issue17298

الثقافة CULTURE 18 Issue 17298 - العدد Wednesday - 2026/4/8 األربعاء تعتمد تقنية الجص الجيري المنحوت تقاسيمزخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي» ازدهـــرت خـال الحقبة األمـويـة حِــرَف الـزيـنـة املـعـمـاريـة، وشـكّــل نتاجها املبتكر أسـاسـا لجمالية الفن اإلسـامـي بأقاليمه املتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هـــــذه الـــــحِـــــرَف بــــنــــوع خـــــاص فــــي اعـــتـــمـــاد تقنية الجص الجيري املنحوت في تزيني العناصر املعمارية الخاصة باملباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه املباني بأشكال مختلفة. تـجـلّــى هـــذا الـفـن فــي مجموعات مــــن الـــلـــقـــى عُــــثــــر عــلــيــهــا بــــ أطـــــــال هـــذه الـقـصـور، منها مجموعة صغيرة خرجت فــــي الـــســـنـــوات األخــــيــــرة مــــن مــبــنــى كـبـيـر، شكّل ملحقا من ملحقات قصر، ويُعد أكبر املـنـشـآت األمـــويـــة وأضـخـمـهـا فــي الـبـاديـة السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي». جـــــال عـــالـــم اآلثـــــــار األمـــيـــركـــي جــــورج فــي نــــواح عـدة 1956 فـورسـيـث خـــال عـــام من الشرق األوسـط الختيار مواقع جديرة بــاملــســح، ورافـــقـــه فـــي هــــذه الــجــولــة زمـيـلـه الفرنسي أوليغ غرابار املختص في الفنون اإلســــامــــيــــة. شــمــلــت هـــــذه الـــجـــولـــة مــوقــع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فـي مهمة تمهّد 1962 فقصده ثانية عــام على 1964 الســتــكــشــافــه، وعـــــاد إلـــيـــه فـــي رأس بعثة ضمت عـــددًا مـن كـبـار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت ،1966 شـهـريـن. تــجــددت هـــذه الحملة فــي 1967 وتــبــعــتــهــا حــمــلــة ثــالــثــة بـــ عـــامـــي ، وخامسة 1969 ، ثم حملة رابعة في 1968 و ، وكانت خاتمتها حملة سادسة 1970 في . شملت هــذه الحملت امليدانية 1971 فـي املـــعـــمّـــقـــة مـــجـــمـــل مـــســـاحـــة «قــــصــــر الــحــيــر الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُــوّج بنشر 1978 هذا العمل املتواصل أخيرًا في كتاب شكّل دراســة جامعة لهذه األبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء». شــــيّــــد هــــــذه املــــديــــنــــة الــــتــــي تـــقـــع إلـــى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام كما يؤكّد 729 و 728 بـن عبد املـلـك عـامـي نقش عُثر عليه في املوقع، ويقابلها قصر آخـــــر، شـــيّـــده كـــذلـــك هــــذا الـخـلـيـفـة فـــي عــام ، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، 727 ويُــــعــــرف بـــاســـم «قـــصـــر الـــحـــيـــر الـــغـــربـــي». يـــتـــكـــوّن «الـــقـــصـــر الـــشـــرقـــي» مـــن مـجـمّــعـ مـــربّـــعـــ مـــتـــجـــاوريـــن يُـــعـــرفـــان بـــ«الــقــصــر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في املقام األوّل بطابعه املعماري الضخم، وتبدو أطلله أكبر من أطلل نظيره «الغربي». في املقابل، يتميّز «الـــقـــصـــر الـــغـــربـــي» بـــثـــراء حــلــلــه الــزيــنــيــة، وتـبـدو حلل نظيره «الـشـرقـي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء االستثنائي. لـم تشكّل الـحـمـات األمـيـركـيـة نهاية الستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمني املتجاورين، وبلغت سلسلة من املساكن تقع في شمال هــــذا املـــوقـــع، أهــمــهــا مـسـكـن ضــخــم يحمل طابعا أميريا كما تشهد اللقى التي خرجت مــنــه، خـــال سلسلة جــديــدة مــن الـحـمـات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة . يتألف هذا املسكن 2010 و 2007 بني عامَي الضخم مـن مجمّعني متلصقني تتوسّط كــا منهما سـاحـة