تــبــدو بـريـطـانـيـا مـــن خــــال مـــا يــقــولــه رئـيـس حكومتها السير كير ستارمر هـذه األيــام، وكأنها جـنـدي يـــؤدي الـخـدمـة الـعـسـكـريـة فــا يملك إال أن يأتمر بما يسمع. فالذين أدوا هذه الخدمة يعرفون مصطلحًا يشيع استخدامه بني الضابط والجنود املـــؤتـــمـــريـــن بـــأمـــره فـــي أي وحـــــدة عــســكــريــة، وهــو مصطلح من كلمتني: كما كنت! وال مـــعـــنـــى لـــهـــمـــا إال أن عـــلـــى الــــجــــنــــدي إذا سمعهما أن يعود إلى الوضع «انتباه» الذي يمثل الـوضـع الطبيعي للوقوف فـي الحياة العسكرية. فإذا نودي على الجندي «صفًا» مثلً، فإن عليه أن يباعد بـ قـدمـيـه، رافـعـ كـف يــده اليمني مـفـرودًا بحذاء رأسه، ثم يجعله عموديًا على جانب وجهه األيــــمــــن. وال يـــكـــون هـــــذا إال عـــلـــى ســبــيــل الـتـحـيـة الـعـسـكـريـة لـلـضـابـط الـــواقـــف أمـــامـــه. أمــــا إذا عــاد الـضـابـط يــنــادي «كـمـا كــنــت»، فـــإن الـجـنـدي يعود إلـــى وضعيته األصـلـيـة «انــتــبــاه» الـتـي تعني ضم القدمني، بينما اليدان مفرودتان إلى جوار الساقني بقبضتني مضمومتني. وفــي أفـــام الفنان إسماعيل يـاسـ القديمة، كـــانـــت املــــفــــارقــــات بــــ هـــاتـــ الــوضــعــيــتــ م ـثــار ًا للضحك في أكثر من فيلم من أعماله، وكانت مجاال مفتوحًا تتجلى فيه قــدرات إسماعيل ياسني على األداء الكوميدي. ومـــن الـكـومـيـديـا إلـــى الـتـراجـيـديـا السياسية نجد أن بريطانيا تعود إلى مراجعة ما كان منها مـع االتـحـاد األوروبــــي، ويـخـرج ستارمر ليتحدث عــن مـصـالـح وطـنـيـة لــبــاده تتطلب عــاقــات أوثــق مـع االتــحــاد، ثـم عـن مــحــاوالت بريطانية إلصـاح ما سماه األضــرار الجسيمة لخروج بريطانيا من عضوية االتحاد! نــــذكــــر أن خــــروجــــهــــا كـــــــان فـــــي عــــهــــد رئـــيـــس الـــحـــكـــومـــة ديـــڤـــيـــد كــــامــــيــــرون، وأن الـــــخـــــروج كـــان باستفتاء قالت غالبية البريطانيني فيه إنها ترغب في الـخـروج، فلم يملك كاميرون إال أن يستجيب، ولم يملك بوريس جونسون فيما بعد إال أن يأخذ قرار الخروج إلى النور. وهذا معناه أن الخروج لم يكن قرار كاميرون، وال كان قرارًا لجونسون، وإنما كان قرارًا للشعب في غالبيته، أي أنها كانت عملية ديمقراطية مكتملة من األلف إلى الياء. كـــــان رئـــيـــس الـــحـــكـــومـــة الـــبـــريـــطـــانـــي األشـــهـــر ونستون تشرشل قد قال ما معناه، أن الديمقراطية ليست أفضل نُظم الحكم، وإنما هي أفضل طريقة توصلت لها البشرية في حُكم الشعوب، ويبدو أن ما قاله الرجل كان في محله تمامًا. واملعنى، أن على البشرية نفسها أن تتوصل لنظام أفضل في املستقبل، بل إنها يتعني عليها أن تسعى في هذا الطريق، وإال، فما معنى أن تجري انتخابات فـي أي بلد، فـا يفوز بمقعد الحكم إال الــشــخــص أو الـــحـــزب الـــــذي حــصــل عــلــى أكـــثـــر من خمسني فـي املـائـة بــأي مــقـدار، حتى ولــو كــان هذا املقدار واحــدًا في املائة أو ما هو أقـل. وفـي املقابل يخسر الشخص أو الحزب الذي حصل على أقل من خمسني في املائة بأي مقدار، حتى أيضًا ولو كان هذا املقدار واحدًا في املائة أو أقل! هـي قـاعـدة ديمقراطية يتوافق عليها العالم الـحـديـث واملـعـاصـر، وربـمـا عـالـم مـا قبل التوصل للمبادئ الديمقراطية بشكلها الــذي نعرفه، ومع ذلــك فهي قـاعـدة غير عـادلـة؛ ألنها تأخذ بما يـراه نصف الشعب تقريبًا فـي أي استفتاء أو انتخاب ديـمـقـراطـي، وال تُلقي بـــاال إلــى النصف اآلخـــر من الشعب الذي قال «ال» في صندوق االقتراع. ويظل سـوء حـظ هـذا النصف اآلخـــر، أن الـذيـن قـالـوا «ال» كـان ينقصهم عـدد قليل جـدًا ليكونوا مكان الذين جلسوا فـي مقاعد الــحــكــم!... تمامًا كما أن الذين جلسوا في مقاعد الحكم زادوا عددًا قليل جدًا على النصف! هـــذه قـضـيـة تـظـل مـثـيـرة لـلـتـسـاؤل والـدهـشـة مع كل استحقاق ديمقراطي، وفـي آخـر استحقاق من هذا النوع في حزب الوفد املصري على سبيل املثال، فاز الدكتور السيد البدوي برئاسة الحزب بفارق ثمانية أصوات عن املرشح الخاسر الدكتور هاني سري الدين. بـالـعـودة إلــى بريطانيا تـبـدو وكـأنـهـا تعتذر للذين قالوا «ال» وقت االستفتاء على الخروج من االتحاد األوروبي، فلم يلتفت إليهم وال إلى عددهم أحد، رغم أنهم كانوا باملليني، ولكن ذلك لم يشفع لهم في شيء أمام القاعدة الديمقراطية غير العادلة إياها: قاعدة األغلبية! فـاألغـلـبـيـة هـــي كـلـمـة الــســر فـــي الـديـمـقـراطـيـة كـعـمـلـيـة ســيــاســيــة، وأمــــــام كــلـمــة األغــلــبــيــة يـلـتـزم الجميع الصمت، ويجلس الذين لم يكونوا ضمن هـــــذه األغـــلـــبـــيـــة يـــجـــتـــرون آالمــــهــــم وأحــــزانــــهــــم، ثـم يتساءلون عما إذا كانت الديمقراطية عادلة حقًا، وهي تأخذ بما تأخذ به في كل حاالتها، وال تبالي بما ال تبالي به في كل حاالتها أيضًا؟ حني جرى 2016 من زمـن ديڤيد كاميرون في االستفتاء، ثم منذ األخذ بنتيجته في زمن بوريس جـونـسـون، تظل بــاد اإلنجليز وكـأنـهـا بقيت في الوضع «صفًا» بالتعبير العسكري، وعلى سبيل الـتـحـيـة للغالبية الــتــي قــالــت «نــعــم» لـلـخـروج من االتــــحــــاد األوروبــــــــي، فـــــإذا بــهــا تـــعـــود بــعــد حـديـث ستارمر عن علقات أوثق مع الحلفاء األوروبيني، وعن معالجة لألضرار الجسيمة للخروج، وكأنها ترجع إلى الوضع: انتباه! بـــقـــيـــت بـــريـــطـــانـــيـــا عـــلـــى مــــــدى ســـــنـــــوات مـنـذ الـخـروج الفعلي فـي الوضعية «صـفـ»، فلما تكلم السير