسعى إليه. هو صراع بين نموذج الدولة الوطنية، الذي استقر عليه العالم، ومشروع يسعى إلـى تجاوزه عبر الـوكـاء والميليشيات، والتدخل المباشر وغير المباشر في شؤون الدول. الصراع مع النظام الإيراني اليوم هو من أجل دفعه للتحول من تنظيم آيديولوجي إلى دولة طبيعية؛ من ممول للميليشيات والخلايا السرية إلى ممول للمدارس والجامعات. ولـهـذا، فــإن من يقف في وجـه هـذا المـشـروع ليسوا طائفة بعينها، بل كل من يؤمن بفكرة الدولة الوطنية - وفــي مقدمتهم مـواطـنـون ينتمون للطائفة الشيعية يـــرفـــضـــون الــــدعــــايــــة الإيــــرانــــيــــة واخــــتــــطــــاف طـائـفـتـهـم وتحويلها إلى أداة في صراع سياسي لا يمثلهم. الذين يروّجون للسردية الطائفية هم مَن يقعون في فخ النظام الذي نصبه لهم. فــي مـوسـم الـهـجـاء الـــذي طـــال مـعـاهـدة كامب ديفيد والرئيس أنور السادات، تصدّر تــعــبــيــر «صــــلــــح مـــنـــفـــرد» مـــعـــظـــم الأهــــاجــــي. والهجّاؤون لم يكن أغلبُهم على بيّنة من أن النظام البلشفي الـروسـي بقيادة لينين عقد أبــــرز «صــلــح مـنـفـرد» فــي الــتــاريــخ الـحـديـث. وبـــتـــوقـــيـــعـــهـــا مـــعـــاهـــدة بـــرِســـت 1918 فـــفـــي ليتوفسك، صالحت روسيّا الشيوعيّة ألمانيا الإمـبـراطـوريّــة منسحبة مـن الـحـرب العالميّة الأولـــــى، ومـتـخـلّــيـة عــن حـلـفـائـهـا الـسـابـقـن، بريطانيا وفرنسا والـولايـات المتّحدة، ممّن استمرّوا في القتال. والعبرة أن النظام السياسي إذا اعتبر أنّـــه غُــلـب على أمـــره فـي مـوقـف فرضته عليه تحالفاتُه، جـــاز لـه الانــفــراد باعتماد موقف مـخـتـلـف يــــراه أشــــد انـسـجـامـا مـــع مصالحه وســـــيـــــادتـــــه. أمّـــــــا المـــــتـــــروكـــــون فـــــي مـنـتـصـف الـطـريـق فــا يـتـعـفّــفـون عــن ارتـــكـــاب أي عمل يردّون به على التخلّي عنهم. فمصر قوطعت والــــســــادات اغــتــيــل، وروســـيـــا شـــن حـلـفـاؤهـا السابقون حربا عليها. والـحـال أن لبنان كــان ذيــا فـي تحالف منعه مـن أن تـكـون لـه دبلوماسيّة مستقلّة. وكــان شهيرا قـامـوس المصطلحات الأسـديّــة حــول «وحــــدة» المـسـار والمـصـيـر، و«الــوحــدة» بـوصـفـهـا «مــــا صـنـعـه الـــلـــه»، مـــع اســتــخــدام مـوسّــع للتاريخ والإنــشــاء والـقـيـم، وللشرف والكرامة أيضاً، خدمة لذاك الغرض. هكذا درج أصحاب تلك اللغة الإلحاقيّة على الغَرف من عالم الغابة وما قبل الدولة، وهـــو تـعـريـفـا بـــدائـــي ودمــــــويّ: فـفـي مطحنة الرغبتين «الـوحـدويّــتـن» للنظامين الأســدي والخمينيّ، سُفك دم كثير في «حرب الجبل» 2005 إبّــــــان الــثــمــانــيــنــات، ثــــم فـــي اغـــتـــيـــالات ، الأمر الذي تواصل حتّى وقت قريب. 2006 و كذلك عصفت باللبنانيّين من ذوي «الانفراد» مــوجــة تشهير وبـــــذاءة لا تـتـعـب، ظـــل القتل المعنوي فيها يسابق القتل الماديّ. وفي آخر المطاف كُــرّس، بتوحّش ورعونة، واقع لبنان – الساحة الذي بلغ الذروة مع نظريّة «وحدة الساحات» ومعادلها في «حرب الإسناد». وفي هذه الغضون تعاقبت على وزارة الخارجيّة اللبنانيّة أسماء مطواعة ومُذعنة بما يخدم مصالح «الحليفين» الكبيرين. لـهـذا تـبـدو مـحـاولـة الـحـكـومـة الحاليّة «الانفراد» عمّا كان معمولا به أمرا لا يُطاق، مــا أكــســب وزيــــر الــخــارجــيّــة الــحــالــي يوسف رجّي من اللعنات ما لم يحظ به ملعون. وفي الأيّــام القليلة الماضية عشنا أحداثا متلازمة يدعو تلازمُها إلى شيء من التمعّن: فبينما كـان السكّان في بيروت والمناطق يضمّدون جراح عدوان إسرائيلي مجرم، وكانت القوّات الإسـرائـيـلـيّــة تـتـوغّــل فـي مدينة بنت جبيل، إحـــــدى أكـــبـــر الـــحـــواضـــر الـــجـــنـــوبـــيّـــة، تـجـمّــع عـشـرات مـن الـذيـن يشتغلون فـي «المـقـاومـة» لــيــكــشــفــوا لـــلـــعـــالـــم مــــا يـــتـــكـــتّـــم عــلــيــه رئــيــس الـحـكـومـة الـلـبـنـانـيّــة، وهـــو أن «نـــــوّاف سـام صهيونيّ». وفــــــــــي