داخـلـيـة، ويـمـتـدّان على متر، وعرضها 65.5 مساحة يبلغ طولها مــــتــــر. يــــبــــدو هـــــذا الـــبـــنـــاء مـــعـــاصـــرًا 44.5 للحرمني الرئيسيني اللذين يتكوّن منهما املـوقـع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في األصـــــل لــبــنــاء هــــذه املـــديـــنـــة، أو أنّـــــه شـكّــل ملحقا توسّعيا لها. حـــافـــظ هــــذا املــســكــن عــلــى بــعــض من حلله املنقوشة، وبـــدت مشابهة مـن حيث الــتــكــويــن واألســــلــــوب ملـــا نـــــراه فـــي حــرمَــي «القصر الشرقي» املجاورين. هنا وهناك، نـقـع عـلـى عـوامـيـد تزينها نـقـوش منجزة بـــتـــقـــنـــيـــة الــــجــــص املــــنــــحــــوت. تـــعـــلـــو هـــذه الــعــوامــيــد تــيــجــان كــبــيــرة، تــشــكّــل أســاســا ألقــــــواس مــنــقــوشــة تـتـبـنـى أطــــــرزة شـاعـت في العالم املتوسّطي، تجمع بني التقاليد الـرومـانـيـة والـسـاسـانـيـة، وتـشـكّــل امـتـدادًا ملـيـراث محلّي انتشر فـي بقاع واسـعـة من بلد الشام. إلــى جـانـب هــذه الـشـواهـد املعمارية، تحضر مجموعة من األلــواح تعتمد كذلك تـقـنـيـة الــجــص املــنــقــوش، وصــلــت لـأسـف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه األلــواح األصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية املتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إال إنها ال تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هـذه القوالب، وأبـرزهـا العناصر النباتية املـحـوّرة. تظهر هـذه العناصر في شواهد ألـــواح تختزل هــذا النسق 3 كـثـيـرة، منها الــــذي طــبــع املـــيـــراث الــفــنــي األمـــــوي بشكل واســــــع. عُـــثـــر عــلــى أحــــد هــــذه األلـــــــواح عــام ، ويبلغ طوله في األصل على األرجح 2008 سـنـتـيـمـتـر ًا، 42 سـنـتـيـمـتـرًا، وعـــرضـــه 64 وقــــوامــــه مــســاحــة مـــزخـــرفـــة يــحــدهــا إطـــار مستطيل بسيط. تبدو هذه املساحة ألول وهـــلـــة هــنــدســيــة بــشــكــل خــــالــــص، غـــيـــر أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصرًا وحيدًا بتلت طويلة 6 جامعا يتمثل في زهرة ذات متساوية، تلتف حــول ثقب دائـــري يشكّل برعما لتفتّحها. تستقر هذه الزهرة داخل أضـــاع، وتـؤلّــف وحـدة 6 إطــار يتكوّن مـن هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفا هندسا صارما. يـــتـــغـــيّـــر هــــــذا الـــنـــســـق فـــــي لــــــوح ثـــــان ، طـولـه في 2010 يـعـود اكـتـشـافـه إلـــى عـــام 50 سنتيمترًا، وعرضه 70 األصل تقديريا سنتيمترًا. مـا تبقّى مـن هـذا الـلـوح يُظهر ورود مــتــمــاثــلــة، تحضر 6 مـجـمـوعـة مـــن وســــط أغـــصـــان لـولـبـيـة مـــورقـــة تــلــتــف من حولها بشكل دائـــري. تتألف كل وردة من بــتــات صــغــيــرة، تـحـيـط بــقــرص مماثل 6 لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الـــورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بـعـضـهـا بـشـكـل جــانــبــي، ويـظـهـر البعض اآلخــر بشكل منبسط ومــواجــه. فـي القسم األســــفــــل مــــن هـــــذا الــــلــــوح، تــظــهــر أغـــصـــان مـــورقـــة أخـــــرى تـمـتـد عــمــوديــا بـشـكـل حــر، والـافـت أن وريـقـات هــذه األغـصـان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءًا مـــن هــــذا الــتــألــيــف، مـوقـعـهـا عــلــى األرجــــح الـطـرف األيـسـر مـن الــلــوح، نقع على وردة كـبـيـرة تـتـاحـم بـتـاتـهـا الـكـثـيـفـة، وتـبـدو أشبه بعنقود من العنب. يتكرّر هـذا القالب الزخرفي الحر في لـوح ثالث يصعب تقدير حجمه األصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «األقنثا»، وتبدو أوراق هذه األغصان املحوّرة هندسيا أشبه بكوز مساحات هللية. يشكّل كل 4 يتكوّن مـن مـــن هــــذه األكـــــــواز كـتـلـة دائــــريــــة تـلـتـف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عموديا، ويمتد البعض اآلخـــر أفقيا. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعا حيا. محمود الزيباوي ألواحزخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية 3 لبناني وفلسطيني جمعهما اسمان متشابهان وعمر واحد ومزايا مشتركة عدة أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة كـــــان مـــــقـــــدّرًا لـــهـــذه املـــقـــالـــة أن تــكــون مـخـصـصـة بــالــكــامــل لــلــحــديــث عـــن أحـمـد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان واملنطقة، شـأنـا مـن شـــؤون املـصـادفـات املــجــردة، بل بـــدا بـمـنـزلـة احــتــجــاج صــــارخ عـلـى فـسـاد العالم ووحشيته املطلقة، أو نزول متعمد عــــن خـــشـــبـــة املــــســــرح الــــفــــظ الـــــــذي يـسـمـى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلط بينه وبني املغني اللبناني، غالبا ما تسبب فيه التشابه في األسـمـاء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلم العطاري، حني ظل يخلط دون قصد بني االســــمــــ ، فــــي حــــــوار أجــــرتــــه مـــعـــه إحــــدى الفضائيات، بما حـوّل الـحـوار برمته إلى تأبني للشاعر واملغني على حد سواء. وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بــــأن مــثــل ذلــــك الــخــلــط لـــم يــكــن غــائــبــا عن بـــال قـعـبـور ذاتــــه، وهـــو الــــذي أخـبـرنــا في إحـــدى جـلـسـات املـقـهـى الـتـي واكــبــت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قـــد اتـــصـــلـــوا بـــه مـسـتـنـكـريـن وفـــاتـــه دون إعـامـهـم، إثــر رحـيـل الـشـاعـر الفلسطيني أحـمـد دحــبــور! ثــم تـابـع عـلـى طريقته في الـــدعـــابـــة بــــأن زوجـــتـــه إيـــمـــان بـــكـــداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مـكـاملـة هـاتـفـيـة، وقـــد ظــن الـبـعـض أنـــه هو نـفـسـه املــتــوفــى، لـيـضـيـف مـبـتـسـمـا أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتني». وإذا كـــــان الــــكــــام عــــن أحـــمـــد قـعـبـور يـــســـتـــدعـــي مــــروحــــة واســــعــــة مــــن األفــــكــــار والــذكــريــات، فــإن أكـثـر مـا مـيّــزه عـن سـواه هـو نـقـاء سـريـرتـه، وصـدقـه مـع نفسه في كـل مـا يفعل، بحيث نستطيع أن نـرى أي نـغـمـة حـــزن أو ملـعـة فـــرح وهـــي تــتــأأل في مــيــاه أعــمــاقــه املـشـمـسـة. ولـــم تـكـن سـمـات أحـمـد األخـاقـيـة، الـتـي ورثـهـا عـن والـديـه العصاميني، لتقتصر على البشاشة وخفة الـــظـــل والــــقــــدرة الــامــتــنــاهــيــة عــلــى الـحـب فـحـسـب، بــل إنـــه اشـتـغـل بــــدأب املـحـاربـ عـلـى أال يــكــون الــتــواضــع عــنــده اتـضـاعـا، والـحـاجـة تضحية بالكرامة، مـحـاوال في الـوقـت ذاتــه أن يـوائـم قــدر استطاعته بني صلبة املوقف وليونة التعبير عنه. وقــــد بــــذل أحـــمـــد الــــشــــاب، وهــــو نجل عـــازف الـكـمـان البيروتي محمود قعبور، جـــهـــودًا حـثـيـثـة لــجــعــل الـــفـــن خـــط تـمـاس شديد الحساسية بـ الحياة والتعبير، ومـــحـــاولـــة شـــاقـــة لــلــتــوفــيــق بـــ االلـــتـــزام بشروط الواقع، وااللتزام بشروط الجمال. إضـــافـــة إلــــى مــــحــــاوالت مــمــاثــلــة لتكييف مــــوســــيــــقــــاه مـــــع روح الــــعــــصــــر وإيــــقــــاعــــه املتسارع، دون أن يقطع الصلة في املقابل مــــع الـــــجـــــذور األم لــــلــــمــــوروث املــوســيــقــي الـــعـــربـــي. كــمــا أن إلـــحـــاحـــه الـــــــدؤوب على أن يـسـتـقـي أعــمــالــه وأغـــانـــيـــه مـــن الـهـمـوم الــــيــــومــــيــــة لـــلـــبـــشـــر الـــــعـــــاديـــــ ، وتـــحـــويـــل املـــنـــاســـبـــات االجـــتـــمـــاعـــيـــة والـــديـــنـــيـــة إلـــى أغـــنـــيـــات وأهـــــازيـــــج، لـــم يــقــلــل مـــن حـرصـه املــــــوازي عــلــى إيــــاء الـــجـــوانـــب الـفـنـيـة في أعماله ما تستحقه من االهتمام. وقـــــد تـــكـــون املــــزايــــا والـــســـمـــات الــتــي وفــــــــــرت لــــتــــجــــربــــة قــــعــــبــــور ســــبــــل الــــبــــقــــاء واالنــــتــــشــــار الـــــواســـــع، هــــي نــفــســهــا الــتــي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بني التجربتني من اختلف، عناصر توهجها الـــداخـــلـــي وثـــرائـــهـــا الــــخــــاّق، فـــي حـــ أن معظم التجارب املماثلة قد آلت إلى الوهن والــضــمــور. كـمـا أن مــا مـنـح أحــمــد قـدرتـه امللحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلـك الــدفء اإلنساني املنقوع باأللم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة فـي أوصـال مستمعيه، لتصلهم رغــم نـحـول الصوت بـــمـــا أضـــــاعـــــوه مــــن حـــيـــواتـــهـــم عـــلـــى غـيـر انتباه. كما أن ذلك الـدفء بالذات، متحدًا مــع ذكــــاء فــطــري وبـــــراءة طـفـولـيـة املـنـشـأ، قـــد مـــكّـــن قــعــبــور مـــن شـــد انــتــبــاه األطـــفـــال وملمسة قلوبهم اليانعة. وحـــــيـــــث كــــــــان قــــعــــبــــور قــــــــــــادرًا عــلــى تــــحــــويــــل كــــــل مــــــا يـــــقـــــاربـــــه مــــــن يـــومـــيـــات الـعـيـش وتـفـاصـيـلـه إلـــى فــن حـقـيـقـي، فـإن الــكــثــيــريــن يــــذكــــرون كـــيـــف أنـــــه صـــنـــع مـن بـعـض «الــفــاشــات» والـبـرقـيـات الدعائية الــســريــعــة الــتــي كــانــت تُــبــث فـــي تـلـفـزيـون «املستقبل» في تسعينيات القرن املنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد مـاشـي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بـظُــرفـهـا الــلــمــاح مـرحـلـة بـكـامـلـهـا. ولـعـل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام الــســيــاســيــة الـــحـــادة الـــتـــي ســـددهـــا نـحـوه الـكـثـيـر مــن املـتـربـصـ بـــه، وبـيـنـهـم أقــرب أصــدقــائــه، والــتــي تـركـت فــي قلبه جـراحـا عصيّة على االندمال. على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون اإلشــــارة إلــى أن الـنـجـاح غير الـعـادي الــذي أصابته أغنيته «أنـاديـكـم»، الـتـي كتبها الـشـاعـر الفلسطيني توفيق زيــــاد، كـــان املحصلة الطبيعية للتحالف الـوثـيـق بـ جـمـال الـنـص وبـراعــة اللحن، مــــضــــافــــا إلـــيـــهـــمـــا الـــــصـــــوت الــــــخــــــارج مــن األحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بني صوت املنادي، الــشــبــيــه بـــمـــا تــبــقــى مــــن صــــاريــــة سـفـيـنـة غـــــارقـــــة، وبــــــ أســـــمـــــاع الـــبـــشـــر املــعــنــيــ بالنداء، هي التي منحت األغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلـى تعويذة رمزية في وجه املوت. أمـــــا أحـــمـــد دحـــــبـــــور، فــلــعــل أكـــثـــر مـا يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقـــتـــطـــاع الـتـعـبـيـر مـــن املــنــابــت الـتـراثـيـة الجمعية، التي أعـاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلـــحـــاحـــه الـــــدائـــــم عـــلـــى مـــــحـــــاورة املـــاضـــي واســتــنــهــاضــه، كـمـثـل قـــولـــه: «أضــاعــونــي وأي فتى أضـــاع األهـــل والـــخــانْ». إضافة إلـــى اســتــخــدام صـيـغ الـــنـــداء نفسها التي استخدمها املغني؛ إذ تتكرر عـبـارات من مــثــل: «يـــا كــربــاء تـلـمّــسـي وجــهــي بـمـائـك تـلـمـسـي عــطــش الـــقـــتـــيـــل»، أو «ويـــــا جَــمـل املـــحـــامـــل دربـــنـــا شــــــوكُ»، وغــيــر ذلــــك. كما تــفــصــح الــبــســاطــة والـــلـــغـــة األلـــيـــفـــتـــان عن نـفـسَــيـهـمـا، عــبــر قــــول دحـــبـــور فـــي إحـــدى ْقصائده الغزلية: ْتبدأ القصة بالوجه املضيء الساحلي شعرها األسود من ليل املخيم فُتْحة العينني «يا دين النبيْ»! والــواقــع أن هــذه املـيـزة لــدى الشاعر أكـثـر مــا بـــدت واضــحــة فــي أعـمـالـه األولـــى «حـــكـــايـــة الــــولــــد الــفــلــســطــيــنــي» و«طــــائــــر الــــوحــــدات» و«بــغــيــر هــــذا جـــئـــت»، قــبــل أن تــخــلــي مـــكـــانـــهـــا فــــي وقـــــت الحـــــق لـخـلـطـة أكثر تعقيدًا من الكتابة الحرَفية والحذق الـتـألـيـفـي. فـفـي تـلـك األعـــمـــال بـــالـــذات بـدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكني األلم واملــكــابــدة واالنــبــثــاق الـتـلـقـائـي مــن باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده: حني يكتمل الحزن تكتمل القنبلة والدم املتربص يفتح ذاكرة في الحجارةِ: إن فلسطني ممتدة من دم عالق بقماطي إلى حقل رز يقاوم في عمق «فيتنام» لكنها حـ ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الــــذي كـــان يـشـحـن الـلـغـة بـطـاقـة عـالـيـة من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعد شاعرًا غـنـائـيـا بــامــتــيــاز، فــإنــهــا لـيـسـت الـغـنـائـيـة الـــرخـــوة الــتــي تـتـوسـل الـتـطـريـب الـصـوتـي ســـبـــيـــا لـــدغـــدغـــة املــــشــــاعــــر، بــــل الــغــنــائــيــة املـشـحـونـة بـقـلـق الــنــفــس، وأســئــلــة الـهـويـة املحاصرة، والجموح العاصف للكلمات. ولـــم تـكـن فلسطني وحــدهــا هــي التي وفـــــرت لــدحــبـــور مـــا يــحــتـاجــه مـــن مـنـاجـم الكتابة ومساقط الحنني إلى املكان األول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديـك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قــد زودتـــــاه مــن جهتهما بــقــدر غـيـر قليل من الرقة، حيث الهبوب املتواصل للرياح املحيطة باملدينة لـم يجبر الشجر وحـده على االنـحـنـاء، بـل تعهد بأنينه املكسور قــصــائــد الـــحـــب، وقـــلـــوب الـــعـــشـــاق، وبـحـة األسى الدهري. ولــــن تــفــوتــنــي اإلشــــــــارة، أخــــيــــرًا، إلــى أن مـــا جــمــع بـــ الــطـــرفـــ مـــن تـشـابـهـات لـــم يــكــن يـقـتـصـر عــلــى الــجــنــاس الـنـاقـص بـــ االســـمـــ ، وال عـلـى املـــزايـــا اإلبــداعــيــة واإلنـسـانـيـة فحسب، بـل إن مـن املـفـارقـات الـغـريـبـة أن يــكــون أحــمــد دحـبــور املــولــود م، وأحـمـد 2017 واملــتــوفــى عـــام 1946 عـــام واملــتــوفــى عـام 1955 قـعـبـور املـــولـــود عـــام م، قـــد تـقـاسـمـا الـعـمــر ذاتـــــه، بحيث 2026 أمـكـن لكل منهما املـكـوث واحـــدًا وسبعني عـامـا ال أكـثـر، فــوق سطح األرض. كما أن املــفــارقــات نفسها قــد تـدخـلـت مـــرة أخــرى لـتـجـعـل مـــن مـــوعـــد نــشــر هــــذه املـــقـــالـــة في «الشرق األوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبـــريـــل) الــحــالــي، هــو املــوعــد نـفـسـه الــذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر األصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم. أحمد قعبور أحمد دحبور شوقي بزيع لعل أكثر ما يتشاركه دحبور مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ يشير لفظ الحرافيش إلى دالالت لغوية واجـــتـــمـــاعـــيـــة تــتــعــلــق بــــ«املـــهـــمـــشـــ » وســـط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» املنحدر مـن الـجـذر اللغوي لفعل «حـرفـش» الــــذي يـعـنـي، حــرفــيــا، الـغـلـظـة وقــلــة تهذيب والـخـروج عـن الـائـق، كما يـدل أحيانا على املصارع واملقاتل. وظـــهـــر لـــفـــظ «الـــحـــرافـــيـــش» فــــي بـــدايـــة عـــصـــر املـــمـــالـــيـــك، حـــيـــث أطـــلـــقـــه املــــؤرخــــون على املصريني سكان الـقـاهـرة مـن الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة. هـذا مـا تلحظه الباحثة حنان راضـي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة املصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرة إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الـــضـــوء عــلــى تــلــك الــفــئــة مـــن الــشــعــب ليس بـاعـتـبـارهـا طبقة كــادحــة فحسب بــل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها املعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة. ويــــــتــــــنــــــاول مــــحــــفــــوظ هــــــــــؤالء الـــبـــشـــر بـــاعـــتـــبـــارهـــم «املــســتــضــعــفــ مــــن الــــنــــاس»، فـحـيـاتـهـم الــفــقــيــرة لـــم تــحــرمــهــم مـــن الـحـلـم والــــســــعــــي وراء الـــــعـــــدالـــــة والـــــحـــــريـــــة الـــتـــي ينتظرون أن تأتي مع البطل امللحمي القادر عـلـى أن يـمـأ األرض عــــدال بـعـد أن امـتـأت ظــلــمــا. هــــذا مـــا تــجــســد بــالــفــعــل فـــي أحــــداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مـــرورًا بــ«الـفـتـوات» الـذيـن ســـاروا على نـهـجـه، وصـــــوال إلـــى عـــاشـــور الـحـفـيـد الـــذي اختتم امللحمة. وتـعـتـقـد الـكـاتـبـة أن املـشـهـد األول في الـروايـة يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلل العثور عليه رضيعا وسط املقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيــدان» وأخـذه لزوجته، وقـامـا على تربيته رغــم عــدم معرفة أصله، ثم تتطور األحداث حني ينمو ويكبر عاشور ويصبح شابا ثم يتزوج وينجب ثلثة أبناء. يـــأتـــي الــــحــــدث الــــثــــانــــي، وهـــــو الـــحـــدث الـــفـــاصـــل فــــي بــــلــــورة األحــــــــداث الـــتـــالـــيـــة فـي الـــروايـــة، وهــو حــدث «الــشــوطــة»، أو الـوبـاء، الــــــــذي حـــــل عــــلــــى الــــــحــــــارة وأخــــــــذ األخــــضــــر والــــيــــابــــس، كـــمـــا اكـــتـــســـح املــــــوت كــــل مــعــالــم الـــحـــيـــاة. وتــكــتــمــل وحــــــدة الــــحــــدث بـــإحـــدى «كـــــرامـــــات عـــــاشـــــور» الـــنـــاجـــي بـــرحـــيـــلـــه عـن الـحـارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تـحـول بـه مـصـيـره، فقد نجا مـن الــوبــاء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلـك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكـأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن. وتشير املؤلفة إلــى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات األخرى مـن «الـحـرافـيـش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع املأساوي، التي يأتي فيها املوت مــصــيــرًا مــحــتــومــا، وهــــي نــهــايــة تـشـيـر إلــى طبيعة االتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مــشــاعــر الـــحـــزن والــقــلــق ومــشــاهــد الـضـعـف اإلنساني. وعـلـى سبيل املــثــال، نجد فـي الحكاية الــثــالــثــة «شـــمـــس الـــديـــن» أن الــنــهــايــة تعلن عـــن رحــيــلــه، فـقـد عـــاش خـائـفـا مـــن الضعف واملرض أكثر من املوت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الـشـيـخـوخـة»، كما تحل النهاية املـأسـاويـة مـــــجـــــددًا عـــبـــر الـــحـــكـــايـــة الــــســــادســــة «شـــهـــد امللئكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم. القاهرة: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==