كير ستارمر عما تكلم عنه كـان كمن يقول للشعب الذي جرى استفتاؤه: «كما كنت»! Issue 17299 - العدد Thursday - 2026/4/9 اخلميس ِوما الحرب إِال ما عَلِمْتُم وذُقْتُمُو وما هو عَنْها بالحَدِيث املُرَجَّم ليس للحرب؛ قديمًا وحـديـثـ، جـانـب مضيء، فالسائد هو الجانب املظلم منها، وهي ليست مجرد معارك بني جيوش، أو صراعًا على األرض، أو على منافع ومنابع الثروات فقط... للحرب جانب مظلم يترك أثــرًا عميقًا فـي البشر واملجتمعات املختلفة، حــتــى تــلــك الـــتـــي انـــتـــصـــرت فــيــهــا، فــهــي قـــد تُــحــسَــم بـالـسـاح، لـكـن آثـــارَهـــا املظلمة تستمر فــي الــذاكــرة عقودًا. والحرب قد تُخاض باسم «الحرية» أو «العدالة»، لكنها في حقيقتها تـزرع الكراهية، وتُخلّف أجياال يــحــمــلــون آثــــارَهــــا الــنــفــســيــة. ال يـــوجـــد فـــي الــحــرب مـنـتـصـر أو مـــهـــزوم حـقـيـقـيـان، لـكـن يـوجـد ضحايا حقيقيون، ولنا في ذاكرة الحربَني العامليتني؛ األولى والثانية، عبرة في عدد الضحايا الذين هم باملليني، فبينما نسي العالم جميعُه مَن انتصر في الحربَني ومَـــــن انـــهـــزم، بـقـيـت مــقــابــر الــضــحــايــا هـــي الـشـاهـد األوحـــد على الجانب املظلم للحروب، كما وصفها شاعر العرب زهير بن أبي سلمى: ِمتَى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذميمة وتَضْر إذا ضَرَّيْتُمُوها فتَضْرَم فل خير تأتي به الحرب. يـــتـــســـاءل بــعــض املـــفـــكـــريـــن: ملـــــاذا تـــذهـــب األمـــم إلــى الــحــروب؟ قـد نجد اإلجـابـة على لسان الرئيس ، وودرو ويـــلـــســـون... يــقــول: «بـــذور 28 األمــيــركــي الــــــ الـحـرب فـي العالم الحديث هـي التنافس الصناعي والــــتــــجــــاري»، فــالــحــرب «نــــــزاع مــســلــح تـــبـــادلـــي بني دولتني أو أكثر من الكيانات والتحالفات املتضادة غـــيـــر املـــنـــســـجـــمـــة، الــــهــــدف مـــنـــه هــــو إعــــــــادة تـنـظـيـم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج مرجوّة ومـصـمـمـة بـشـكـل ذاتـــــي». وهــنــا تـكـمـن اإلجـــابـــة عن ماهية الحرب ومسبباتها املعلنة والخفية. وتـــتـــنـــوع أشـــــكـــــال الـــــحـــــروب؛ فــمــنــهــا قـــتـــالـــيـــةٌ، وأخــــرى بــــاردة ال قـتـال مـبـاشـرًا فـيـهـا، كـالـتـي كانت بني املعسكرين الشرقي والغربي في القرن املاضي، والتي استنزف التنافس على التسلح فيها العالمَ، وجعله على شفا جـرف هــارٍ، ورهينة لعود كبريت أو رصاصة يطلقها أحد الطرفني اللذين أنهكتهما الحربان العامليتان. لم يدخل العالم الحرب الثالثة؛ لـيـس بتعقل الـشـعـوب والـحـكـام وإدراكـــهـــم مخاطر الـــحـــروب، بــل بـــالـــردع الـــنـــووي والـبـيـولـوجـي؛ وهـو األخــــطــــر. ولــــو انـدلـعــت حـــــرب عــاملــيــة ثــالــثــة فـــي أي لحظة، فسيكون الفناء مصير الجميع، وليس هناك نصر أبدًا، فالجميع سيكون مهزومًا وإلى فناء. وقد الحـظـت تـقـاريـر األمـــن البشري انخفاضًا كبيرًا في عدد الصراعات املسلحة منذ نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينات من القرن املاضي. فالحروب جميع وجوهِها مظلمةٌ، وال يمكن أن يكون للحرب جانب مضيء، إال بأشعة الصواريخ والقنابل والشظايا، وهي دائمًا مصحوبة بإعاقات وإصــابــات وقتلى وجـرحـى وثـكـالـى وأرامــــل وأيـتـام ونزوح وتهجير وجوع وعطش... بل تطول العواقب حتى الـهـواء الــذي تلوثه أدخنة األسلحة والـغـازات السامة. ال خـــيـــر فـــــي الـــــحـــــرب حـــتـــى لـــلـــمـــنـــتـــصـــر، فـهـو سيخرج منها منهكًا مثقل بأزمات أخرى قد يعجز عن إدارتها سنوات طويلة. ومن أسباب الحروب نزعة السلطة، والتنافس االنتخابي، فقد كانت الحروب، وال تزال، من عوامل املـغـالـبـة فـــي االنــتــخــابــات الــغــربــيــة، حـتـى أصبحت االنتخابات الرئاسية في بعض بلدان العالم مجاال خصبًا إلدارة الـــحـــروب بــ األطـــــراف املـخـتـلـفـة، بل أصبحت الــحــروب هـي الـتـي تـحـدد مَــن الـفـائـز ومَــن الخاسر في االنتخابات. وهناك نظريات تعتمد «التوسع الديموغرافي ونــدرة املـــوارد» سببًا لشن الـحـروب - منها «نظرية مالتوس» بشأن «االزديـــاد السكاني ونـدرة املـوارد» - وبـالـتـالـي إزهــــاق مــايــ األرواح، لـيـس فـقـط من الجنود؛ بل من املدنيني األبرياء. وهي تكون دائمًا مـصـحـوبـة بــالــصــدمــات الـنـفـسـيـة، وفـــقـــدان األحــبــة، وانتشار اليُتم، وانهيار الروابط املجتمعية، وتدمير البنى التحتية، وانـهـيـار األســــواق، وانـتـشـار الفقر والبطالة والفوضى والجريمة. إذا بقيت الحروب سجاالً، أو حتى انتهت، فل غالب فيها وال مغلوب. كــان هـنـاك ذات يــوم سـجـال فـكـري وعلمي بني صاحب نظرية النسبية؛ الفيزيائي ألبرت آينشتاين، وعالم النفس سيغموند فـرويـد، لكنهما ذهبا ولم يجدا حل ملنع الحروب، رغم أن ثانيَهما عالِم فذ في نفوس البشر وخباياها، وأولَهما عالِم في الفيزياء والرياضيات؛ اللذين هما من أسس صناعة السلح والصواريخ واملقذوفات. خاض العالَم بعدهما عشرات الحروب من دون أن يصل أحد إلى إجابة السؤال: كيف نمنع الحروب؟ هذه مجرد هدنة قصيرة، وال يمكن الحديث عنها في هذه املرحلة إال بوصفها تهدئة مؤقتة إلتاحة فرصة للمتفاوضني. أما مهلة األسبوعني املطروحة للمفاوضات، فتبدو غير واقعية بكل املقاييس، ال سيما إذا أخذنا في االعتبار تاريخ املفاوضات بني الـواليـات املتحدة وإيـــران، واملـدة التي كانت تستغرقها كل جولة منها. كان متوقعًا أن تسارع األطراف إلى الحديث عن «انـتـصـارات»، غير أن هـذه حـرب يسهل فيها إحصاء الخسائر أكثر من تسجيل املكاسب. ترمب بتصريحاته ومبالغاته في تغريداته رفع السقف ووضع نفسه في زاويـة ضيقة، فراح يـبـحـث عـــن مـــخـــرج مــنــهــا، مـــع تــصــاعــد الـتـمـلـمـل فــي أوســــاط الــحــزب الـجـمـهـوري الـــذي يــواجــه في نــوفــمــبــر (تـــشـــريـــن الـــثـــانـــي) املــقــبــل االنــتــخــابــات النصفية للكونغرس، ويــراقــب بقلق التداعيات السلبية على االقتصاد وعلى أسعار الوقود جراء الحرب. فـي كـل األحــــوال، ظـل املعلقون يــحــذرون من أن تـرمـب ال يتمتع بميزة الصبر، وأنـــه سيشعر بالضجر سريعًا إذا طـال أمـد الـحـرب. فتوقعاته كــانــت لــحــرب خـاطـفـة وضـــربـــات مـكـثـفـة تضعف الـنـظـام اإليـــرانـــي وتـجـبـره عـلـى االســتــســام وفـق الشروط األميركية، مع الرهان على تحرك الشارع اإليراني ودعم املعارضة اإليرانية إلسقاط النظام. هـذه الـحـسـابـات لــم تتحقق، ألن أمـيـركـا أخـطـأت فــي فـرضـيـة أسـاسـيـة، ولـــم تـضـع فــي حساباتها مـــســـتـــوى االســــتــــعــــداد اإليــــــرانــــــي لــــهــــذه الــــحــــرب، والـــــقـــــدرات الـــتـــي راكــمــتــهــا طـــهـــران لـتـمـكـنـهـا من االستمرار في القتال لفترة طويلة رغم الخسائر الكبيرة نتيجة الضربات الهائلة. تـتـجـه األنـــظـــار اآلن إلــــى جــولــة املــفــاوضــات املـــقـــرر أن تــبــدأ غـــدًا فـــي إســــام آبـــــاد، مـــا لـــم تـطـرأ مـــســـتـــجـــدات تــــؤخــــر انــــطــــاقــــهــــا. ومــــــن الــصــعــب تصور انتهائها خـال أسبوعني، فـي ظـل تباعد املواقف، وشـروط الحد األقصى التي يقدمها كل طـرف. ولذلك فـإن اإلعــان الباكستاني عن اتفاق وقــــف إطــــاق الـــنـــار تــــرك نـــافـــذة إلمــكــانــيــة تـمـديـد املـــفـــاوضـــات إذا اتـــفـــق الـــطـــرفـــان عــلــى ذلـــــك، وهــو االحــتــمــال األرجـــــح. فـاملـلـفـات مــعــقــدة، والـــشـــروط صعبة، ومن غير املتوقع أن يحقق أي طرف كامل مطالبه. لـذلـك، ستكون هـنـاك تــنــازالت يمكن أن تعيد الـطـرفـ إلــى صيغة أقـــرب إلــى التفاهمات الــتــي سـبـقـت الـــحـــرب، قـبـل أن تـوقـفـهـا الهجمات األمـيـركـيـة - اإلسـرائـيـلـيـة. وفـــي هـــذا الـسـيـاق، قد نرى عودة الوساطة العمانية إلى الواجهة، بحكم إملامها بتفاصيل الجوالت السابقة، ما قد يساعد في تسريع وتيرة الجولة الجديدة. هل يمكن أن تنهار الهدنة وتُستأنف الحرب؟ االحتمال يبقى واردًا بالطبع، وإن كنت أراه مستبعدًا. صحيح أن الهدنة تبقى هشة، وقد تشهد خروقات، لكن إرهـاق الحرب، وتعقيدات تــداعــيــاتــهــا عــلــى االقـــتـــصـــاد الـــعـــاملـــي، واقــتــنــاع كـل طــرف باستحالة تحقيق نصر كـامـل، كلها عوامل ترجح صمودها، واستمرار املفاوضات ألكـــثـــر مـــن أســـبـــوعـــ ، بـحـثـ عـــن اتـــفـــاق نـهـائـي سيكون أقرب إلى «تسوية» وسيتطلب إجراءات وآليات دولية ملراقبة التنفيذ. حـتـى اآلن، ال تــتــوافــر صــــورة دقـيـقـة لحجم الـخـسـائـر، لكنها ستكون هائلة بكل املقاييس. تستطيع إيـــــران أن تــقــول إنــهــا صــمــدت وحققت بعض املـكـاسـب االستراتيجية، لكنها بالتأكيد تلقت ضربات قوية، وخسرت العديد من قياداتها، ومـــن قـدراتـهـا الـعـسـكـريـة، ومـــن بنيتها التحتية التي ستحتاج إلى سنوات طويلة وموارد كبيرة إلعادة بنائها. في املقابل سيعلن ترمب أنه حقق «انتصارًا لم يحدث مثيله في التاريخ»، لكنه في الـــواقـــع خـسـر سـيـاسـيـ عـلـى الـصـعـيـد الــداخــلــي، ولـم يحقق كـل األهـــداف العسكرية التي بالغ في تضخيمها. أما نتنياهو فسيؤكد أنه حقق هدفه وألحق أضــرارًا جسيمة بقدرات إيــران العسكرية، وعطل برنامجها الــنــووي، ودمـــر البنى التحتية، لكنه لن يستطيع االدعاء بتحقيق كل أهدافه. فالنظام لـــم يـسـقـط، وإيــــــران ظـلـت تـــواصـــل الـقـصـف حتى اللحظات األخــيــرة، وســط غـمـوض بـشـأن مصير منشآت الصواريخ تحت األرض. كما أن إسرائيل تــعــرضــت لــخــســائــر مـــاديـــة واقـــتـــصـــاديـــة كــبــيــرة، وسـيـكـون هـنـاك جــدل داخـلـي واســـع حــول نتائج الحرب، واحتمال سعي نتنياهو لتخريب الهدنة واملفاوضات. الـــدول العربية، الخليجية تـحـديـدًا، تكبدت خسائر كبيرة من حرب وجدت نفسها في أتونها رغــمــ عـنـهـا عـنـدمـا بــادرتــهــا إيـــــران بـالـهـجـمـات. فإلى جانب الخسائر املادية الكبيرة، والتداعيات االقتصادية، فإن أجواء التوتر ستبقى طويل في املنطقة. ومـــــرة أخـــــرى سـيـجـلـس الـــطـــرفـــان األمــيــركــي واإليــــرانــــي لــلــتــفــاوض، مـــن دون أن يــكــون هـنـاك مـقـعـد لـلـطـرف الــعــربــي املـعـنـي بـــاألزمـــة أكــثــر من غيره بحكم الجوار ومن واقع أن جوالت حروبها تــحــدث فـــوق رأســــه. وربــمــا يــدفــع هـــذا األمــــر دول الخليج واألطراف العربية عمومًا إلى البحث عن صيغ لحل املشاكل الجدية في العلقات مع إيران بـحـوار مباشر يبقى هـو الطريق األقـصـر واألقـل كلفة، مهما كان صعبًا. هل يمكن أن تنهار الهدنة وتُستأنف الحرب؟ االحتمال يبقى واردا بالطبع إذا بقيت الحروب سجاال أو حتى انتهت فال غالب فيها وال مغلوب جبريل العبيدي عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 هل تصمد الهدنة األميركية ــ اإليرانية؟ ليس للحرب جانب مضيء بريطانيا على موعد مع كلمتين: «كما كنت» األغلبية هي كلمة السر في الديمقراطية كعملية سياسية... وأمام كلمة األغلبية يلتزم الجميع الصمت
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==