هــــــــــذا الـــــــــكـــــــــولاج كــــــــــان واضـــــحـــــا أن المــــــوضــــــوع الــــفــــعــــلــــي يــــطــــال الاســــتــــقــــال الـدبـلـومـاسـيّ. فـالـقـرار الدبلوماسي ينبغي أن يـبـقـى فــي عـهـدة إيـــــران، مـثـلـه مـثـل الـقـرار الـحـربـيّ. ولا بــأس، لهذا الـغـرض، بالتلويح بـــمـــوقـــف طــــائــــفــــي غــــاضــــب وشـــــاجـــــب. وفـــي المـــقـــابـــل، بـــــات ســـــام صـــاحـــب الاســــــم الأشـــــد ارتـبـاطـا بفكرة الـدبـلـومـاسـيّــة المستقلّة وما تفضي إلـيـه مـن مـفـاوضـات مـبـاشـرة، أتـــأدّى عنها صلح أم لـم يــتــأدّ. وهـــذا إنّــمـا يترافق، بالضرورة، مع رفع سيف الوصاية الإيرانيّة عن السياسة الخارجيّة للبنان، وهو ما فهمه أغلب اللبناني هكذا وتحمّسوا له. والـــــراهـــــن أن الـــبـــرنـــامـــج الأوحـــــــد الــــذي يــــطــــرحــــه المـــــشـــــهّـــــرون بـــــديـــــا عـــــن الـــتـــعـــويـــل الدبلوماسي والتفاوض المباشر هو برنامج يرقى إلى طلب الإبــادة الذاتيّة بحيث يُحتل الـــجـــنـــوب ويُـــــدمَّـــــر، وتـــمـــضـــي الـــعـــاصـــمـــة فـي انــهــيــارهــا المـــتـــمـــادي، كــمــا يـتـعـاظـم الـــنـــزوح وتـــزداد العلاقات الأهليّة تـردّيـا، فيما يبقى اللبنانيّون في حرب لا كلمة لهم في أمرها، يفتك بهم الفقر واليأس والهجرة، ويتقلّص الـــعـــقـــل إلــــــى فـــولـــكـــلـــور ضــــيّــــق ومـــبـــتـــذل عـن «العدوّ» و«الشهيد» نسمّن به الطريدة التي هي اللبنانيّون أنفسهم. هكذا جاز القول إن لبنان اليوم يخوض مــعــركــة الاســـتـــقـــال الــدبــلــومــاســي الـــتـــي هي بالغة الأهميّة في أوضـاع الأوطـان الصغرى وأحوالها. ووراءنـــا عديد التجارب عن دول دفـعـتـهـا الـــضـــرورة إلـــى تـعـويـض مـحـدوديّــة حجمها وقوّتها العسكرية بالاستثمار في الــنــشــاط الــدبــلــومــاســيّ. وهـــي حــــالات غالبا مـــا يُــطــلــق عـلـيـهـا اســــم «دبــلــومــاســيّــة الــــدول الصغرى» أو «استراتيجيّات القوّة الناعمة». وبشيء من التفاوت يصح هذا التقدير، جزئيّا أو كلّيّاً، في بلدان كسويسرا والنرويج وســـنـــغـــافـــوره وكـــوســـتـــاريـــكّـــا وقـــطـــر وعُـــمـــان والــكــويــت والإمــــــــارات، حـيـث تـــعـــزّز الأطــــراف المذكورة وزنها كفواعل دبلوماسيّة قد تتبنّى الحياد وقـد تمارس الوساطة في المنازعات وقد تستقبل على أراضيها منظّمات دوليّة... وبـــــدورهـــــا تـــقـــول الـــتـــجـــربـــة الــلــبــنــانــيّــة إن مـــا حــصــل خــــال الـــســـنـــوات الــفــائــتــة كــان معاكسا تماما للوجهة هـــذه. فـبـدل اعتماد الـدبـلـومـاسـيّــة لتعويض النقص فـي الـقـوّة، اعــتُــمــدت الـــقـــوّة، قــــوّة «حــــزب الــلــه» ورعــاتــه، لـتـعـويـض الــنــقــص فـــي الــدبــلــومــاســيّــة. ومــا كــــادت الأيّــــــام تــــدور دورتـــهـــا حــتّــى اكتشفنا أن تــلــك الــــقــــوّة ضـــعـــف خـــالـــص تــــتــــأدّى عنه عــــودة الاحـــتـــال، بـحـيـث بـتـنـا بــا قــــوّة وبـا دبلوماسيّة. وأغــلــب الــظــن أن «حـــزب الــلــه»، بإعلانه صــهــيــونــيّــة نــــــوّاف ســـــام، يـعــلـن اســـتـــعـــداده لــــلــــذهــــاب إلـــــــى المـــــــــدى الأبــــــعــــــد فــــــي تــعــطــيــل الاستقلال الدبلوماسيّ، بعدما فعل كل شيء لإحــــــداث انـــهـــيـــار فـــي تــــــوازن الـــقـــوى بـمـعـنـاه الأعرض. وهـــكـــذا تــرتــســم لـــوحـــة الــصــعــوبــة الـتـي تواجه الاستقلال الدبلوماسي والجدّيّة التي يستدعيها. OPINION الرأي 12 Issue 17302 - العدد Sunday - 2026/4/12 ًالأحد الخلاف مع إيران ليس مذهبيّا إيران تخسر الحرب السيبرانية معركة الاستقلال الدبلوماسي في لبنان وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة ممدوح المهيني *جون ليندسي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky