كتب BOOKS 18 عاما وكتبت في جغرافيات مختلفة 65 روايات نشرت على مدى المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل املـرأة املثقفة في الرواية العربية موضوع جـذّاب. إذ إن عددًا ال يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّابًا رجاال سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن. وفـي كل األحـــوال، املــرأة املثقفة كانت من بني البطالت اللواتي كن خيارًا محببًا، في الـروايـات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن 11 الظاهرة نادرًا ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية 4 ، رواية في سوسيولوجيا األدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بني كتابة الجنسني عن تجارب لها ما يجمعها. «املــــرأة املثقفة فـي الــروايــة الـعـربـيـة: انـتـحـال الــذكــورة وتحرير الـجـسـد» كـتـاب صــــادر، فــي بــيــروت عــن «دار ريـــاض الـــريّـــس»، وهـو يتناول روايـــات مـن مصر، لبنان، سـوريـا، تـونـس، الـجـزائـر، عمان، الــســعــوديــة. ويــغــطــي حـقـبـة زمــنــيــة مـلـيـئـة بــالــتــحــوالت الـسـيـاسـيـة .2015 واالجتماعية، تمتد من خمسينات القرن املاضي حتى عام الرجل يحمي المثقفة من خالل النصوص املختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الـــروايـــات، انـطـ قـ مــن اعـتـبـار األعــمــال الــروائــيــة منتجًا اجتماعيًا - ثقافيًا، ولـيـس مـجـرد عمل فـنـي. أمينة فـي «أنـــا حــرّة» عند إحـسـان عبد الـقـدوس تسعى لكسر قيود واقعها االجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها األولـى، ينتهي بها األمــر رغـم طموحها ألن تـتـوارى خلف الـرجـل الــذي أحبته. أما «طــواحــ بــيــروت» لتوفيق يـوسـف عـــواد فـتـصـوّر الـفـتـاة املنحدرة مــن قـريـة فــي جـنـوب لـبـنـان فــي ستينات الــقــرن املــاضــي، مهجوسة باملدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو االنعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلـى اضطراب ومحن وضياع. أمـا زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمر بمخاضات طويلة، وال تجد خالصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح فـي «اسـمـه الـغـرام» تقدم أكثر مـن نـمـوذج نسائي، فهناك الشاعرة، واألكـاديـمـيـة، ومـدرسـة الـريـاضـة. ورغـــم أن نهال األديـبـة والشاعرة تقفز فـوق التابوهات، وتثأر للمقوالت الجاهزة والتقاليد املكبلة، فـــإن عـلـويـة صـبـح ال تـكـافـئ شـجـاعـة بطالتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيني والروائيات. سمات مشتركة للبطالت بطالت الـروايـات يعشن مواجهات قاسية إلثــــبــــات وجـــــودهـــــن أو تــحــقــيــق طــمــوحــاتــهــن. مـجـابـهـات مــع الـبـيـئـة واملــــوروثــــات، والـخـطـاب الـــذكـــوري، حـتـى حــ يعشن فــي دائــــرة الـرجـال املثقفني أنفسهم. تـــشـــرح الـــكـــاتـــبـــة الـــعـــطـــاس أن اخــتــيــارهــا وقــــع عــلــى نـــمـــاذج روائــــيــــة تـتـمـيـز بـحـمـولـتـهـا االجتماعية في زمن محدد، كي تكون املقارنات عامًا، 65 منصفة. هي روايات نشرت على مدى كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطالتها فـــي بــيــئــات مــتــبــايــنــة، مـــن طــبــقــات اجـتـمـاعـيـة متفاوتة. أما األحداث فغالبًا ما تدور في املدينة. هـــؤالء املـثـقـفـات، جـامـعـيـات، بينهن السنية والشيعية واملسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بال انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات املختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمني إلى أحزاب، أما األخريات فال يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة االنتماء السياسي. العمل صنو االستقاللية لكن بعض الكاتبات، مثل رضـوى عاشور في «فـــرج»، وإيمان حـمـيـدان فــي «خـمـسـون غــرامــ مــن الـجـنـة»، اعـتـبـرن الـــروايـــة منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون واملعتقالت وأجهزة املخابرات، وفضح زيـف املنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحـزابـهـا، من يمينية أم يسارية. مقابل ضعف االنـخـراط السياسي، فـإن املثقفات في الـروايـات أظـهـرن حـرصـ على مـواصـلـة تعليمهن وتحصيل درجـــة جامعية. تقول املؤلفة: «في غمرة التحوالت، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بـالـخـروج مـن املجتمع التقليدي، واكـتـسـاب علم وثـقـافـة عصريني وسلوك حديث». نساء منشغالت بهاجس االستقالل املـــادي، معظمهن، يـردن الـوصـول إلـى امتالك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، واملجتمع املحيط بهن. الروائيون يعنفون بطالتهم تالحظ املؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيني الذكور، وحضور املرأة إما يكون قدسيًا أو مشيطنًا من خالل السرد، والنصوص نادرًا ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعيًا نسويًا أو إدراكـــ عميقًا لحقوقها. روايـــات تعكس أحـكـامـ، ووجـهـات نظر البيئة االجتماعية والـواقـع الـذي يتشكل فيه النص. أحيانًا يحمّل الــروائــي الشخصية هـواجـسـه، وعـقـده الـذكـوريـة، ورؤيــتــه، ويعتبر الـروايـة منبرًا للتعبير عما يـدور في خاطره. حتى إنـه من الصعب الفصل بني انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مـثـ ً، عند الـروائـيـ الـرجـال، تتعرض البطالت ملحاوالت اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هن يناضلن، ويكافحن، للفكاك مـن الـواقـع الــذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة الـعـطـاس: «ألن الجسد األنثوي يحتل موقعًا قدسيًا في الثقافة املجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز األعلى لتحطيم األنوثة املتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطالت الروائيني لم تنفك من هذا املصير». واجهت هذا املصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» مـن أقــرب رفاقها الحزبيني املـؤدلـجـ ، فـي بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني املساواة اإلنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنـا حــرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حـاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسـه بإناء زجـــاجـــي. وفـــي لـبـنـان، تـوفـيـق يـوسـف عـــواد يـعـرض بطلته تيمية فـي «طـواحـ بـيـروت» للتحرش واالغـتـصـاب. والـ فـت أن البطالت يتعرضن لـهـذه الــتــجــاوزات فــي بـيـئـات مختلفة وأعــمــار متفاوتة. فبطلة عـــواد مـثـ تعرضت لـ غـتـصـاب، وهــي طفلة فـي الـريـف في قريتها النائية من الوصي عليها. وتعلق الباحثة: «كأنما صفة املثقف هي منجز ذكـوري صرف فـي خـطـاب الــروائــي الــرجــل. وعـلـيـه، حينما تقتحم املـــرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إال مكسورة ناقصة». وراء كل امرأة مثقفةرجل في هـذه الـروايـات الرجل هو الــذي يأخذ بيد املــرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته ألنه سابق عليها. هكذا يفعل عــبّــاس بـطـل إحــســان عـبـد الـــقـــدوس فــي «أنــــا حــــرة»، إذ يـقـنـع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حـرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والـرجـل هو أيضًا املنقذ للذاكرة األنثوية. فهو الـراعـي الـذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني األعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أمينًا على ذاكرة وردة، وهي املعادل املوضوعي ملبادئه النضالية. أما األعـرج في روايته «سيدة املقام» فجعل مــن مـريـم مــعــادال مـوضـوعـيـ لـلـجـزائـر، املـديـنـة الـتـي داسـهـا املــتــطــرفــون عـلـى حـــ غـــــرّة، ولــغّــمــوا شــوارعــهــا وطــرقــاتــهــا بالقتل واإلرهــاب. فالراوي عند األعـرج مثقف، روائـي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها. الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة الروائيات لهن الغلبة في عدد الـروايـات املدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة املثقفة في نصوص الروائيني الرجال. فـعـنـد الـــروائـــيـــات، نــجــد الــنــســاء الـبـطـ ت يـــبـــحـــثـــن عــــــن ذواتـــــــهـــــــن املـــنـــعـــكـــســـة فــــــي املــــــــرآة االجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلـك الهشيم املـتـنـاثـر. بحسب الـبـاحـثـة، فــإن «الــروائــيــة ربما تـتـقـصـد سـلـفـ أن تـضـع خـريـطـة ملـسـيـرتـهـا في حقل تعبيري، هـو الـــروايـــة، حيث تعلم مسبقًا الـــشـــراك واأللـــغـــام املــطــمــورة فـــي داخــلــهــا. وهـي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري املسكوت عنه، وتقتحم املحرمات االجتماعية». تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطالت «تعشن تشظيًا في الهوية وتمزقًا بني الخيارات االجـتـمـاعـيـة». إنــهــن نــســاء يـعـانـ مــن اغــتــراب داخل املؤسسة الزوجية ألنها تجعلهن أسيرات الــتــقــالــيــد والـــــعـــــادات والـــقـــيـــم الــــجــــاهــــزة. لـــذلـــك، نجدهن نـاقـمـات على هـــزال هــذه املـؤسـسـة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. املرأة في املنطقة العربية هاجس للعار االجتماعي، وهو ما يـؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امـرأتـان»، كما نازك السورية في «امـرأة من طابقني»، وباني الجزائرية في «سيدة املقام»، يواجهن املصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني. نساء بمصائر متشابهة عند الروائيات، النساء املثقفات يعشن اغترابًا، هذا نجده في روايـــة رضــوى عـاشـور، وعند بيطار، كما لـدى الـروائـيـة السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف االجتماعية في البيئات الثالث. فـلـيـلـى ومــــــرام بـطـلـتـا روايــــــة «امـــــرأتـــــان» تـعـيـشـان اغـــتـــرابـــ عـمـيـقـ ، وتقاومان صنوفًا من االنتهاكات والعنف املمارس عليهما، وينتهي بهما األمر إلى وضع حد لحياتهما. عـ قـة حميمة تـربـط الــروائــيــات بـنـسـاء روايــاتــهــن. وغـالـبـ ما تتداخل تـجـارب الـروائـيـات بمالمح الـبـطـ ت، ويشتركن أيـضـ في الكشف عـن املسكوت عنه، والــبــوح. ومــن بـ املشتركات بـ نساء الروايات املختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فـإن لـم يكن عنفًا جسديًا، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجــت «لــيــلــى» الــســعــوديــة قــســرًا البــــن عــمــهــا، حــتــى ال تـتـسـبـب بفضيحة ألهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان األهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهال» اللبنانية املسلمة، ملنعها مـن الــــزواج مـن حبيبها املسيحي. وهو أيضًا مـا فعلته أســرة «نـــازك» الـسـوريـة املسيحية فـي روايـــة «امــرأة من طابقني» حني رفض أهلها حبيبها املسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها. العائلة شرارة العنف األول تظهر الـــروايـــات أن العائلة هـي الـحـاضـن األول للعنف، الـذي غالبًا ما تواجه به املرأة املثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت املرأة املتعلمة ببعض أشكال الدعم األسري، يظل ضئيالً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى املـرأة كائنًا ناقصًا يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالبًا ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. سوسن األبطح صورة العصور السحيقة بوصفها أداة سياسية وسالح هيمنة هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ» ثـمـة افـتـتـان غــريــب اجــتــاح الـسـنـوات األخـــيـــرة بتلك الـكـتـب الـتـي تَـــعِـــد بتفسير «كل شـيء» عن اإلنسان عبر ارتياد أغوار أصـولـه السحيقة. يهرع الـقـرّاء فـي أنحاء املعمورة إلـى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ســـتـــيـــفـــن بـــيـــنـــكـــر ويـــــوفـــــال نــــــوح هـــــــراري، باحثني في دهاليز عصور الصيد والجمع الـسـحـيـقـة عـــن إجـــابـــات ألســئــلــة الـحـاضـر املــقــلــقــة. لــكــن املـــــؤرخ الـــبـــارز سـتـيـفـانـوس جـــيـــروالنـــوس، أســـتـــاذ الـــتـــاريـــخ بـجـامـعـة نــيــويــورك ومــديــر معهد ريـــمـــارك، يقتحم هذا املشهد بكتابه املثير للجدل: «اختراع مـا قبل الـتـاريـخ: اإلمـبـراطـوريـة، والعنف، وهـوسـنـا بــأصــول الــبــشــر»*، مــجــادال بـأن مـا نسميه «مـا قبل الـتـاريـخ» ليس مجرد حـقـبـة زمـنـيـة غــابــرة نكتشفها بـاملـعـاول، بــقــدر مــا هــو اخـــتـــراع فــكــري وُلــــد فــي قلب عصر التنوير األوروبـــــي، وظــل يُستخدم منذ ذلـك الحني أداة آيديولوجية لتمرير سياسات االستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى اإلبادة الجماعية. وخالصة قوله إن كـل مـا نظنه عـن اإلنـسـان األول يعكس مـخـاوفـنـا وطـمـوحـاتـنـا اآلنـــيّـــة أكــثــر مما ينبئ عـن حقيقة املـاضـي البعيد، فكأنما حــوَّلــنــا الـعـلـم إلـــى مــــرآة نـرجـسـيـة نـحـدق فيها فال نرى إال ما نريد. تبدأ رحلة الكتاب االستقصائية من منتصف الــقــرن الـثـامـن عـشـر، عـلـى حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل األوروبــــي فـك ارتـبـاطـه بالسردية الدينية للخلق األول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب املــــقــــدس يــــوفــــر تـــســـلـــســـ زمـــنـــيـــ قــصــيــر ًا وواضـــحـــ لــلــوجــود الـــبـــشـــري. ومــــع تـمـدد الـرقـعـة االســتــعــمــاريــة، وجـــد األوروبـــيـــون أنــفــســهــم وجـــهـــ لـــوجـــه أمــــــام شـــعـــوب فـي األميركتني وأفريقيا لـم يــرد لهم ذكــر في النص املـقـدس، فانبثقت أسئلة وجودية شــــائــــكــــة: مـــــن أيـــــــن أتـــــــى هــــــــــؤالء؟ عـــنـــدئـــذ وُلــــــدت فـــكـــرة «حـــالـــة الــطــبــيــعــة». ويــشــرح جيروالنوس كيف أن فالسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صـــاغـــوا تــــصــــورات خــيــالــيــة عـــن اإلنـــســـان األول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هـوبـز، كــان اإلنسان األول غـارقـ فـي صـــراع دائـــم، «حـــرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة اســتــبــداديــة تـحـمـي الـبـشـر مـــن غــرائــزهــم. أمـا روســو فقد ابـتـدع أسـطـورة «الهمجي النبيل» الــذي أفسدته الـحـضـارة، وقيدت فطرتَه امللكية الخاصة. ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كـــونـــهـــا جــــــــداالت نـــظـــريـــة فــــي صـــالـــونـــات بـــاريـــس ولــــنــــدن، لــتــتــحــول إلــــى مـــا يشبه بـيـانـ اسـتـعـمـاريـ . فـقـد صُــنـفـت الشعوب األصــلــيــة عــلــى أنـــهـــم «بـــشـــر يـعـيـشـون في حـالـة الـطـبـيـعـة»، بمعنى أنـهـم يجسدون طـــفـــولـــة الـــجـــنـــس الــــبــــشــــري الــــتــــي تـسـبـق الـتـاريـخ املـــدون. وقــد منح هـذا التصنيف الـــرجـــل األبـــيـــض صــفــة اإلنـــســـان «الــبــالــغ» العقالني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤالء «األطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا االنصياع لقوانني التقدم. ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلـى مـجـاالت الجيولوجيا وعلم األحـيـاء. وقـــــد أدى اكـــتـــشـــاف الـــطـــبـــقـــات األرضــــيــــة والــــحــــفــــريــــات، ثــــم طـــــرح نـــظـــريـــة الـــتـــطـــور الــدارويــنــيــة، إلـــى تـكـريـس مـفـهـوم «الـزمـن الـــعـــمـــيـــق». وهــــكــــذا، تـــمـــدد عــمــر الـبـشـريـة مـــن آالف الــســنــ الــضــيــقــة وفــــق الـــروايـــة الـتـوراتـيـة إلـــى مـ يـ الـسـنـ املـتـرامـيـة. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان مــــا ســقــط فــــي شـــــرك الــتـــراتــبــيــة الــعــرقــيــة. ويــــصــــف جـــــيـــــروالنـــــوس كـــيـــف تـــضـــافـــرت جهود األنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لـتـكـريـس فـكــرة أن الـبـشـريـة تـمـر بـمـراحـل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الـــحـــجـــري، إلـــــى «الـــبـــربـــريـــة» فــــي الـعـصـر الـبـرونـزي، ووصـــوال إلـى «الـحـضـارة» في العصر الحديدي ومـا تـ ه، ويـرى أن هذا التقسيم الـثـ ثـي الـشـهـيـر تــجــاوز مجرد تــوصــيــف األدوات لـيـصـبـح حـكـمـ قيميًا على األمم، حيث صُوِّر السكان األصليون فـي املستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن. لقد استُخدم شعار «البقاء لألصلح» لـتـبـريـر الــعــنــف اإلمــــبــــراطــــوري. فـــــإذا كــان مـسـار الـتـطـور خـطـ صــاعــدًا حثيثًا نحو الــكــمــال األوروبــــــــي، فــــإن انـــدثـــار «األعـــــراق الــــدنــــيــــا» تـــحـــت ســـنـــابـــك الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا الغربية ليس سوى قانون طبيعي ال مرد له. ويقتبس جيروالنوس عبارات صادمة من قادة عسكريني ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية مــحــضــة، ال تـخـتـلـف عـــن انــــقــــراض أنــــواع حيوانية لصالح أنـواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف. ولــعــل مـــن أمــتــع فــصــول الــكــتــاب ذلـك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يــتــتــبــع جــــيــــروالنــــوس تـــغـــيـــرات صـــورتـــه عـــبـــر الـــعـــقـــود لـتـلـبـيـة أجــــنــــدات سـيـاسـيـة راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق اإلنسان العاقل (الهوموسابني). أما اليوم، فنشهد إعــــادة رســـم ملـ مـحـه بمواصفات أوروبـــيـــة، شــقــراء وزرقـــــاء الـعـيـنـ ، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمني املتطرف فـي الـغـرب تتخذه رمــزًا لــ«الـعـرق األبيض األصـلـي» املـهـدَّد فـي بقائه بفعل الهجرة. كــمــا يـسـلـط الــكــتــاب الـــضـــوء عــلــى مـفـهـوم «قـــشـــرة الــحــضــارة الــرقــيــقــة»، تـلـك الـفـكـرة التي شاعت بعد الـحـرب العاملية األولــى، والــتــي تـزعـم أن اإلنــســان الـحـديـث ال يــزال يضمر فــي أعـمـاقـه ذلـــك «الـهـمـجـي» الــذي تحكمه الـغـريـزة والـعـنـف. وقــد استثمرت الـــدول هــذه الـفـكـرة لتبرير وحشيتها في الـــحـــروب؛ فـمـا دام أن «اإلنـــســـان عــدوانــي بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن مـمـارسـة الـعـنـف مــا هــي إال عـــودة حتمية إلـى «الحقيقة» البشرية املدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية املصنوعة بأيدينا. ال يــكــتــفــي جــــيــــروالنــــوس بــالــغــوص فـي املـاضـي، بـل يوجه سهام نقده الـ ذع إلــــى املــشــهــد الــثــقــافــي املـــعـــاصـــر، مهاجمًا بـــحـــدة ظــــاهــــرة «الــــتــــاريــــخ الـــكـــبـــيـــر» الــتــي يــمــثــلــهــا يــــوفــــال نـــــوح هـــــــراري فــــي كـتـابـه «اإلنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس الـــبـــشـــري». يــــرى جـــيـــروالنـــوس أن هـــؤالء الـكـتـاب يــمــارســون نـوعـ مــن «الـحـكـواتـيـة العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها فـي علم الــوراثــة واآلثــــار لبناء روايــــــات شـمـولـيـة تــبــدو مـقـنـعـة ظـاهـريـ ، غــيــر أنـــهـــا تـفـتـقـر إلــــى الــعــمــق الــتــاريــخــي املنهجي وتعيد إنـتـاج الخطيئة الفكرية ذاتــــهــــا: إيــهــامــنــا بــــأن الـطـبـيـعـة الـبـشـريـة ثـــابـــتـــة ومــــحــــددة ســلــفــ مـــنـــذ مـــئـــات آالف الـسـنـ . وهـــذا الـضـرب مـن التفكير، وفقًا لـــجـــيـــروالنـــوس، يــقــتــل الـــفـــعـــل الــســيــاســي فـــــي مـــــهـــــده، ويـــــوظـــــف «عـــــلـــــوم األصــــــــول» بـوصـفـه أداة لشرعنة األوضــــاع القائمة، وإجــــهــــاض أي رغـــبـــة فــــي الــتــغــيــيــر. فــــإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو الالمساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جـدوى أي محاولة لتغيير املجتمع اآلن؟ يـــــتـــــوقـــــف الــــــكــــــتــــــاب أمــــــــــــام مــــفــــارقــــة تكنولوجية مـذهـلـة. مـع صـعـود الطيران الـــحـــربـــي، ذاع تـــهـــديـــد عـــســـكـــري أمــيــركــي شـــهـــيـــر عـــلـــى لــــســــان الــــجــــنــــرال كـــورتـــيـــس ليماي، وتردد في صراعات الحقة وصوال إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الــــحــــجــــري ». ويـــــتـــــســـــاءل جــــيــــروالنــــوس بـــــمـــــرارة: كـــيـــف ألحــــــدث الــتــكــنــولــوجــيــات (الـطـائـرات والقنابل) أن تُستخدم إللغاء زمـن اآلخرين وإعادتهم إلـى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمنًا أن ثمة شعوبًا تقبع بالفعل فـي «مــا قبل الـــتـــاريـــخ» أو عــلــى مـــشـــارفـــه، وأن الـعـنـف التكنولوجي هـو اللغة الـوحـيـدة املمكنة للتعامل معهم. يـخـتـتـم جـــيـــروالنـــوس كـتـابـه بـدعـوة جــذريــة إلـــى الـتـوقـف عــن الـتـمـاس أنفسنا في مرايا املاضي السحيق، واعتناق نوع مـــن الـــتـــواضـــع الـــراديـــكـــالـــي إزاء غـمـوض الــــبــــدايــــات. إن شـــظـــايـــا الـــعـــظـــام ورســـــوم الــكــهــوف الـصـامـتـة ال تـمـلـك لـغـة بـذاتـهـا، ونـــحـــن مـــن نـمـنـحـهـا ألــســنــة لـتـنـطـق بما نريد سماعه، ونصنع املاضي على مقاس حـــاضـــرنـــا لـــنـــبـــرر ســطــوتــنــا وهــيــمــنــتــنــا. إن «اخــــتــــراع مـــا قــبــل الـــتـــاريـــخ» مــراجــعــة أخالقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومـــــرافـــــعـــــة نـــــاريـــــة ضـــــد ســـــــوء اســــتــــخــــدام العلم، وحــث صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطالقًا من تطلعاتنا اإلنسانية، ال من خرافات مختلَقة عمّا كان يفعله أسالفنا قبل مئات آالف السنني. إنه ضــــروري لـكـل مــن يـريـد فـهـم كـيـف تُصنع األفكار، وكيف تُستخدم األسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه. ندى حطيط ستيفانوس جيروالنوس إذا كان مسار التطور خطا صاعدا حثيثا نحو الكمال األوروبي فإن اندثار «األعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي ال مرد له النص الكامل على املوقع اإللكتروني Issue 17299 - العدد Thursday - 2026/4/9 اخلميس
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==